ما وراء الملابس

عزيزي القارئ: ماذا ترتدي الآن؟

الصورة: Getty/Andreas Rentz

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «ما وراء الملابس». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


عزيزي القارئ، ماذا ترتدي؟ لا، لا تفهمني بهذا الشكل، أنا لا أحاول استدراجك إلى محادثة ساخنة، أنا لست منحرفًا، صدقني، ليس إلى هذا الحد على الأقل. أسألك لغرض علمي سيكولوجي بحت: ما الذي جعلك ترتدي ما ارتديته في صباح هذا اليوم قبل أن تخرج إلى عملك/دراستك/تمشيتك الصباحية؟ لماذا هذا التيشيرت أو القميص أو البنطلون أو التنورة؟ لماذا هذه الألوان تحديدًا؟

هل اخترت ملابسك لتبدو مثل الجميع أو على الموضة السائدة؟ هل اخترتها عمدًا لتصبح مختلفة بشكل يبرزك وسط الزحام، أم استيقظت مشوشًا مرهقًا فارتديت ما كان ملقًى على الأرض في كومة كانت هناك منذ الأزل؟

هل قررت في لحظة ما أن من حولك، مِن أسرة وأصدقاء وزملاء وحتى رؤساء، أشخاص أذكياء منفتحون عمليون، لن يحكم أيهم عليك من مظهرك وملابسك، وتقييمك لديهم سيكون نتاجًا لمواقفك العملية وأدائك في شتى المهام بشكل عملي؟ حسنٌ، هم ليسوا كذلك، ولا أنت، ولا أيٌّ منا، ربما نحاول بشدة أن نكون، لكن هناك حدًّا أقصى لما نستطيعه.

ملابسك تتحدث عنك

لقطة من فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» الصورة: العدل جروب

في بحث إنجليزي-تركي مشترك، جهز بعض علماء النفس ومتخصصي التسويق مجموعة من الصور لرجال يرتدون ملابس عمل رسمية، بدلات بعضهم كانت فاخرة أنيقة جدًّا وفُصِّلت خصيصًا لأجله عند خياط متخصص، والأخرى كانت شبيهة بالأولى للغاية لكنها من محل عادي.

عُرضت الصور على نحو 300 شخص، كل صورة تُعرض فقط لثلاث ثوانٍ، ثم طلب الباحثون من أولئك الأشخاص أن يحكموا على الشخص الذي رأوه لتوهم.

ربما تعتبر نفسك شخصًا ذكيًّا، لكن الحقيقة أننا كلنا، بشكل غير واعٍ، تتحكم المظاهر في نسبة كبيرة جدًّا من قراراتنا.

كانت النتيجة أن ذوي البدلات المفصَّلة نالوا أحكامًا بأنهم أكثر ثقةً وذكاءً ونجاحًا ومرونةً في حياتهم، من أولئك الذين يرتدون البدلات العادية.

بحث مشابه أُجري على السيدات في بريطانيا (تذكر: بريطانيا، المجتمع الذي نفترض فيه التحضر والترفع عن الأفكار البالية القديمة) لمعرفة التحيزات القائمة على الجنس في بيئة العمل، وإجابة سؤال: هل النساء أقل كفاءةً من الرجال؟

كانت الصور هذه المرة لعارضات يرتدين ملابس عمل رسمية. الملابس كانت كلها متحفظة، مع فوارق بسيطة في طول التنورة قد يكون سنتيمرات قليلة، أو زر آخر مفتوح في البلوزة. عُرضت الصور على جمهور من السيدات، كل صورة لمدة خمس ثوانٍ، وطُلب منهن تقييم النساء اللاتي في الصور من حيث «كفاءتهن في العمل».

جاء التقييم إيجابيًّا كلما زاد طول التنورة وسلبيًّا كلما قصرت، رغم أن الملابس كانت كلها متحفظة والفروق بينها ضئيلة فعلًا، ورغم أن من يُطلقن الأحكام كُنَّ إناثًا مثل اللاتي في الصور، لكن سنتيمترًا واحدًا أقصر فوق الركبة كان كفيلًا بأن تنال الفتاة في الصورة حكمًا بأن كفاءتها في عملها محدودة.

