الأقل حظًّا

قصة مصورة: أطفال حي الزبالين.. خسروا أحلامهم وربحنا القمامة

إعادة تدوير المخلفات صناعة مهمة للبيئة ومشروع ربحي قوي للدول والأفراد، بل ويُقاس به مدى تحضر الشعوب. وفي معظم الدول العربية، ومصر خصوصًا، ترى تلال القمامة أينما اتجه بصرك، وبالتوازي تدرك الزيادة الكبيرة في ظاهرة عِمالة الأطفال في ذلك المجال.

يضر العمل في سن مبكرة، وبالذات في القمامة، الأطفال ويحرمهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، يدمِّر أحلامهم ويئدها مبكرًا، يخالف قوانين حقوق الطفل العالمية وكذلك المحلية.

ازدهرت تلك الصناعة بشكل واسع في مجموعة من المناطق العشوائية يُطلَق عليها «الزَّرايِب» (المفرد: زريبَة)، تتعامل يوميًّا مع تلال من الشر والرائحة الكريهة التي تملأ الشوارع، لكنها تراها جبالًا من الأموال، إذ تنتج مصر 70 مليون طن من القمامة في العام بحسب تقرير وزارة البيئة.

أشهر مناطق جمع المخلفات في مصر «حي الزبالين» بمنشية ناصر، ومنطقة العزبة في المرج، ومنطقة زرايب حلوان، ومنطقة الزريبة في قرية المعتمدية بالجيزة.

صامويل (17 عامًا)، الذي يعمل في جمع القمامة منذ ستة أعوام مع أخويه الأصغر منه، يوضح أن تلك الصناعة تعتمد بشكل أساسي على الأطفال من خمس إلى 18 سنة تقريبًا، وأنهم بمثابة «وقود إعادة تدوير المخلفات في مختلف مراحلها»
يتباهى محمد بملابسه المتسخة ذات الرائحة الكريهة أمام عدسة الكاميرا، يلعب مع سحر، بينما تختبئ هند في خجل

لا يقتصر العمل على الأطفال والمراهقين من الذكور، بل تجتذب المهنة الفتيات كذلك ليساعدن في شراء أجهزة الزواج. وتعمل المراهقات دومًا ملثمات الوجوه خوفًا من أن يعرف أحد هويتهن، لِما للعاملين بتلك المهنة من سمعة سيئة في المجتمع المصري بوصفهم «زبالين»

يتم تدوير القمامة عن طريق مجموعة مراحل، تبدأ بالجمع وتنتهي بإعادة التصنيع
في المرحلة الأولى تُجمَع المخلفات من المنازل والشوارع والأماكن السياحية والمصانع وغيرها، باستخدام سيارات النقل أو تلك التي تجرها الحمير
يبلغ سيد 10 أعوام ويقطن حي السيدة زينب، ويعمل مع والده في التجميع، ويرى أن تلك المرحلة هي الأصعب لارتباطها بالعمل في الشوارع والميادين، والتعامل المباشر مع القمامة
يبدو بيتر (13 عامًا) واثقًا في نفسه وهو يوضح أن المرحلة الثانية هي نقل المخلفات الصالحة لإعادة الاستخدام أو التدوير من المصدر لتخزينها في الزريبة، التي تُعد «المنبع الثابت للمخلفات بالنسبة لورش إعادة التدوير»

يعمل صبري (15 عامًا) في المرحلة الثالثة: الفرز، وهي مرحلة دقيقة تحتاج إلى التركيز، إذ يُعزَل الحديد عن الكرتون عن البلاستيك عن الزجاج عن الملابس عن غيرها من المخلفات، قبل تجهيز كل الأصناف للمرحلة الرابعة، التنظيف. صبري منتسب للتعليم النظامي إلى جانب العمل في القمامة، ويرى أن تلك الصناعة صارت تشد المتعلمين ومن يدرسون في الجامعات

