من نراقب؟ من يراقبنا؟

الوصاية والأدب: «من أين لنا بهذا الرقيب الرائع؟»

مشهد من فيلم «المصير» - الصورة: أفلام مصر العالمية (يوسف شاهين وشركاه)

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمبر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


«تقرأ الدولة الأدب لتمنعه». تصدُق هذه الجملة على غالبية الدول العربية، وتتفاوت في الإجراءات التي يتخذها كلٌّ منها. قد تحاكم الدولة العمل الأدبي، تبرئ الكاتب أو تسجنه، تعيد طبع الأعمال أو تصادرها فتُباع على الأرصفة. وقد تترك الكاتب فريسة للاغتيال المادي من قِبل حراس الدين والأخلاق، أو يصل الأمر إلى حكم قضائي بإعدام الكاتب، كما حدث مع الشاعر الفلسطيني أشرف فياض، قبل أن يخفض الحكم نتيجة الضغط الدولي إلى السجن ثماني سنوات والجلد 800 جلدة.

لماذا لم تنقرض الرقابة على الكتب في عالمنا العربي مثلما انقرضت في بقية دول العالم؟ وما هي هواجس الرقيب؟ ومن الذي يراقب الأدب اليوم؟ نحاول هنا تَتبُّع بعض الأعمال التي لم تسلم من يد الرقيب، والأهم نحاول أن نفهم: لماذا صادرتها الرقابة؟

حُرّاس الخطاب: مراقبة اللغة

أحمد ناجي - الصورة: وسع خيالك - Ahmed Naji

في أكتوبر 2017، طرح مَجْمَع اللغة العربية المصري مشروع قانون «حماية اللغة العربية» في 21 مادة، اشتملت على دور مؤسسات الدولة، التعليمية والإعلامية والصحفية، في الحفاظ على اللغة وضرورة التزامها بالفصحى، وأن تكون الإعلانات واللافتات في الشوارع والأماكن العامة بالفصحى السليمة. أكدت المادة 18 أن المَجْمَع هو «الجهة المختصة في الدولة بمتابعة مدى الالتزام بهذا القانون»، أما المادة 19 فنصت على العقوبات الواقعة على من يخالفون القانون، بالتغريم أو الحبس.

الهاجس وراء مثل تلك القوانين في مصر، وقبلها في الأردن، هو القداسة، النظرة إلى اللغة العربية كلغة مقدسة.

الحقيقة التاريخية التي يتغافل عنها أعضاء المجمع اللغوي هي أن «تطور اللغة يأتي من انتهاكها، لا من إضفاء القدسية عليها»، كما عبر محمد شعير في مقارنته بين القانون المصري ونظيره الأردني.

هذا هو ما فعلته الآداب الأوروبية مع لغاتها، إذ أدخلت تراكيب جديدة وتنوعًا في اللهجات والإيقاعات والأصوات والتعابير العامية. وإن كانت مثل هذه التطويرات قد قوبلت بالرفض في البداية، فإنها صارت اليوم عضوًا حيويًّا في الكائن الحي للغتها.

تعتبر «البذاءة»، بتمثيلاتها المختلفة في النصوص الأدبية، العامل المشترك بين كل الأعمال التي تُرفع ضدها الدعاوى القضائية، وتُقدم بسببها البلاغات والاستجوابات، وهي الذريعة التي يحدث بموجبها المنع والحظر.

تنطوي عملية مراقبة اللغة على وهم «اللغة الأدبية». إنها عملية تصنيف الكتابة إلى «أدبية» تحظى بحصانة المعيار الأدبي، و«غير أدبية» تستوجب منعها. فالنص غير المؤهل للدخول في إطار رصانة الأدب كموضوع متميز، يصير عُرضة للتعامل معه بوصفه جريمة.

لكن، ما القيمة الفنية للبذاءة؟ ولماذا تراقبها السلطة؟

تَخلق لغة مجتمع السيطرة عالمًا مغلقًا من الإنشاء أو التعبير، تدور في فلكه مؤسسات البحث والإعلام والدعاية ومكاتب الإدارة وخطب الساسة، وتحدد تلك اللغة ما يجب أن يُكتب أو يُقال، وما يجب إقصاؤه أو تهميشه.

