في مصنع خيال الطفل

ديفيد ويليامز: كيف يكتب حكم «Britain's Got Talent» أدب أطفال ناجحًا؟

الصورة: Getty/Danny Martindale

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


اشتهر «ديفيد ويليامز» في البداية عن طريق برامج عُرف فيها بشخصيته الساخرة وقدرته على إلقاء ردود ذكية، بالإضافة إلى كونه واحدًا من فريق التحكيم في برنامج اكتشاف المواهب الشهير «Britain’s Got Talent»، بل ربما هو أكثرهم قربًا من الجمهور، وكذلك مشاركته في عدد من الأفلام والمسلسلات، أشهرها مسلسل «Little Britain».

بالنظر إلى هذا الخط المهني، ربما نندهش إذا عرفنا أن ويليامز جمع ملايين الجنيهات الإسترلينية من كتابة أدب الأطفال، وتجاوزت مبيعاته مليون نسخة عام 2017 وحده. فما الذي يجعل نجمًا تلفزيونيًّا، وكوميديانًا، يتجه إلى هذا النوع من الأدب؟ وكيف نتوقع أن تؤثر شخصيته وحضوره ذو الطابع المسرحي في طبيعة الأدب الذي يقدمه؟

لماذا أدب الأطفال؟

اشتهر ديفيد ويليامز بحضوره الفكاهي في برنامج «Britain's Got Talent»

بدأت الحكاية عام 2008، عندما أطلق ديفيد ويليامز أول رواياته للأطفال بعنوان «The Boy in the Dress»، وهي الرواية التي أثارت بعض الجدل، وجاءت حاملةً لكثير من أسلوب ويليامز الكوميدي الذي اشتهر به في برامج التلفزيون.

أسس ديفيد ويليامز شكلًا جديدًا لأدب الأطفال بعد مرحلة «هاري بوتر».

يقول «ديفيد فيكلنغ»، صاحب دار النشر المتخصصة في أدب الأطفال التي تنشر روايات ويليامز، إنه لم يندهش من استمتاع الأخير بالكتابة للأطفال.

يرى فيكلنغ أنه من الصعب الوصول إلى عمل أكثر إرضاءً من كتابة قصص للأطفال تؤثر في حياتهم بأكملها، خصوصًا بالنسبة لشخص يبحث عن التأثير في الآخرين  عبر وسائل الإعلام، لكنه في الوقت نفسه يؤمن أن القدرة على حكاية قصة جيدة أمر نادر جدًّا.

يربط فيكلنغ بين العمل في التلفزيون والكتابة للأطفال باستدعاء نموذج الكاتبة «ليزا إيفانز»، مؤلفة «Wed Wabbit» التي لم تبدأ في الكتابة أيضًا حتى عملت في التلفزيون أولًا.

يستكمل فيكلنغ كلامه عن أدب الأطفال قائلًا: «يبحث أي ناشر عن قصة رائعة تظهر بقوة عبر الصفحات، والقارئ ينحاز إلى القصة الجيدة بغض النظر عن اسم المؤلف على الغلاف. كاتب مثل ديفيد ويليامز يكتب قصصًا رائعة للأطفال، ويعود جزء من إجادته إلى أنه يعمل بجدية على النص الذي يقدمه. أدب الأطفال ليس اختراعًا، فمثله مثل أدب الكبار، القصص الجيدة فقط هي ما يبقى، فإما أن الكاتب يستطيع أو لا يستطيع رواية القصة بشكل جيد».

أسس ويليامز شكلًا جديدًا لأدب الأطفال بعد مرحلة «هاري بوتر»، الموجه إلى الأطفال والمراهقين. وعبر أسلوبه الخاص في استخدام الدعابة في قصصه، نجح في بيع أكثر من 14 مليون نسخة من كتبه، بترجمات إلى أكثر من 50 لغة مختلفة.

اقرأ أيضًا: 20 عامًا على هاري بوتر: رواية الأطفال التي أثرت حتى في الكبار

يقول ديفيد ويليامز: «كنت أكتب في البداية حتى أصبح كوميديانًا أفضل، ولاحقًا اكتشفت أن الكتابة تمثل بالنسبة لي مساحة أكبر للإبداع من التمثيل، إذ تبدأ في كل مرة مع صفحة بيضاء لا يحدها إلا خيالك».

كيف تضيف الكوميديا إلى أدب الطفل؟

مع هذا النجاح الكبير لديفيد ويليامز في عالم أدب الأطفال، يجب التساؤل حول ما يميزه بالفعل ليحقق هذه المكانة.

يهدف ويليامز في قصة «Gangsta Granny» إلى لفت الأنظار لكبار السن، الذين يراهم الصغار مملين، فيما تكون حياتهم حافلة بالحكايات.