في المرحلة الخامسة تُكسَر المخلفات وتُكبَس وتُخزَّن، بحسب أحمد البدري (17 عامًا)، الذي يعمل في تلك المرحلة منذ أربع سنوات، ويرى أن هذه هي مرحلة الماكينات أكثر من البشر
وسط درجة الحرارة العالية ورائحة العرق والبلاستيك المحروق وضجيج آلات إعادة التصنيع يعمل مينا فوزي وأحمد عصام وكريم محمد، وهم مجموعة أصدقاء من حي الزبالين
لا يتجاوز أيُّهم الثامنة عشرة من عمره، ويعملون على إعادة تدوير القمامة في المرحلة السادسة، وهذه هي مرحلة الوِرَش الصغيرة الموجودة التي تصهر المواد أو تكسرها وتعيد تشكيلها
مرحلة التصدير هي الأخيرة، وفيها تُوزَّع المواد المنتَجة من عملية التدوير على المصانع داخل وخارج مصر
إعادة تدوير المخلفات صناعة قوامها لا يقل عن 2.5 مليار جنيه سنويًّا، لكنها تعتمد على سواعد الأطفال بنسبة 90% تقريبًا
انتبهت مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية إلى ذلك، فشرعت في بناء مدارس في الأماكن المعروفة بانتشار صناعة إعادة التدوير، لتعليم الأطفال وزيادة وعيهم وإدراكهم لمحيطهم، لكن تلك المدارس تحولت عن قصد، أو دون قصد، إلى مشاريع مربحة لكل الأطراف، إذ لم تهتم بتعليم الأطفال بصورة أكاديمية مثلما اهتمت بتعليمهم كيفية العمل في إعادة تدوير المخلفات مقابل المال

في عام 2001، أسست جمعية «روح الشباب لتنمية البيئة» مدرسة «إعادة التدوير» في حي الزبالين، لمساعدة وتعليم أبناء عاملي القمامة المحرومين. لا تخضع المدرسة لوزارة التربية والتعليم، ولا تعمل بالمقررات الدراسية الرسمية، ويمتد اليوم الدراسي فيها منذ التاسعة صباحًا حتى الثامنة مساءً، على أن يأتي الطلاب متى شاؤوا. اعتبرت المدرسة تعليم التلميذ كتابة اسمه كاملًا «إنجازًا حقيقيًّا»، وسريعًا ما أُنشئت أقسام لتعليم الأطفال إعادة تدوير المخلفات، فعملوا مقابل أجر شهري يصل أحيانًا إلى 900 جنيه 

في عام 2003، انتبهت شركة «بروكتر آند جامبل» الأمريكية إلى أن عديدًا من المصانع المحلية الصغيرة في مصر تقلد منتجاتها، وتبيعها في عبوات أصلية تحصل عليها من جامعي القمامة، فلجأت إلى مدرسة «إعادة التدوير»، وتعاقدت معها لتشجيع الأطفال على جمع عبوات منتجات الشركة الأصلية الفارغة من القمامة، ثم توريدها إلى المدرسة والحصول على مقابل مادي، فتحولت المدرسة إلى مشروع ربحي يعتمد على عمالة الأطفال، بدلًا من مساعدتهم

 

بعض الأطفال حصلوا على شهادات تعليمية نظامية بالفعل من المدرسة، لكن نسبتهم قليلة للغاية وفقًا للإحصائيات المنقولة عن مسؤولي المدرسة، وإن كان أغلب الطلاب يحصلون على شهادات محو أمية لاستخراج رخصة قيادة، من أجل مساعدتهم في العمل.

يظل هؤلاء الأطفال محرومين من أقل حقوقهم الطبيعية في الحياة، تستغلهم منظمات محلية ودولية، وتجني عليهم عائلاتهم وظروفهم الاجتماعية وبيئتهم الداخلية، بينما تزدهر صناعة إعادة تدوير المخلفات.

, , , , ,