ما وراء الملابس

البعد الاقتصادي للتنورة: ملابس النساء كمؤشر لحركة الاسواق المالية

الصورة: Getty/Underwood Archives

هذا الموضوع ضمن هاجس «ما وراء الملابس». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


ربما يبدو ذلك غريبًا، لكن ملابس النساء قد تعكس حركة الأسواق المالية، والناتج المحلي، وبالتالي الحالة الاقتصادية، وذلك باستخدام الـ«Hemline» كمؤشر.

«الهيملاين» خط يمثل ارتفاع الحافة السفلية للتنورة أو الفستان أو المعطف عن الأرض، بحيث تشير زيادته (التي تعني ملابس أقصر) إلى تحسن الظروف الاقتصادية والأوضاع المعيشية، بينما يشير انخفاضه (الملابس الأطول) إلى العكس. في الأوضاع الجيدة حصلنا على هيملاين أكبر كما في العقد الثاني من القرن العشرين، وخلال الكساد الكبير في العقد التالي حصلنا على هيملاين منخفض بدرجة كبيرة، وبصورة مفاجئة.  

هكذا طرح «جورج تايلور»، الأستاذ في مدرسة وارتون للاقتصاد بجامعة بنسلفانيا، نظريته بعنوان «Hemline Index» عام 1926، ليؤكد أنه يمكننا تتبع التحولات الاقتصادية من خلال الأزياء (موضة النساء تحديدًا)، بحيث تؤدي المقارنة بين إحصائيات الـ«Hemline Index» المختلفة إلى المقارنة بين أوضاع اقتصادية مختلفة.

الخمسينيات: حان وقت مارلين مونرو

مارلين مونرو في لقطة من فيلم «The Seven Year Itch» - الصورة: Twentieth Century Fox

انكسرت قاعدة الهيملاين في الحرب العالمية الثانية بعد نقص الأقمشة، فاستدعت الحاجة صنع تنانير أقصر تغطي الركبة فقط.

في مقال بعنوان «اقتصاد الهيملاين» نُشر في فبراير 2008، تتحدث «كلير برايفورد»، وهي كاتبة مختصة بالجمال والأزياء، عن أن تحليلًا لأسبوع نيوريورك للموضة (خريف/شتاء نفس العام) يعتمد على نظرية الدكتور تايلور سيكشف انخفاضًا كبيرًا في معدل الهيملاين، ما ينذر باندفاع نحو الركود الاقتصادي، وهو ما حدث بالفعل مع انفجار الأزمة المالية الناتجة عن أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة، لتتحول إلى أزمة عالمية انهارت خلالها أكبر البنوك الأمريكية والأوروبية، وهددت مجمل النظام الاقتصادي العالمي.

تقارن كلير بين حقب تاريخية مختلفة بدءًا من عشرينيات القرن الماضي، حين ارتفع الهيملاين بارتفاع أسعار الأسهم.

«تمتع ذلك العقد بالحرية الاقتصادية، تخلصت النساء من القيود الثقيلة للحقبة الإدواردية، وبطريقة درامية أصبحت الملابس أقصر بصورة غير مسبوقة». هكذا تنقل كلير عن «سونيت ستانفيل»، التي كانت وقتها خبيرة الموضة في متحف فكتوريا وألبرت لفنون الزينة في لندن.

مع الكساد الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات انعكس الوضع لصالح انخفاض ملحوظ في الهيملاين، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939، وقع استثناء لهذه القاعدة، إذ تأثرت صناعة الملابس بنقص الأقمشة الناتج عن تأثر صناعة النسيج بالحرب، واستدعت الحاجة تصنيع تنانير أقصر تغطي الركبة فقط.

أما في ما تلى الحرب من انتعاش اقتصادي ونمو كبير في حركة الأسواق خلال الخمسينيات، فقد «كان هذا وقت مارلين مونرو»، في إشارة إلى فستان مارلين المتطاير الشهير، أي أن الهيملاين ارتفع بصورة تدريجية ليعكس استقرار الأوضاع الاقتصادية.

جاءت الستينيات (دولة الرفاه المزدهرة، وحالة التمرد العامة التي تزامنت مع الانتشار المكثف للتعليم الجامعي) ، وظهرت الـ«Miniskirt»، أو الـ«Mini jupe» في منتصف العقد على يد مصممة الأزياء البريطانية «ماري كوانت»، إلى جانب المصمم الفرنسي «أندريه كورجيه». وبطول لا يتعدى 20 سنتيمترًا، أصبحت «الميني سكيرت»، إلى جانب الفساتين والمعاطف التي لا تتخطى الأرداف بأكثر من 10 سنتيمترات، إحدى أيقونات العقد، وأحدثت طفرة في مقياس الهيملاين، إلى جانب اعتبارها أحد مظاهر تحرر المرأة.

خلال السبعينيات تراجعت الأسواق تدريجيًّا، وانخفضت معها معدلات الهيملاين، إلى أن ارتفعت مجددًا فوق المعتاد بحلول منتصف الثمانينيات كما يظهر في عروض الموديل الشهيرة «سيندي كروفورد»، ثم عادت لتنخفض مجددًا على طول التسعينيات، مع الاضطرابات الاقتصادية وحالة الركود النسبي.

بينما تميز العقد الأول من الألفية الجديدة بالتذبذب في الأحوال الاقتصادية والأزياء، بين الميني سكيرت التي عادت بقوة على يد المصمم الإسكتلندي «كريستوفر كين»، والتزمُّت الواضح في التصميمات الجديدة في أسابيع الموضة في دول العالم، التي تتميز بمعدلات هيملاين منخفضة.