تحاول سلطة الرقابة إخماد صفة البذاءة الثورية، وهو ما حدث مع راوية «استخدام الحياة»، التي سُجن كاتبها أحمد ناجي بتهمة «خدش الحياء» حين نشر فصلًا منها في جريدة «أخبار الأدب».

تتجلى البذاءة في الفن والحياة بوصفها أداة نفي. وما تفعله العامية والتعابير البذيئة هو التصدي بسخرية مثيرة للكلام «الرسمي» و«الأدبي». أو كما يوضح «هربرت ماركوز» في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» بعبارات دالة: «وكأن الناطق الغافل بلسانه يؤكد إنسانيته في لغته بوضعه إياها على قطب معارض للسلطات القائمة. وكأن الرفض والتمرد اللذين تمت السيطرة عليهما على صعيد السياسي ينفجران في مفردات تسمي الأشياء بأسمائها».

تتكرر نفس عبارات الاتهام، من «عوليس» جيمس جويس إلى «قط وفأر» غونتر غراس و«عواء» آلن غينسبرغ، وغيرها من الأعمال «المكشوفة» أو «الفاحشة»: «دناءات بورنوغرافية»، «قذارات إباحية»، «كلام بالوعات»، «تدمير للأخلاق الحميدة».

تحاول سلطة الرقابة إخماد هذه الصفة الثورية للبذاءة، وهو ما حدث مع راوية «استخدام الحياة»، التي سُجن كاتبها أحمد ناجي بتهمة «خدش الحياء» حين نشر فصلًا منها في جريدة «أخبار الأدب».

في الوقت الذي أيقن فيه العالم المتقدم خصوصية الأدب والفن، وأن القيمة الفنية للعمل تبرر خروجه على المجتمع وأنساق قيمه، وأن انعدامها لا يستوجب المنع، فإن منطقتنا العربية لا تزال نفس القضايا تُثار فيها من وقت إلى آخر، ومن جهات متعددة، تتعارك جميعها على امتلاك اللغة. 

«الرقيب الرائع»: الرقابة من الداخل

جلال أمين - الصورة: قناة الشبيبة

«تحدثنا بأسف عن ضرورة الرضوخ لما تمليه علينا أخلاقيات الطبقة المتوسطة، واتفقنا على أن مجتمع الطلبة والمدرسين يجب أن يكون الملاذ للمتمردين على الأخلاق البروتستانتية، ووصلنا إلى أنه ليس بيدنا حيلة».

المقطع السابق من رواية «ستونر»، للكاتب الأمريكي «جون ويليامز»، يتحدث فيه «غوردون فينش»، عميد كلية الآداب والعلوم بجامعة ميزوري، مع بطل الرواية، «وليام ستونر»، الأستاذ المساعد في قسم الأدب الإنجليزي. سياق الحديث عن سلوك إحدى المعيدات، إثر عدد من الشكاوي، والذي يراه رئيس القسم «لوماكس» مشينًا، ويخشى منه على سمعة القسم والجامعة.

لنتذكر معًا هذه العبارة: «الرضوخ لما تمليه علينا أخلاقيات الطبقة الوسطى». فالأستاذ الجامعي، في هذه الرواية الخيالية التي تدور غالبية أحداثها في ثلاثينيات القرن العشرين، يأسف بسبب ضرورة الرضوخ، بينما يتبارى نظراؤه الواقعيون من العرب في الامتثال لتلك الأخلاقيات داخل أسوار الجامعات، ويوردون الحجج الأخلاقية وراء منع تدريس رواية ما للطلاب.

أصرّ رئيس جامعة القاهرة على حذف رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» من المقرر، بسبب الصفحات التي تتحدث فيها إحدى الشخصيات بألفاظ جنسية.

في عام 1999، اتخذ رئيس الجامعة الأمريكية قرارًا بمنع تدريس رواية محمد شكري الشهيرة «الخبز الخافي».