أبحاث أخرى تتبعت الفكرة لتجد أن هذه الأحكام قد تبدأ في طفولتنا، وأن المدرسين في أحيان كثيرة يطلقون الأحكام على الأطفال بشأن قدراتهم الدراسية تبعًا لملابسهم.

ربما تعتبر نفسك شخصًا ذكيًّا، تحكم على الآخرين بناءً على أدائهم ومواقفهم العملية وليس تبعًا لمظاهرهم الخارجية. هذا ما تقوله دومًا وهذا ما تؤمن به في قرارة نفسك، لكن الحقيقة أننا كلنا، بشكل غير واعٍ، تتحكم المظاهر في نسبة كبيرة جدًّا من قراراتنا.

سنرى أخطاءً في أداء شخص ما ونعتبرها أخطاءً لا تُغتفر ولا يمكن تحملها، لن نعترف لأنفسنا بشكل واعٍ أن هذا حدث لأن ملابسه لم تعطِنا الانطباع الأول المناسب عنه، بينما سنتقبل هذه الأخطاء نفسها وربما أسوأ منها، ونعتبرها أخطاء فرعية بسيطة يسهل تجاوزها، في حالة إن كان مرتكبها شخصًا يرتدي ما يقدم انطباعًا بالثقة والذكاء وحُسن الفهم.

قد يعجبك أيضًا: هل ترى العالم بعيون مختلفة؟ أنت عبقري

تأثير «اليونيفورم»

إعلان مسحوق التنظيف

يميل الناس لتصديق الطبيب الذي يعلق حول عنقه سماعة طبية، حتى لو لم يستخدمها أبدًا، وحتى لو لم يكن في حديثه ما يتعلق بها.

تحدثنا من قبل عن ملابس ممثلي إعلان مسحوق التنظيف في موضوعنا عن الدليل الاجتماعي، والآن سنحتاج إلى الحديث عنه بشكل أكثر تفصيلًا.

في الإعلان ثلاثة أنواع من الملابس:

  1. ملابس فِلاحة بسيطة ترتديها أغلب ممثلات الإعلان، الذي يبدو كأنه يدور في مؤتمر جماهيري للتعريف بمسحوق التنظيف. هذه هي ملابس الجمهور المستهدَف من الإعلان، إذ يريد صانعوه أن ترى السيدة الريفية نفسها في كل سيدة من النساء اللاتي يشهقن في انبهار بينما يرين المعجزات التي يفعلها هذا المسحوق العجيب.
  2. ملابس السيدة الجليلة من عِلية القوم، تلك التي ترتديها الفنانة عبلة كامل، وهي تمثل ما ترتديه السيدات ذوات الشأن العالي في مجتمع القرية الريفية، زوجات الرجال المهمين أو أمهاتهم، وهن صاحبات الحَل والعَقْد في شتى الأمور، لذا فعندما تنصح واحدة منهن بمسحوق التنظيف هذا، فكلمتها لا تُرَد.
  3. معطف الطبيب الأبيض، يرتديه طبيب أبيض الشعر لا يعلم إلا الله من أين أتى، مقدمًا المسحوق وكأنه الحل الأسطوري القادم من عالم آخر (عالم التكنولوجيا الألمانية مثلما يخبرنا)، ليزيل عنكِ سيدتي همَّ البقعة العنيدة التي تؤرق منامك.

إنه سحر «اليونيفورم»، الناس على استعداد دائم لطاعة أي شخص يرتدي ملابس رسمية، مهما كانت طبيعتها، من الطبيب إلى الشرطي إلى حارس الأمن. أثبت هذا عالم النفس الاجتماعي «ليونارد بيكمان» في سلسلة تجارب مهمة.

اقرأ أيضًا: القصار خبثاء والنساء لا يجدن القيادة: كيف نقع في فخ التنميط؟

في تجارب بيكمان، كان شخص يوقف أحد المارة في الشارع ويطلب منه طلبًا، أي طلب، أن يلتقط شيئًا من الأرض، أن يقف في مكان ما بدلًا من المكان الذي يقف فيه، أن يعطيه نقودًا، في مشاهد تبدو كأنها حلقة من «الكاميرا الخفية». أحيانًا يكون الطالب يرتدي ملابس عادية، وأحيانًا أخرى ملابس رسمية من أنواع عدة، لكن النتيجة كانت أن الناس تنصاع غالبًا إلى أصحاب الملابس الرسمية أيًّا كان نوعها، وربما يفسر هذا كثيرًا من «الجنون» الدائر في مجتمعاتنا العربية.

