ما وراء الملابس

اختراع الملابس: من؟ متى؟ لماذا؟

الصورة: Viktor Vasnetsov

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «ما وراء الملابس». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


هناك كثير من الأسئلة الذكية التي يطرحها الأطفال في بدء رحلتهم لاستكشاف العالم، دون أن يدركوا أنها صعبة الإجابة وتتطلب عقودًا من البحث والتقصي المكثف للتوصل إلي نتيجة صائبة، ولعل أحد تلك الأسئلة الصعبة «من اخترع الملابس؟».

رغم السهولة التي يبدو عليها هذا التساؤل، فهو غير محرِج مثل «من أين أتيت إلى الدنيا؟»، ولا يورطنا في متاهة النظريات المتعددة، سواء الدينية أو العلمية، مثل «من خلق الله؟»، بل بسيط للغاية ويدور حول فكرة غير شائكة، لكن لم يمسك علماء الآثار طرف خيط الإجابة سوى منذ فترة قريبة.

إذًا، هل ارتدى البشر الأوائل جلدًا مكسوًّا بفراء الحيوانات مثلما نتخيل؟

للأسف، لا تتحجر الملابس كي يمكن دراستها، فالأقمشة والثياب تتحلل بسرعة مثل الأنسجة الرقيقة التي تحيط بعظام الإنسان، مما يضيف إلى الأمر مزيدًا من التعقيد. ومع ذلك، لم يتوقف علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا عن البحث في عناصر «موضة» الملابس خلال عصر ما قبل التاريخ، وساعدهم على ذلك مجموعة من الدلائل غير المباشرة التي تتضمن كل شيء، ابتداءً من الألياف النباتية المصبوغة حتى القمل.

هل عرف البشر الثياب منذ آلاف السنين؟

نماذج للإنسان البدائي - الصورة: wilko.hardenberg

متى ارتدى الإنسان الملابس لأول مرة؟ لا أحد يعرف التاريخ تحديدًا، وأغلب الظن أنه كان في الفترة من 100 ألف إلى 500 ألف عام مضى حسبما يرجِّح علماء الإنسان. صُنعت ثياب البشر الأوائل من عناصر طبيعية: جلود الحيوان وفرائه، والأعشاب وأوراق النباتات، والعظام والقواقع، وكانت تُعلق عادةً على الجسد أو تُربط حوله. عثر العلماء على إبر خياطة بسيطة مصنوعة من عظام الحيوانات، مما أكد تمكُّن الإنسان البدائي من خياطة ملابس جلدية وأخرى من الفرو منذ 30 ألف سنة على الأقل.

بخلاف التصورات التي تُظهر البشر الأوائل في ثياب من الفرو الخشن، أوضحت السجلات الأثرية ارتداء الإنسان ملابس أكثر تعقيدًا منذ 25 ألف سنة.

حِيكت أقدم الملابس التي وقعت في أيدي العلماء في فترة قريبة نسبيًّا من هذا العصر، إذ عُثِر على صنادل مصنوعة من لحاء الشجر يصل عمرها إلى ثمانية آلاف سنة في ولاية أوريجون الأمريكية، ووُجد قميص وفستان مرصع بالخرز يرجع تاريخهم إلى ستة آلاف سنة في مصر، بالإضافة إلى ثياب «أوتزي»، مومياء قديمة عُثر عليها في منطقة جليدية ساعدت على الحفاظ عليها لخمسة آلاف سنة، واتضح أن صاحبها ارتدى حذاء من الجلد والأعشاب، ومعطفًا من الفراء، وسروالًا من الجلد، بجانب ملابس داخلية جلدية.

اكتشفت مجتمعات العصر الحجري الحديث مزايا حياكة الألياف النباتية مع جلود الحيوانات، وتجلى هذا في صناعة السلال، مما يدل على بروز صناعة الملابس كواحدة من أهم الصناعات الأساسية للبشر حينئذ. ويرتبط تاريخ ظهور الملابس بتاريخ نشأة الأنسجة، فكان على الإنسان اختراع الحياكة وغزل النسيج وغيرها من تقنيات صنع الثياب، بجانب الآلات، حتى يحول الألياف إلى ملابس يمكن ارتداؤها.

تؤرخ الألياف النباتية المصبوغة باللون الزهري والأسود والأزرق، التي وُجدت في كهف قديم في جورجيا، لصناعة النسيج المبكرة، وعُثر على إبر رقيقة من عظام الحيوانات تعود إلى 20 ألف سنة، استُخدمت على الأرجح في حياكة الملابس وصُنع المجوهرات. وبخلاف التصورات الفنية التي تُظهر البشر الأوائل في ثياب من الفرو الخشن فقط، أوضحت السجلات الأثرية ارتداء الإنسان ملابس أكثر تعقيدًا منذ 25 ألف سنة.

لماذا نرتدي الملابس على أي حال؟

السكان الأصليون لأمريكا - الصورة: Bell, Charles Milton

ترتدي العديد من مجتمعات الصيد في العصر الحديث، مثل قبائل «النوير» في جنوب السودان، الحد الأدنى من الملابس، مما يرجح أن حماية الجسد ليست السبب الوحيد وراء اختراع الثياب، ربما وردت هذه الفكرة للبشر الأوائل بغرض الاحتشام لتجنب الاستثارة الجنسية، ولكن يصعب إيجاد دليل دامغ يدعم هذه الفرضية.