تصدى الدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد في الجامعة نفسها، للدفاع عن هذا القرار وتأييد المنع، وكتب مقالًا لإثبات الضحالة الفنية للرواية وانتفاء صِفَتَي «الجمال» و«الفن» عنها. يتساءل أمين، في مقال أحدث نسبيًّا، عقب قرار رئيس الوزراء منع فيلم «حلاوة روح»، عن العلاقة بين الفن والأخلاق، و«هل يمكن حقًّا لعمل فني يستحق هذا الوصف، أن يكون غير أخلاقي؟ أم أن العمل الفني هو بالضرورة عمل أخلاقي في الوقت نفسه، وأن العمل القبيح أخلاقيًّا لا بد أن يكون أيضًا قبيحًا فنيًّا؟».

ينتهي جلال أمين، وفق رؤيته الأخلاقية، إلى حاجتنا لرقيب «يستطيع التمييز بين العمل المبدع والأخلاقي من ناحية، وبين العمل السيئ فنيًّا وأخلاقيًّا، ولكن مِن أين لنا بهذا الرقيب الرائع؟».

حلم «الرقيب الرائع» هو المعادل للحلم بالمخلِّص بالمعنى السياسي، رغم إيمان جلال أمين باستحاله وجوده، وبعدم وجود موضوع «أخلاقي» وآخر «غير أخلاقي»، وبأن «النهضة الفنية والمجتمعية» هي الخلاص الحقيقي. هذا الكائن الخيالي المتعالي عن الذاتية والتحيزات الأيديولوجية، الذي يراود خيال كثير من المثقفين، هو صدى من أصداء الحلم الأزلي بـ«المستبد المستنير»، واستمرار الإيمان بعودته كـ«مهدي منتظر».

حكاية أخرى عن المنع يذكرها لنا الكاتب والناقد سيد البحراوي في كتاب «في نظرية الأدب»، حين يحكي عن تعنت رئيس جامعة القاهرة وإصراره على حذف رواية الكاتب السوداني الكبير الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» من المُقرّر في العام الجامعي 1985/1986:

«ولكن قبل أن ننتهي من تدريس الرواية، كان قد وصل إلى عِلم رئيس الجامعة خبر أنني أدرس للطلاب رواية إباحية، فاستدعاني، وكنت على معرفة طيبة به. لكنه فاجأني بوجه غاضب، وأظهر لي الصفحات التي تتحدث فيها بنت المجذوب بألفاظ جنسية صريحة، وسألني هل أقرأ هذه الألفاظ أمام الطالبات؟ حاولت أن أوضح له صلة هذه الصفحات ببقية الرواية وأهميتها في بنائها، لكنه رفض وأصر على حذف الرواية من المقرر».

بالطبع، بقِيت «موسم الهجرة إلى الشمال» مُصادرَة من قِبل الحكومة السودانية حتى سنوات قليلة ماضية.

ولعل شخصية «بنت المجذوب» هي أروع تعبير عن «الناطق الغافل بلسانه»، تلك المرأة التي يصفها الطيب صالح في الرواية قائلًا: «... كانت مشهورة في البلد، يتسابق الرجال والنساء على السواء لسماع حديثها، لما فيها من جرأة وعدم تحرج. وكانت تدخن السجاير وتشرب الخمر وتحلف بالطلاق كأنها رجل».

يقول الباحث الأدبي الإنجليزي «تيري إيغلتون» في كتابه «Literary Theory»، إن «أقسام الأدب في التعليم العالي هي جزء من الجهاز الأيديولوجي للدولة الرأسمالية الحديثة». ويمكننا القول كذلك إن أقسام الأدب في الجامعات العربية جزء من النظم العسكرية الديكتاتورية، التي لا تقل بشاعةً عن أي نظام ثيوقراطي في التاريخ.

في دلالة على هذا، نذكِّر بأنه على مدار عقود تكررت حوادث قمع حرية البحث العلمي داخل أروقة الجامعة المصرية، بدءًا من معركة كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي»، ثم تكررت مرة ثانية على مستوى أكاديمي حين تقدم محمد أحمد خلف الله لنيل درجة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة القاهرة في موضوع «الفن القصصي في القرآن الكريم».

