ما وراء الملابس

خطر الموضة في إيران: عروض الأزياء السرية التي تقاوم فرض «الشادور»

عرض أزياء في طهران - الصورة: Getty/ Majid Saeedi

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «ما وراء الملابس». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


إذا كنت تشاهد الحياة في إيران خلال التلفاز فلن ترى إلا نساءً يسيرون في الشوارع بملابس سوداء واسعة، ورجالًا يرتدون ملابس بسيطة لا تمت للموضة بصلة، لكن الواقع في طهران يختلف عما تراه في التلفاز. إن تجولت في شوارعها، ستجدها تمتلئ بمحلات ملابس تبيع أحدث الماركات العالمية، بجانب تصاميم محلية حديثة، وستشاهد سكانها حريصين على اختيار أزياء تتفق مع خطوط الموضة.

منذ قيام الثورة الاسلامية في إيران، فُرض على النساء الحجاب وارتداء الشادور، وهو عباءة واسعة جدًا تغطي المرأة من رأسها إلى قدميها باللون الأسود، كما كان للرجال نصيب من تلك القيود، فمُنعوا من ارتداء أي ملابس تحاكي الموضة الغربية.

التحايل على القيود

الصورة: Adam Jones

أدت العقوبات الاقتصادية، مع منع استيراد الملابس من الخارج، إلى ظهور مصممي أزياء إيرانيين، يبتكرون تصميماتٍ عصرية توافق النمط الإيراني.

حاولت النساء في إيران التحايل على أمر ارتداء الشادور رويدًا رويدًا، فاستبدلوا البالطو الطويل به، أو ما يسميه الإيرانيون «المانتو»، لكن الأمر لم يعجب النظام الإيراني فقرر التدخل للسيطرة على الزي الجديد، فترك النساء يرتدين البالطو، بشرط أن يكون واسعًا وطويلًا، يصل إلى ما تحت الركبة، وأن يرتدين بنطالًا واسعًا، غامق الألوان، مع إحكام لفة الطرحة.

في بداية التسعينات، بدأت النساء يرتدين ألوانًا أخرى من المانتو، وظهرت نسخة صيفية منه بأكمامٍ قصيرة إلى حدٍ ما، وارتدين عليها بناطيل من الجينز. واستمر الانحسار في زيادةٍ إلى أن أصبح الإيشارب قطعة قماشٍ صغيرة، وأصبح ارتداء الشادور مقتصرًا على نساء المدن المحافظة والريف.

اقرأ أيضًا: كيف يتغير حجاب الإيرانيات بتغير الأنظمة الحاكمة؟

الملابس الملونة مؤامرة خارجية

الصورة: Amir Farshad Ebrahimi

مع فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، مع منع استيراد ملابس من الخارج، ظهر مصممو أزياء إيرانيون، يحاولون تصميم ملابس أكثر عصرية توافق النمط الإيراني، فكانت البداية عند المصممة «فرناز عبدولى» التي حاولت أن تخرج النساء الإيرانيات من تحت الشادور والمانتو، فأطلقت خط أزياء جديد باسم «بوش ما»

«مخطئ من يظن أن إيران خالية من عالم كبير للموضة، وعروضٍ مستمرة للأزياء، لكنها جميعًا تستتر تحت الأرض» - «هيمن كشورى» مصمم أزياء إيراني.

عبدولي واحدة من أهم مصممي الأزياء في إيران، بدأت عملها في عام 2012، وتقول في حوار صحفي مع أحد المجلات الإيرانية أنها ترى الشادور والألوان الغامقة التي ترتديها النساء الإيرانيات كئيبة للغاية فقررت أن تصنع ملابس بألوان زاهية من أقمشة خفيفة تظهر جمال جسد المرأة، بدلًا من سترها وراء أمتارٍ من الأقمشة الكئيبة ، مع المحافظة على أن تناسب التقاليد الإيرانية. بدأت عبدولي نشر تصاميمها على انستغرام، لكنها قوبلت بخوفٍ من بعض متابعيها. لم تستلم عبدولي، وقررت أن تتناقش معهن، محاولةً إقناعهن بأن بعض التصاميم تناسب الشوارع والعمل، بل وحتى الأسواق، وكان ذلك سببًا في شهرة تصاميمها، بجانب أسعارها المعقولة.

