من نراقب؟ من يراقبنا؟

شباب الأدباء ومقص الرقيب البعثي: هكذا قُتل الوعي تحت حكم الأسد

بائع كتب حلبي عجوز يواصل عمله رغم الحرب السورية - الصورة: Getty/Anadolu Agency

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمبر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


يمكن اعتبار سوريا خلال حكم البعث، الممتد لأكثر من 50 عامًا، حالة مصغرة لما رسمه الروائي البريطاني «جورج أورويل» من أهوال الاستبداد الحكومي في رائعته «1984» التي صارت مثالًا يحتذى للدلالة على الاستبداد، خصوصًا في مجتمعاتنا العربية، وتحديدًا في ما يتعلق بفكرة الرقيب التي كانت أبرز ما ظهر في حكاية أورويل، عبر الشاشة المفروضة في كل منزل، التي يظهر منها الزعيم وتتم الرقابة من خلالها، حتى صار كل مواطن سوري يعتقد بوجود ذاك الرقيب في حياته اليومية، التي لم تنفصل عن حياة المثقف المقيم في سوريا.

مارس حزب البعث، متمثلًا في حكم الأسد الأب والابن على التوالي، رقابة شديدة على حياة السوريين عمومًا والمثقفين منهم على وجه الخصوص، معتمدًا على أساليب كثيرة من التطويق الأمني والفكري، فارضًا عين رقيبه ومقصه على ما يصدر من إبداع سوري، مانعًا الكثير من المبدعين من نشر إبداعهم، دافنًا الآلاف من المنتَج الإبداعي السوري في عتمة الخزائن، التي خُصصت لما هو ممنوع من النشر والعرض على الجمهور.

في بيتنا رقيب

الكاتب محمد جميل خضر يتحدث عن الرقابة الأدبية في سوريا

كان الصحفي والكاتب همام كدر يبحث بشغف عن الروايات الممنوعة في سوريا، خصوصًا تلك التي فيها ما يغيظ الرقيب.

بمجرد ذكر الرقابة على الكُتب والمنتج الإبداعي عمومًا، يخطر في بال الكاتب الصحفي همام كدر، مؤلف «تهويمات سورية»، عديد من الصور، سواءً تلك التي مرت في الواقع أمامه، أو التي عَبرت في ذهنه من شدة الخوف في الأجواء المحيطة بالمنتج الأدبي والأدباء في سوريا.

يتذكر كدر خلال حديثه لـ«منشور» أنه ختم نثريةً نشرها في مطلع شبابه في صحيفة محلية بكلمة «أُناضل»، وقتها كان في الخدمة العسكرية الإلزامية، وأحَبّ أن يُطلع الضابط المسؤول عنه عليها نظرًا لاهتماماته الأدبية، فكان تعليقه: «إنها جيدة، لكن لماذا وضعت كلمة أُناضل في النهاية؟ لا يُفضّل استخدام مثل هذه الكلمات لأنها خاصة فقط بالقادة، بل بقائد واحد، قاصدًا حافظ الأسد في ذاك الوقت».

يؤكد كدر أنه فهم من ذلك أن هناك شخصًا واحدًا على هذه الأرض هو من يُناضِل، ونحن يُناضَل بنا.

لا يتوقف الخوف بكدر عند هذا، إذ يتذكر كيف كان يترقب دومًا الااستدعاء الأمني، ويتخيل كيف سيكون شكل التحقيق والحوار الذي سيدور بينه وبين المحقق.

لكنه من جهة أخرى كان يتلذذ بقراءة الكتب الممنوعة من باب أن «كل ممنوع مرغوب»، متخيلًا بابتسامةٍ رجلَ الأمن الذي يجلس خلف شاشة الكمبيوتر ويقرأ معه، ويضرب رأسه متعجبًا من كيفية وصوله إلى الكتاب الممنوع.

كان الكاتب السوري يبحث بشغف عن الروايات التي فيها ما يغيظ الرقيب، مثل «المترجم الخائن» لفواز حداد، و«القوقعة» لمصطفى خليفة، وغير ذلك من الأعمال الفنية التي كانت تُحارِب الرقابة، مثل مسلسل «أيام الولدنة»، الذي يعتبره كدر من أهم المسلسلات السورية التي استطاعت قول المسكوت عنه في تلك الفترة.

يرى همام كدر أن الرقابة في سوريا كانت ذكية نوعًا ما من ناحية إفساح المجال للأسماء المشهورة لقول ما تريد، من باب أنها تسمح بحرية التعبير عن الرأي، فلا يمكن إيقاف تلك الأسماء لما قد يثير ذلك من ضجة وزوابع حولها، مثل الكاتب الراحل محمد الماغوط، الذي « قطع مقص الرقيب ورقبته».

اقرأ أيضًا: هل حصلت على موافقة السلطة والمجتمع ورجال الدين؟

قانون مطبوعات أم عقوبات؟

كانت سوريا تعيد نسخ الكتب الممنوعة رقابيًّا عن طريق «شيخ الوراقين»

كانت الرقابة في بداية عهد الأسد الأب ضعيفة، لكنه تمكن مع مرور السنوات من إحكام قبضته على الدولة بتطبيق الرقابة على الكتاب والصحافة، بشكل وصل إلى ذروته في التسعينيات.