رأى بعض الأساتذة من أعضاء فحص الرسالة أن بعض ما ورد في الرسالة من تفرقة بين الحقائق التاريخية والقَصَص القرآني يخالف حقائق الدين والشريعة. رُفضت الرسالة، وحُرم المشرف عليها، الشيخ أمين الخولي، من حق الإشراف على أي رسائل علمية تتعلق بدراسة النصوص الدينية.

نصل بعد ذلك إلى قضية نصر حامد أبو زيد، التي كانت إعلانًا نهائيًّا لموت الجامعة كمنارة للحداثة والتفكير دون قيود.

الرقابة الدينية: معركة «المَجاز»

نصر حامد أبو زيد

يبين نصر حامد أبو زيد في «نقد الخطاب الديني» أن المعركة التي دارت حول كتاب «في الشعر الجاهلي» لم تكن بشأن قضية الشعر موضوع الكتاب، وإنما عن ما طرحه طه حسين في سياق كتابه من قراءة لبعض النصوص الدينية المتصلة بالوقائع التاريخية، وعن مدى إمكانية اعتبار القرآن مصدرًا لحقائق التاريخ.

يقول أبو زيد: «لم تكن المعركة إذن معركة شعر، بل كانت معركة قراءة النصوص الدينية طبقًا لآليات العقل الإنساني التاريخي، لا العقل الغيبي الغارق في الخرافة والأسطورة».

لا تقتصر الرقابة على الإجراءات السلطوية للدولة درءًا لمزايدات الإسلاميين السياسية عليها، بل تستمد شرعيتها من صمت المثقفين، خصوصًا لو كان العمل الأدبي غير عربي.

كان «المَجاز» محور النزاع دائمًا في الفكر العربي الإسلامي، كما وضّح أبو زيد. الصراع بين التمسك بالمعاني الحرفية للنصوص الدينية والقراءة العقلانية التأويلية. ترسخت تلك القراءة الحرفية كممارسة من القوى الدينية، وواصلت جهادها الظلامي ضد الكتب، خصوصًا التخييلي منها، من «الفتوحات المكية» و«ألف ليلة وليلة» إلى «أولاد حارتنا» والأدب المعاصر.

كانت الحُجة الدائمة التي يسوقها الكُتاب والأدباء دفاعًا عن الأعمال الفنية هي ضرورة الأخذ بفكرة «المجاز»، أي ما يطرحه من تعدد التأويلات والمعاني. لكن «المجاز» ظل مفهومًا ممقوتًا وعصيًّا على أصحاب الرؤية الفقهية السلفية إلى الأعمال الأدبية.  

أثارت رواية «وليمة لأعشاب البحر»، للروائي السوري حيدر حيدر، أزمة كبيرة عند وزارة الثقافة المصرية فور صدورها عام 2001.

شن ممثلو التيار الإسلامي في مصر حملة عنيفة على المسؤولين عن نشر الكتاب، واعبروا أن الرواية تسيئ إلى الإسلام وتتطاول على الله ورسوله وتدعو إلى الإلحاد. وخرجت وقتها مظاهرات بالقرب من جامعة الأزهر ضمت آلاف الطلبة، وحدثت مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، وانتهت الأزمة بسحب نسخ الرواية من الأسواق وإغلاق جريدة «الشعب»، التي نشرت مقالًا تحريضيًا ضد الرواية وكاتبها.

لا تقتصر الرقابة على الإجراءات السلطوية للدولة درءًا لمزايدات الإسلاميين السياسية عليها، بل يمكن أن تستمد شرعيتها من صمت المثقفين، خصوصًا لو كان العمل الأدبي غير عربي. وقد يتعدى التواطؤ حدود الصمت إلى تدبيج المقالات ضد العمل الفني موضوع الرقابة أو الحظر.

 يتناول صادق جلال العظم في كتابه «ذهنية التحريم» أدب سلمان رشدي وروايته «آيات شيطانية»، التي أحدثت ضجة عالمية فور صدورها، وعقب «الحكم العابر للقارات» الذي أصدره الخُميني بقتل مؤلفها.

يُفنِّد العظم الأحكام والإدانات والكتابات العربية التي هاجمت الرواية بوصفها «عملًا استشراقيًّا وقحًا»، وكاتبها البريطاني ذي الأصل الهندي بوصفه «شيطان الغرب المارق»، ويبين أن أبرز المثقفين والصحفيين والنقاد العرب المهاجمين لم يقرؤوا الرواية، مثل أحمد البرقاوي وهادي العلوي.