يملك الإنسان الحالي جسدًا ضعيفًا وأقل حجمًا من أجداده، مما يجعله أكثر تأثرًا بالمناخ، ومضطرًا إلى ابتكار أنواع متطورة من الملابس.

تأتي نظرية أخرى مفادها أن مجتمعات الصيد تعتبر الملابس وسيلة تدفئة في الشتاء، بدليل ارتداء قبائل «الفويغو» الأصلية في أمريكا الجنوبية ثيابًا في بعض الأوقات، وتجولهم عراةً في أوقات أخرى.

إذا كان العري أمرًا طبيعيًّا، فلما بدأ الهوس بالملابس؟ ومتى حدث؟

هناك بعض الأسباب المنطقية التي أوجدت الحاجة إلى ارتداء الملابس: ففي أثناء المناخ البارد، سيتجمد الإنسان وقد يلقى حتفه دون الاحتماء بأغطية تدفِّئه، ويحتاج أيضًا إلى ما يحجب أشعة الشمس عن جسده في الأوقات شديدة الحرارة، وبرغم ذلك فلا تزال بعض مجتمعات الصيد تفضل التعري، مما يشير إلى عدم حتمية ارتداء الملابس للبقاء على قيد الحياة.

يملك الإنسان الحالي جسدًا ضعيفًا وأقل حجمًا من أجداده، مما يجعله أكثر تأثرًا بالمناخ ومضطرًا إلى ابتكار أنواع متطورة من الملابس، فنلاحظ بسهولة ضرورة ارتداء من يعيشون خارج إفريقيا ثيابًا لحماية أنفسهم من البرودة، فماذا إذن عن الأجناس البشرية التي عاشت قديمًا؟

احتاج الإنسان البدائي دون شك إلى تغطية جسده بالثياب بسبب الأجواء قارسة البرودة التي اضطر للتحرك فيها منذ 30 ألف سنة، فابتكر تقنيات جديدة في ما يخص أغطية الجسد، مثل استخدام فرو الحيوانات، أو صناعة ملابس ضيقة تناسب مقاييس الجسم.

تقلبات المناخ ليست السبب الوحيد

رجل وامرأة وطفل من «الإنويت» (الإسكيمو) - الصورة: Ansgar Walk

إضافةً إلى التدفئة، تقدم الملابس كثيرًا من الخدمات للإنسان، فهي تحميه من الأسطح الخشنة والشظايا، وتمنحه مزيدًا من الأمان في أثناء ممارسته للأنشطة البسيطة التي قد تمثل بعض الخطورة، مثل المشى والطبخ، وتقيه من ملامسة النباتات المسببة للطفح الجلدي ولدغات الحشرات والأشواك، فهي العائق الوحيد أمام ما تحويه البيئة المحيطة من أخطار على جسده.

قد يهمك أيضًا: كيف تطور الوعي البشري عبر التاريخ؟

تعزل الثياب الحرارة والبرودة، وتحمي البشر من الأشعة فوق البنفسجية، بالإضافة إلى أنها حاجز صحي ضد المواد السامة والمعدية التي تهدد الإنسان، فتردع عنه هذه الأخطار وتعمل على راحته.

اعتاد أجدادنا الأولون تلوين أجسادهم والرسم عليها، وحين صار الجو أكثر برودة، لجؤوا إلى زخرفة الملابس بسبب صعب التفاخر بأجسادهم.

لم تقتصر أهمية الملابس على ضمان استمرارية حياة الفرد، بل امتدت كذلك لتحظى بوظائف اجتماعية وثقافية، فأصبحت تميز بين الفرد وقرينه، وتشير إلى حالته الاجتماعية وطبيعة عمله، مثل التباين بين ملابس العاملين في قطاع الطيران وعمال النظافة، وتبرز الاتجاهات الجنسية المختلفة.

تقدم الملابس في أغلب المجتمعات صورة واضحة عن نوع الفرد ومدى اعتداله ودينه وحالته الاجتماعية، وتلعب دورًا في التعبير عن ذوق الفرد وأسلوبه.

عثر الباحثون في كهف «دزودزوانا» في جورجيا على ألياف ملونة من الكتان حيث عاش الإنسان سابقًا، ولعلها استُخدمت في حياكة ملابس متعددة الألوان، ويدل ذلك على تعدد أغراض الملابس عند البشر الأوائل، فأصبح الملبس غير محدود بمجرد أهداف فسيولوجية، إذ جاء في أشكال مُزينة ومزخرفة، واكتسب تدريجيًاّ  قيمة رمزية.

اعتاد أجدادنا الأولون تلوين أجسادهم والرسم عليها، وحين صار الجو أكثر برودة، أصبح التفاخر بأجسادهم الملونة صعبًا، فلجؤوا إلى زخرفة الملابس، ومن هنا خدمت الثياب غرضًا آخر غير الذي نشأت لأجله، مما يوضح كيف أصبحت تعبيرًا عن ماهية كل فرد.

هكذا نجد أن السبيل إلى الحصول على إجابة واضحة لهذا السؤال الطفولي البسيط عن أصل الملابس معقد للغاية، والحقيقة الوحيدة التي توصَّلنا إليها تتلخص في أن الملابس ساعدتنا كثيرًا طَوَال تاريخنا، سواء على مستوى الحماية المباشرة أو على مستوى الثقافة.