ما يلفت الأنظار هو قدرته على مزج الحس الساخر و«كوميديا الحمام» (Toilet/scatological humor)، التي تعتمد النكات فيها على الإشارة إلى عمليات الإخراج أو التبول أو التقيؤ، بالإضافة إلى وجود جانب إنساني يتميز به، إذ يتعمد أن تخاطب قصصه الأطفال الذين لديهم ظروف خاصة، مثل المختلفين عن أقرانهم، أو هؤلاء الذين لا يهتم بهم أحد، أو الذين فقدوا شخصًا عزيزًا.

في روايته الأولى، «The Boy in the Dress»، يفقد بطل القصة المراهق أمه ويعيش مع والده وأخيه، ويرتدي فستانًا عندما يذهب إلى المدرسة. يستخدم ويليامز هذه الشخصية بذكاء للإشارة إلى عدم الخجل من الظهور بمظهر مختلف، والجرأة على مواجهة الضغوط. كانت القصة مضحكة وبسيطة، وأسس من خلالها عددًا من الشخصيات التي ظهرت في قصصه التالية.

يستمر ويليامز في لفت الأنظار إلى المهمشين في روايته الثانية، «Mr Stink»، التي تدور أحداثها حول فتاة تعاني بسبب تفضيل أمها شقيقتها عليها، وهكذا تقرر تبنِّي صعلوك مشرَّد تفوح منه رائحة سيئة، لكنه يقلب حياة الأسرة الصغيرة، ويمتد تأثيره ليعلم رئيس الوزراء درسًا أخلاقيًّا.

اقرأ أيضًا: قصة مصورة: أطفال حي الزبالين.. خسروا أحلامهم وربحنا القمامة

وتدور أحداث قصته الأكثر مبيعًا، «Gangsta Granny»، عن شاب صغير يخوض مغامرة كبيرة بصحبة جدته التي تحتضر، ويهدف ويليامز من القصة إلى لفت الأنظار لكبار السن، الذين يرى الصغار عادة أنهم مملون، فيما تكون حياتهم حافلة بالحكايات والمغامرات الطويلة.

يأتي كل هذا مصحوبًا بالعديد من النكات البذيئة من النوع الذي يحبه الأطفال، فيفسح ويليامز عدة صفحات لوصف القيء والبراز وغير ذلك بأسلوب ساخر.

في رواية «Billionaire Boy» مثلًا، يتعرض ديفيد ويليامز لأسرة الطفل «جوي» الذي يدير والده مصنعًا لمناديل الحمام، لكنها مناديل من نوع خاص، أحد وجهيها مبلل والآخر جاف، واسمها «المؤخرة المنتعشة»، ومنها جاء لقب جوي الذي أطلق عليه أصحابه في المدرسة اسم «أبو مؤخرة»، وهكذا بات اللقب مرادفًا للسخرية من المتعالين.

قد يعجبك أيضًا: الأنيمي: لمحة من تاريخ الرسوم المتحركة في اليابان

قبل كلمة النهاية

ديفيد ويليامز يقدم روايته «Demon Dentist»

في أحدث رواياته، «The Midnight Gang»، يحاول ويليامز التركيز على مفهوم العمل الجماعي، وهو المفهوم الذي يحاول تركه للقارئ بعد انتهائه من القراءة، إذ يؤكد دائمًا أهمية ترك فكرة ما في ذهن القارئ.

يقول ويليامز في أحد حواراته: «يشبه الكتاب رحلة يصطحب فيها الكاتبُ القارئ، ويجب أن تكون لدى الكاتب رسالة يتركها في النهاية. ويحاول الكاتب أن يجعل القارئ يعود إلى روايته كل يوم، فهناك بعض القراء يأخذون شهورًا لإنهاء أحد كتبي، ولهذا أشعر أن من واجبي أن أترك لهم في النهاية شيئًا ذا قيمة يستطيعون أن يحتفظوا به».

عبر قصصه المختلفة، يؤكد ويليامز أنه لا توجد مبادئ تافهة وأخرى جيدة. ففي روايته الأولى عن الطفل ذي الفستان، لا نجد تسوية سهلة لبطل الرواية في ما يخص اختلافه، أو نهاية سعيدة، بل تنتهي القصة بمباراة كرة القدم يرتدي فيها اللاعبون كلهم فساتين، دعمًا لبطل الرواية. ولم يحدد ويليامز دوافعه لارتداء الفستان، فهو فقط يريد ذلك، وقد تقبل القراء هذا.

قد يهمك أيضًا: الأثر الذي أحدثه «عدنان ولينا» في جيل الثمانينيات

يطبِّق الأطفال عادةً قاعدة «الممنوع مرغوب»، إذ يسعون بقوة في اتجاه ما ليس في أيديهم، بعيدًا عن عبارة «مخصص للأطفال». وهكذا فهم يدركون بسهولة الكلام المصطنع المكتوب من أجل توجيه النصيحة والوعظ بشكل مباشر، ولهذا يحرص ويليامز على الابتعاد عن هذا الشكل في قصصه، ويركز على الأحداث وتفاعل الشخصيات معها، ليقول ما يريده دون توجيه أي مواعظ مباشرة.