يذكر العظم ما فعله الناقد المصري غالي شكري، من رصد لما أسماه «ثلاث عشرة عينة مصرية من الكُتاب والمثقفين ورجال الدين» ممن تناولوا رواية رشدي بالاستنكار والتجريح والهجوم، فتبين له أن «عدد الذين قرؤوا الرواية لا يتعدى الشخصين فقط لا غير». والعجيب أن قافلة إطلاق الأحكام الاعتباطية ضمت كُتابًا مرموقين، مثل رجاء النقاش وأحمد بهاء الدين.

يعيد رشدي إرث الهرطقة ومعارضة المقدس، ويزيد على أجداده ابن المقفع وابن الراوندي والمتنبي أنه يوظفه في عمل روائي خيالي من الفانتازيا الساخرة.

مَجْمَع البحوث الإسلامية: الممثل الرسمي للرقابة الدينية في مصر

الصورة: Gigi Ibrahim

نفت نوال السعداوي اتهام رواية «سقوط الإمام» بالتعارض مع الإسلام، وقالت إنها تدور حول رئيس يتقمص شخصية الإله ويُغتال خلال احتفاله بعيد نصره.

يورد تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2004 عددًا من الأعمال الفنية التي اقترح المَجْمَع منع تداولها، أو التي كتب تقارير ضدها، أهمها رواية نوال السعداوي «سقوط الإمام».

أكد المجمع أنه وجد الرواية، بعد فحصها، «تتعارض مع ثوابت الإسلام»، واعتبر أنها «قائمة على أحداث خيالية، البطل فيها شخصية محورية، وأطلقت عليه الكاتبة صفة الإمام، وتضمنت إساءات بالغة للإسلام وتعاليمه».

لكن السعداوي نفت أن تكون روايتها «متعارضة مع الإسلام»، وأشارت إلى أن أحداثها تدور «حول رئيس في بلد ما يتقمص شخصية الإله، وهو مستبد ويحكم الشعب بقبضة من حديد، لكن يتم اغتياله في لحظة احتفاله بعيد نصره».

قالت السعداوي إنها كتبت جزءًا من الرواية داخل السجن، عندما اعتقلها السادات مع سياسيين وكُتاب ومفكرين في سبتمبر 1981، وإنها قصدت بالإمام السادات نفسه، كونه كان يُطلق على نفسه صفة الرئيس المؤمن، ولم تكن ترى أنه بالفعل مؤمن، وقصدت فضح سلوك الحكام الفاسدين في الرواية.

جاء قرار المنع الاعتباطي للرواية برغم أنها «صدرت قبل عشرين عامًا عن دار المستقبل المصرية، ولم تتعرض لأي قرار بمنعها من الأزهر أو من غيره، وتُرجمت إلى 14 لغة من بينها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والسويدية والإندونيسية، وتمت إعادة طبعها مرات عدة باللغة العربية».

يتحدث تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن الدور الرقابي للمجمع قائلًا إنه «إذا كان الدور الرقابي للمَجمع ينصَبُّ على ضبط المصحف الشريف والأحاديث والحفاظ عليهما، فلا اعتراض على ذلك، لكن السنوات الأخيرة تكشف عن عشرات التقارير التي حررها أعضاء المجمع ضد روايات كثيرة ودواوين شعرية وأبحاث علمية وكتب في الفكر الديني وتجديد الخطاب الديني والاجتهاد، الأمر الذي يُخرج المَجْمَع عن دوره في ضبط المصحف والحديث، ويتحول إلى محكمة تفتيش تحاصر حرية الفكر والإبداع».