يُشير الصحفي والكاتب السوري إبراهيم الجبين، صاحب رواية «عين الشرق»، التي تحكي عن تحولات دمشق السياسية من منتصف القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية، إلى أن سوريا كانت محكومة بقانون للمطبوعات سُنّ لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، ثم أجريت عليه تحديثات بعد انقلاب البعث، وكان يجري تطبيقه عبر آليات محددة وعديدة في اتحاد الكتاب العرب ووزارة الإعلام، وكذلك في القيادة القطرية لحزب وفروع الأجهزة الأمنية.

صدر قانون جديد للمطبوعات في بداية عهد بشار الأسد، لكن الكُتاب السوريين أطلقوا عليه وقتها «قانون العقوبات»، لأنه كان يركز بكل وسيلة على تجريم الكاتب أكثر من حماية حقه في التعبير.

قد يهمك أيضًا: الوصاية والأدب: «من أين لنا بهذا الرقيب الرائع؟»

يرى الجبين أن الرقابة تغيرت بين عهدي الأسد الأب والابن، فكانت في بداية عهد حافظ ضعيفة جدًّا، لكنه تمكن مع مرور السنوات من إحكام قبضته على الدولة بتطبيق أكبر وسيلة ممكنة للرقابة على الكُتاب والصحافة، ووصلت ذروتها في التسعينيات، قبل أن يبدأ العصر الإعلامي الجديد بالستالايت والميديا المعتمدة على الإنترنت، وهكذا بدأت الأمور تفلت من يد النظام، ولم يعد قادرًا على التحكم بها في عهد بشار سوى بمزيد من القمع ومزيد من المنع.

الرقابة في سوريا.. أكثر من مرة

يحكي الجبين لـ«منشور» أن الرقابة السورية منعت عددًا من كتبه وجَرّمت بيعها، مثل كتاب «لغة محمد» عام 2003، رغم أنه بحث لُغوي لا علاقة له بالسياسة:  «منعوه في القيادة القُطرية مباشرة».

يوضح الكاتب السوري أن كتابه «أسامة بن لادن في سوريا» عام 2002 منعته وزارة الإعلام، ومُنعت روايته «يوميات يهودي من دمشق» عام 2007 من العرض والتداول في معارض الكتاب، وصودرت النسخ التي كانت تُباع سرًّا في بعض المكتبات.

بالنسبة إلى إبراهيم الجبين، لا حدود للممنوع والمسموح في سوريا رقابيًّا. كتب الرجل دراسة بعنوان «ما الممنوع والمسموح على المثقفين السوريين؟»، لكن إجابة السؤال كانت صعبة بقدر صعوبة العقاب الشديد الذي يمكن أن يقع على المثقف السوري، الذي يعتبره نظام الأسد البعثي أخطر من المسلح، فسلاح المعرفة أشد على الأنظمة القمعية من السلاح العادي.

غرائب المنع البعثية: الإساءة إلى أصالة الشعر العربي

غلاف رواية «يوميات يهودي من دمشق» - الصورة: دار خطوات

يشير الجبين إلى أن النظام استعمل كثيرًا من الحجج التي قد تخطر أو لا تخطر على بال أحد، في سبيل محاربة الثقافة وفرض الرقابة عليها. فمثلًا، منع النظام السوري كتابه «لغة محمد» بذريعة أن فيه خروجًا على التفكير الديني الإسلامي التقليدي، وخشية أن يثير حساسية الإسلاميين، وهكذا تحول نظام يدّعِي أنه علماني إلى نظام ملالي.

بينما مُنعت روايته «يوميات يهودي من دمشق» لأنها تتحدث عن ملفين خطرين من وجهة نظر النظام، ملف يهود سوريا، الذين «يتعامل النظام معهم بنازية، ويستخدمهم كورقة مساومة مع الغرب. يتصرف كنظام معادٍ للسامية كاره لليهود». والملف الآخر هو القاعدة في بلاد الشام، وربطه بأجهزته الأمنية في الرواية عبر شخصية محورية فيها.

يرى إبراهيم الجبين أن النظام السوري لم يُرِد أن تُكشَف صلاته الوثيقة بالمتطرفين في العالم، لاستخدامهم كورقة مساومة مع القوى الدولية، وكذلك لاستخدامهم متى شاء لإلصاق التهمة بهذا المكوِّن أو ذاك من مكونات الشعب السوري، وإظهاره كمتطرف إرهابي.

قد يعجبك أيضًا: من البصاص إلى الأخ الأكبر: مآلات المراقبة في الرواية

بينما يعتقد الكاتب والصحفي السوري محمد منصور، الذي مُنعت مجموعته القصصية «توت الشام» من قِبل اتحاد الكتاب العرب، الذي يتخذ من دمشق مقرًّا له، أنه لا يوجد أبرع من النظام السوري وأجهزته الرقابية في ابتكار التهم، خصوصًا ما يتعلق بالرجعية والصهيونية، أو عداء الأفكار الثورية، أو الفكر الهادم لنهج البعث، أو ما يوهن عزم الأمة، وتهم أخرى أكثر غرابةً، مثل الإساءة إلى أصالة الشعر العربي، أو الحداثة الزائفة، أو عدم استيفاء الشروط التي توضع كما يرغب الرقيب.