بحث بريطاني آخر وجد أن الناس تميل أكثر إلى تصديق الطبيب الذي يعلق حول عنقه سماعة طبية، حتى لو لم يستخدمها أبدًا، وحتى لو لم يكن في حديثه ما يتعلق بها.

حاول أن تتذكر هذه التفاصيل عندما تخطط لعملية النصب التالية.

المعرفة الكسائية، أو الإدراك الملابسي، أو المعرفة عبر الملابس، أو أيًّا كان اسم هذا الشيء

كيف تؤثر الملابس في ذكائنا وتصرفاتنا؟

العنوان السابق كان نتيجة محاولات يائسة لترجمة تعبير «Enclothed Cognition»، ولم ينجح أيها مثلما هو واضح. عندما نكبر ونكتب أبحاثنا بالعربية، سنجعل أسماءها غير قابلة للترجمة، وسنشاهد كُتَّاب موقع «Buzzfeed» يعانون الأمرَّين لترجمة مصطلحاتنا عندما يكتبون عنها.

حتى الآن لم نتحدث سوى عن الرسائل التي تبعثها ملابسنا، بقصد أو دون قصد، إلى الآخرين، وهو أمر يعرف أغلبنا عنه شيئًا أو اثنين في الغالب، لكن ما لا يَرِدُ في معظم أحاديثنا هو تأثير الملابس على من يرتديها.

يقدم العلماء مصطلح «Enclothed Cognition» للتعبير عن ظاهرة تأثُّر من يرتدي الملابس بنوع الزي الذي يلبسه.

قد تجعلك الملابس الرياضية تؤدي بشكل أفضل في صالة الجيم، والنظارة التي تجعلك تبدو أذكى قد تجعلك أذكى قليلًا بالفعل.

في تجربة بسيطة، جعل العلماء بعض الأشخاص يؤدون اختبارات ذكاء، لكن قبل ذلك ألبسوا نصفهم معاطف أطباء، وجعلوا الآخرين يرتدون ملابس عادية. النتيجة أن أداء من يرتدون معاطف الأطباء كان أفضل بشكل ملحوظ من الآخرين.

اللطيف أنهم أعادوا التجربة مع إلباس الجميع معاطف بيضاء، لكنهم قالوا لبعضهم إن نوع معاطفهم من الذي يرتديه الأطباء، بينما أخبروا الآخرين أنهم يلبسون معاطف رسامين. لم يكن هناك أي فارق حقيقي في المعاطف، وإنما الفارق كان في ما قيل لهم شفاهةً فقط، والنتيجة؟ بالضبط كما توقعت، مَن قيل لهم إنهم يرتدون معاطف أطباء كان أداؤهم أفضل من لابسي معاطف الرسامين.

ما تقترحه نتائج التجربة والأطروحة المقدَّمة معها عن الـ«Enclothed Cognition» أن الملابس التي نرتديها تؤثر في العمليات النفسية التي تدور داخلنا، مثل المشاعر وتقييم الذات والتصرفات المختلفة والعلاقات الاجتماعية،  تبعًا للمعنى الرمزي الذي نعزيه، نحن كمجتمع، إلى هذا الشكل من الملابس.

حتى لغتك تتأثر بطبيعة الملابس التي ترتديها، فلن تحتاج إلى من يذكِّرك بأن تستخدم «مساء الخير» في العمل و«أحلى مسا» في المقهى و«السلام عليكم» في المسجد. التبديل بين البدلة والشورت والقفطان سيؤدي إلى تبديل عبارات التحية بشكل تلقائي.

إذًا، الملابس الرياضية ستجعلك تؤدي بشكل أفضل في صالة الجيم، والنظارة التي تجعلك تبدو أذكى قد تجعلك أذكى قليلًا بالفعل، وعندما ترتدين ملابس السباحة ستصيرين أكثر أنوثةً لكن أقل ذكاءً، والملابس العسكرية ستجعلك.. يا إلهي، لا أحب حتى مجرد التفكير في الأمر. لكن دعني أسألك الآن مرةً أخرى: عزيزي القارئ، لابس إيه؟