اقرأ أيضًا: الإبداع المشروط: هل حصلت على موافقة السلطة والمجتمع ورجال الدين؟

يذكر التقرير أن المسألة تتعلق بالتحالف بين النظم الاستبدادية والتيارات الأصولية الإسلامية لضمان استمرار تلك النظم. ويضيف: المشكلة الكبرى التي تواجه المجتمع الثقافي أن عليه مواجهة أمرين في نفس الوقت:

  1. الأصولية الدينية داخل المؤسسة الدينية الرسمية، أي الأزهر، وهي أخطر بكثير من جماعات الإسلام السياسي أو حتى الجماعات الإرهابية، بحكم أن تلك المؤسسة قريبة من السلطة
  2. تحالف السلطة المستبدة التي تشعر بالضعف مع هذا التيار الديني، وبالتالي تُثمر المحصلة النهائية عن سنوات قريبة من سنوات حكم النميري

رقابة مصرية ليبية مشتركة

الصورة: دار «وعد» للنشر والتوزيع

لو نظرنا لتاريخ الأدب العربي المعاصر نظرة واسعة، لوجدنا أنه ليس تاريخ النشر كما يُصوَر لنا، بل تاريخ «المصادرة».

في فبراير 2010، اقتحمت أجهزة الأمن دار «وعد» للنشر وصادرت جميع نسخ رواية الكاتب المصري إدريس علي «الزعيم يحلق شعره»، وألقت القبض على الناشر جميلي أحمد شحاتة، وعُرض على النيابة للتحقيق معه، لكنها قررت إخلاء سبيله في النهاية.

الطريف في واقعة المصادرة هذه أن الرواية لا تتناول الشأن المصري، وإنما تدور أحداثها في ليبيا، وتنتقد الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، إلا أن السلطات المصرية صادرت نسخ الرواية من معرض الكتاب، في بادرة للتعاون العربي الرقابي المشترك.

اقرأ أيضًا: روايات مصرية للجيب: حمدي مصطفى.. «رجل المستحيل» في عالم الأدب

«صُودر» حديثًا

غلاف رواية «مترو» - الصورة: Anas Elkalla

لو نظرنا إلى تاريخ الأدب العربي المعاصر نظرة واسعة، لوجدنا أنه ليس تاريخ النشر كما يُصوَر لنا، بل تاريخ «المصادَرَة». فالأعمال المصادرة أكثر من أن تُحصى: «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، «أحلام محرمة» لمحمود حامد، «أبناء الخطأ الرومانسي» لياسر شعبان، «قبل وبعد» لتوفيق عبد الرحمن، «الصقار» لسمير غريب علي، «مترو»، الرواية المصورة لمجدي الشافعي، «الوصايا في عشق النساء» لأحمد الشهاوي، «برهان العسل» لسلوى النعيمي، وغيرها.

قد يعجبك أيضًا: المتعة المرعبة: كيف تُغسل الأدمغة؟

ولعل من أحدث المصادرات العربية رواية الكاتب الفلسطيني عباد يحيى «جريمة في رام الله»، إذ أصدر النائب العام الفلسطيني قرارًا بضبط كل نسخ الرواية المعروضة للبيع لدى المكتبات والمحلات ونقاط بيع الكتب والروايات في الأراضي الفلسطينية.

 بيان مكتب النائب العام وضّح أن «القرار جاء استنادًا للتحقيقات التي تجريها النيابة العامة بخصوص الرواية المذكورة، والتي وردت فيها نصوص ومصطلحات مخلة بالحياء والأخلاق والآداب العامة».

حيثما يحرقون الكتب، يحرقون البشر أيضًا

الرقابة هي التجلي الأمثل للاستبداد السياسي والديني في الوطن العربي، ووجه من وجوه الوصاية وغياب الديمقراطية.

الوصاية على القراء تُماثل الوصاية على الجماهير وحرمانها من حقها في الاختيار السياسي. تُصادَر الحرية بدعوى نقص وعي الشعوب وعدم جاهزيتها للاختيار الديمقراطي الحر، تمامًا كما تُصادَر الكتب تحت دعاوى الجهل وغياب الثقافة والوعي.

كما يبين نصر حامد أبو زيد، فإن «الوصاية» السياسية والثقافية على الجماهير تنتهي إلى «الديكتاتورية السياسية» و«كهنوتية الفكر»، لأن «الوصاية على الجماهير، استنادًا إلى نقص وعيها، تُفضي إلى تثبيت هذا الوعي الناقص وتأبيده». فهل نجحت الوصاية حقًّا في حماية الشعوب العربية من الفتن والحروب؟