ترد كلير الأمر إلى العامل النفسي، فقد يعكس ارتداء الملابس القصيرة شعورًا بالثقة والاستقلالية والاكتفاء والتعبير عن الذات بأريحية، وهي المشاعر التي تنتعش في ظل الاطمئنان المادي الناتج عن الحالة الاقتصادية الجيدة، بينما قد يعني/يعكس ارتداء ملابس طويلة نزوعًا نحو الانكفاء على الذات، والشعور بالخجل والقلق، واهتزاز الثقة بالنفس، وهي المشاعر الناتجة عن التخبط المادي في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة.

قد يعجبك أيضًا: اختراع الملابس: من؟ متى؟ لماذا؟

هيملاين: حقيقة علمية أم مجرد أسطورة؟

في عام 2010 أصدر الثنائي «مارغولين فان باردوييك» و«فيليب فرانز»، من معهد «إيراسموس» للاقتصاد في هولندا، تقريرًا بعنوان «الهيملاين والاقتصاد: هل هناك توافق؟»، بهدف التحقق من نظرية جورج تايلور عن طريق مسح لإحصائيات شهرية للهيملاين.

قسم الثنائي الهيملاين إلى خمسة أنواع:

  1. Mini
  2. Ballerina: فوق الركبة مباشرة
  3. Below the knee: تحت الركبة وفوق الكاحل
  4. Full length: يلامس الكاحل
  5. Floor length: يتخطى الكاحل ليلامس الأرض

وبإجراء المسح على فترة تمتد من عام 1921 إلى 2009، والاعتماد على عدة دوريات فرنسية منتظمة متخصصة في الموضة، أشهرها «L’Officiel»، ومقارنتها بالإحصائيات الاقتصادية للمكتب القومي للأبحاث الاقتصادية في أمريكا، مع الأخذ في الاعتبار أن الموضة لا تنتشر فورًا بمجرد طرحها، بل تحتاج إلى بعض الوقت لتكون مقبولة، فقد توصل الثنائي إلى أن النتائج تؤكد صحة نظرية تايلور، وإلى الاستنتاج التالي:

«وجدنا أن الظروف الاقتصادية العصيبة تؤدي إلى خفض الهيملاين، ما يعني أن ملابس النساء تصبح أقرب إلى الأرض، بينما الازدهار مرتبط بزيادة في الهيملاين (More Miniskirts)، وفي ذات الوقت، ووفقا للأرقام المتاحة، تنعكس الحالة الاقتصادية على الهيملاين بعد ثلاث سنوات تقريبًا، وهذا ما يفسر لماذا لم يزل لدينا الآن في ظل التراجع الاقتصادي (في 2010) تنورات قصيرة، وذلك يعود ببساطة إلى أن الفقاعة الاقتصادية حدثت قبل ثلاث سنوات تقريبًا بين 2007 و2008».

يتحدث الثنائي إذًا عن أن آثار الدورة الاقتصادية الجيدة أو السيئة تبدأ في الانعكاس من خلال مرآة الهيملاين بعد مرور ثلاث سنوات من حدوث تغيير ما في حالة الأسواق، ويتتبع التقرير العلاقة بصورة عكسية، عندما يطرح السؤال حول ما إذا كان للهيملاين أي تأثير في الحالة الاقتصادية كما يأتي:

«حللنا كذلك العلاقة العكسية باستخدام نموذج لوغاريتمي، بمعنى أنه إذا كان للهيملاين تأثير في الإحصائيات الاقتصادية (وبالتالي على الحالة الاقتصادية) أم لا، واطمأننا إلى نتيجة مفادها أن مثل تلك العلاقة غير موجودة، سواء في الوقت الحالي أو في ما مضى».

قد يهمك أيضًا: عزيزي القارئ: ماذا ترتدي الآن؟

تتغير الموضة إذا انهار «ليمان براذرز»

ضمن تغطية «Business Insider» لأسبوع الموضة في نيويورك عام 2012، نشرت الصحيفة تقريرًا سجلت فيه نتائج الهيملاين لتصميمات 25 من أهم المصممين لموسم خريف/شتاء، وبمقارنتها بنتائج الهيملاين لخريف/شتاء عام 2011، فآثار الأزمة الاقتصادية لم تزل حاضرة بقوة.

كشفت الأرقام عن زيادة في الهيملاين في 2012، فقد ارتفع من 35.04 إلى 44.38، وتشير أرقام 80% من المصممين إلى ارتفاع ملحوظ للهيملاين في الجزء الأكبر من أعمالهم.

«تبحث العميلة عما يمنحها مزيدًا من الأناقة، الفكرة المتعلقة بأنه حين ينقلب الاقتصاد رأسًا على عقب، تتجه العميلة إلى شراء الأساسيات. وحتى حين لم يحدث ذلك، فإن العميلة لم تتوقف عن التسوق، لكنها لم تعد تتسوق بنفس المعدل»، هذا ما يعتقده «كين داونينج»، نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة «نيرمين ماركوس».

ينقل التقرير آراء مصممين آخرين حول النظرية، إذ يعتقد «جيفيري مونتيرو» بأن المسألة نسبية، وأن الأمر يرجع إلى المصمم ووجهة النظر أو التصور الذي ينقله على الورق. ويؤمن الجزء الأكبر من المصممين بأن للاقتصاد تأثيرًا محدودًا في ما يقدمون، لكن كاتب التقرير كذلك يتعجب من حقيقة إجماع المصممين على اللون الأسود والألوان المحايدة بالتزامن مع انهيار بنك «ليمان براذرز» في سبتمبر 2008، أو أن الأمر لم يتجاوز كونه مجرد صدفة، ربما.