«تلك الأزياء الملونة والأقمشة الخفيفة ما هي إلا مؤامرة خارجية لضرب العادات والتقاليد الإيرانية». وفقًا لعبدولي، كانت هذه هي الاتهامات التي وُجهت لها من رجال الدين المتشددين الذين لا يرون للشادور زيًا بديلًا للنساء، على الرغم من أنها ترى ملابسها تناسب المجتمع الإيراني.

عالم للموضة لكن تحت الأرض

«مخطئ من يظن أن إيران خالية من عالم كبير للموضة، وعروضٍ مستمرة للأزياء، لكنها جميعًا تستتر تحت الأرض» هكذا يصف «هيمن كشورى» مصمم الأزياء عالم الموضة في إيران، يقول كشورى لـ«منشور» أن مصممي الأزياء متواجدون في إيران منذ عدة سنوات، وسافر بعضهم للدراسة في أوروبا، ويؤمن كشورى بأن إيران متعطشة لمزيد من التجديد في الملابس، وأنه في يوم من الأيام ستصبح الموضة في إيران محل أنظار الجميع في الخارج.

لكن المشوار لا يزال طويلًا في رأي كشورى، فهم مازالوا مستترين تحت الأرض، على حد تعبيره، فهم يقيمون عروض أزياءٍ بشكل أسبوعي، لكنها في المنازل بعيدًا عن الأضواء، وهو الأمر المهين بالنسبة له، لكنهم لا يمتلكون حلولًا بديلة سوى الخضوع لقيود النظام والانضمام لعروض الأزياء الإسلامية التي تنظمها الدولة.

من محاربة الموضة إلى احتكارها

الموضة وعروض الأزياء في إيران

بدأ مصممو الأزياء في إيران نشر تصاميمهم على مواقع التواصل الاجتماعي واستخدام عارضات أزياء محترفات للترويج للملابس. أدرك النظام الإيراني أن الأمر سيخرج عن سيطرته، ولجأ إلى أسلمة الموضة وعروض الأزياء، فأسندت الدولة تلك المهمة إلى وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، والتي بدورها فرضت قائمة من القيود والقوانين على عروض الأزياء والوكالات وحتى العارضات والعارضين.

قدمت عارضة إيرانية أوراقها للعمل بمجال الأزياء، فتم فحصها طبيًا للتأكد من أنها لم تجري أي عملية تجميل، بجانب فحص سجلها الجنائي وفحص للمخدرات.

بدأت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي تنظيم عروض الأزياء الإسلامية، وأطلقت عليها عروض «العفة والحجاب» تحت عدة قيود وقوانين. تواصل «منشور» مع «حسين فاضلي»، أحد مصممي الأزياء الذين نجحوا في اجتياز تلك الاختبارات من قبل الوزارة، فقال لنا: «في البداية، لابد أن نقدم التصاميم للوزارة لكي يتم الموافقة عليها، والتأكد من أنها مطابقة لتقاليد الجمهورية الإسلامية، ثم يأتي بعد ذلك فحص العارضات والعارضين والاستعلام عنهم».

قد يهمك أيضًا: كيف ينظر رائد تصوير «السوبر موديل» إلى الموضة وقضايا النسوية؟

حاول «منشور» التواصل مع أحد المسؤولين في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي لمعرفة شروط الوزارة في العارضات المتقدمات لتلك العروض، فأجابنا سكرتير رئيس لجنة عمل تنظيم الأزياء والملابس في الوزارة، السيد «أحمدي جعفر»، ولخص موقفهم في أن إيران تثبت للعالم أن لها عادات وتقاليد خاصة بها، ولن تسمح بالغزو الغربي للثقافة الإيرانية، أما عن الشروط الواجب توافرها في عارضات الأزياء لينلن تصريح بمزاولة المهنة من الوزارة، قال: «لكل بلدٍ قواعدها وقوانينها، ووضع شروط معينة ليس بالأمر الغريب».