مؤسسات ترعى الرقابة

غلاف كتاب «601 المحاكمات الإلهية» - الصورة: دار الأهلية

خروج كتاب ذي قيمة من وزارة الإعلام السورية في ثمانينيات القرن الماضي كان أشبه بخروج سجين من سجن «تدمُر»، المعروف بالقمع.

اعتمد النظام على العمل المؤسساتي في الرقابة، مثلما يؤكد الكاتب الصحفي جابر بكر، الذي اعتُقل سياسيًّا في سجن «صيدنايا» سابقًا، ووضع روايته الأولى «601 المحاكمات الإلهية» عام 2017، ليوثق فيها حياة الاعتقال في سوريا.

يشرح بكر أن وزارة الثقافة السورية ومراكزها المنتشرة في المحافظات، فضلًا عن اتحاد الكُتاب، كانت أول مراكز الرقابة التي اعتمدها النظام، فغيّر دورها من تطوير المحتوى الثقافي إلى تقييده، ومراقبة ما يُكتب لمنع نشره حال مخالفته للأُطر التي فرضها نظام البعث، ما جعل جُلّ الكتاب السوريين، في تلك الفترة العصيبة، يطبعون منتَجهم الثقافي خارج البلاد، متخذين من بيروت وعمان انطلاقًا لكتاباتهم، التي كانت تدخل إلى سوريا تهريبًا، دليل منعها.

يرى بكر أن أسوأ أنواع الرقابة التي مورست على المبدعين السوريين هي ذاك الرقيب الداخلي، الذي زُرع فيهم نتيجة التخويف والقمع الممنهج.

وفقًا لجابر بكر، أصبح تناول قضية محلية بشتى مجالاتها جريمة يعاقَب عليها، متذكرًا موقفًا حصل معه شخصيًّا، حين فكّر أن يتناول في تحقيق له حياة السوريين المعدَمين الذين يعيشون على القمامة في مخيم قرب مدينة دمشق، فما كان من رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السورية، التي كان يعمل بها، إلا أن منع نشر التحقيق لتزامنه مع كلام عبد الحليم خدام، نائب رئيس الجمهورية المنشق عن نظام البعث، عن السوريين الذين يعيشون على القمامة.

الكاتب الصحفي محمد منصور يوضح لـ«منشور» أن خروج كِتاب ذي قيمة من وزارة الإعلام السورية في ثمانينيات القرن الماضي كان أشبه بخروج سجين من سجن «تدمُر»، المعروف بالقمع، وربما يخرج في النهاية ممهورًا بعبارة «منع من النشر».

يستغرب منصور وظيفة اتحاد الكُتاب العرب، الذي من المفترض أن يكون أول المدافعين عن حقوق الكُتاب والمبدعين، لكنه في سوريا كان سيف الرقابة الأشد عليهم والأكثر بيروقراطية، وربما كان المخطوط الأدبي يقبع لشهور طويلة قبل أن يخرج بعدم الموافقة في أحيان كثيرة، في حين لا يمكن الاعتراض على النتيجة إلا بتقديم المخطوط ثانيةً باسم جديد، مع تأمين واسطة مدفوعة الثمن لأجل الموافقة عليه.

رقابة قاتلة للوعي

يعتقد الروائي السوري الشاب مضر عدس، مؤلف رواية «رحلة إلى إسطنبول»، أن الرقابة التي فرضها نظام البعث قتلت كل محاولات السوريين لتشكيل وعي جمعي، ما أسهَم في إضعاف وإفشال المجتمع النخبوي السوري، الذي يُفترض فيه قيادة المعركة الثقافية المجتمعية مع النظام، وهذا ما يرجح لدى عدس سقوط الثورة السورية حين فقدت ذاك الوعي الذي قُتل لسنوات.

الحراك السوري استطاع رغم كل ذلك، من وجهة نظر مضر عدس، أن يكسر حواجز الرقابة في المناطق الثائرة التي خرجت عن سلطة النظام، لكنه مع مُضي الوقت وتفشّي الأيديولوجيات المهترئة في الحراك، سقطت النخب في صراعات رقابة جديدة، خنقت الأصوات الحرة ورفضت العمل على مبادئ الثورة، التي أعلنت من يومها الأول رسم طريق جديد لحرية السوريين.

كل هذا لا يمنع عدس من التفاؤل بالجيل الذي صنعه الحراك السوري، الذي تأسس على الخروج عن المألوف وكسر الحواجز والحدود، راسمًا معالم جديدة لثقافة سوريا ومبدعيها، بعيدًا عن مقص الرقيب، الذي لن يكون قادرًا على هزيمة المثقف السوري الشاب في المعارك القادمة.