تواصل «منشور» مع إحدى العارضات التي نجحت في اجتياز اختبارات الوزارة، لكنها رفضت الإفصاح عن اسمها. أخبرتنا برأيها في أن اختيار سيدة إيرانية عرض الأزياء مهنةً لها أمرٌ شديد التعقيد. كانت بدايتها في هذا المجال عن طريق عروض أزياء أُقيمت في المنازل، لكنها أرادت مزاولة تلك المهنة بشكل رسمي، وبتصريح من الدولة لأنها ترغب في أن تراها وكالات الأزياء العالمية، وقدمت أوراقها للوزارة وتم فحصها طبيًا للتأكد من أنها لم تجري أي عملية تجميل، فذلك شرط من شروط الوزارة، بجانب عدة فحوصات أُجريت لسجلها الجنائي، و للمخدرات، وعلى غير المتوقع في عالم الموضة وعروض الأزياء، كان طولها ووزنها آخر اهتماماتهم.

نجحت هذه العارضة في كل الاختبارات، وعلموها طريقة عرض الأزياء على النمط الإيراني ؛ تمشي العارضات مشية عسكرية، على عكس طريقة سير العارضات في جميع انحاء العالم، ويُحظر الابتسام أو النظر للحضور. عملت هذه العارضة في وكالة «بهبوشي» للأزياء، ووفقًا لفاضلي، فهي من أكبر الوكالات في إيران، بجانب أنها تحتكر عالم الموضة هنالك، ويُشاع أن أصحابها على علاقة وثيقة ببعض المسؤولين في الحكومة الإيرانية.

في عام 2015، وبعد كل تلك المحاولات من مصممي الأزياء الإيرانيين للخروج إلى النور، أُقيم في إيران أول أسبوع للموضة، لكنه نُظم تحت إشراف وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. بالرغم من أن الأسبوع كان مُحاطًا بقيود النظام، ولم يُرضي تعطش صناع الموضة، إلا أنهم اعتبروه خطوة إيجابية إلى حدٍ ما.

الجينز الممزق و«الليجنز» خطر على أمن إيران

الصورة: Hamed Saber

في مطلع العام الحالي، كانت فتاة إيرانية في الرابعة عشر من عمرها عائدة من حفل عيد ميلادها مرتدية بنطال جينز ممزق، أوقفتها شرطة الأخلاق لزيها المنافي للتعاليم الإسلامية، وحاولوا إدخالها سيارة الشرطة، وعندما قاومتهم اعتدوا عليها بالضرب.

أصبح الإيرانيون يومًا بعد يوم أكثر اهتمامًا بالموضة، وبدأت النساء في تجربة ارتداء أنماط جديدة من الملابس بدلًا من الشادور والمانتو، معتمدين على ثورة الموضة التى قام بها مصممو الأزياء الإيرانيين، ودخول الملابس من تركيا إلى إيران، وبدأ التغيير الذي طالما أقلق النظام الإيراني ورجال الدين في الحدوث.

في عام 2014 استدعى البرلمان الإيرانى وزير الداخلية لاستجوابه في تخاذل الوزارة في منع انتشار البناطيل، وكان رده أن الوزارة تسعى بكل جهدها لمواجهة هذا «الخطر».

قبل الجينز الممزق، خاض رجال الدين معركة كبيرة ضد خطرٍ جديد، ومؤامرة من الغرب على الثقافة الإسلامية؛ «الليجنز»، بنطال مرن ضيق يشبه الجوارب. فمع بدء انتشار التصاميم الحديثة في إيران، ارتدت الإيرانيات فساتينًا قصيرة إلى حد ما بدلًا من البالطو الواسع، وكان لابد من ارتداء بنطال تحتها، فلجأن إلى الليجنز. تقول «معصومة» لمنشور، أنها تحب هذا النوع من البناطيل لأنه أخف وأسهل في الحركة، وسعره زهيد مقارنةً بالجينز مثلًا.

قد يعجبك أيضًا: اختراع الملابس: من؟ متى؟ لماذا؟

في عام 2014 استدعى البرلمان الإيرانى وزير الداخلية لاستجوابه بخصوص تخاذل الوزارة في منع انتشار تلك البناطيل، وكان رده أن الوزارة تسعى بكل جهدها لمواجهة هذا الخطر، على حد تعبيره، وأن شرطة الأخلاق تقوم بدوريات منتظمة على المحلات التى تقوم ببيع تلك البناطيل لمصادرتها. هل ينجح الشعب الإيراني وصناع الموضة في حربهم لنشر ثقافة جديدة، تحت حكم نظام يرى الموضة خطرًا؟