في مصنع خيال الطفل

السينما طفولة دائمة: الحكاية والصورة في براءتها المنسية

لقطة من فيلم «Empire of the Sun» - الصورة: Warner Bros.

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


في السينما، يمكن رؤية الطفل/الطفولة في نقاط مختلفة (شكلًا وموضوعًا): الطفل راويًا لأحداث فيلم، أو مشاهدًا (كما في «Cinema Paradiso»)، أو بطلًا (لقصص عن الصداقة، عالم الطفولة المرح وهواياته المبهجة، أو النقيض: عالم البؤس، الفقر...).

قبل ذلك كله، تتحقق الطفولة في السينما نفسها، إذ تتشكل بعض عناصرها وتقنياتها وتتشابه مع عناصر تتكون وتتخذ طابعها الأساسي في الطفولة: الحلم واللاوعي.

السينما، والفن عمومًا، تنشغل وتحاول الوصول إلى ما تنجزه الطفولة بسهولة تُحسد عليها: الإيهام بواقعية عوالم أخرى، فالأشباح والكائنات الخرافية والأبطال الخارقين والآلهة جميعها تولد في الطفولة، أما الواقع فيكون نائيًا عنها وغير متقبل لها بشروره المجحفة.

هنالك تيمَتان تتعلقان بالطفولة في السينما: الأولى دهشة استكشاف العالم ومعرفته، والثانية الأثر الذي يتركه التاريخ/الحروب في وعي وذاكرة الطفل، أي علاقة الطفل بالعالم وبالتاريخ وغربته إزاء أحداثه. مخرج عظيم مثل «إنغمار بيرغمان» يستطيع أن يلتقط التغيُّر الذي يطرأ على حياة طفل ويحوله إلى رمز عبر مشهد بسيط.

في فيلمه «Fanny and Alexander»، ينتقل طفلان (بطلا الفيلم) بعد وفاة والدهما الممثل المسرحي إلى بيت زوج والدتهما الجديد، وهو قس متعصب.

ينتقل الطفلان من حياة مليئة بالألوان والبهجة والحركة إلى عالم باهت وساكن، ففي اللقطة التي تُعرض فيها ليلتهما الأولى في مسكنهما الجديد، يحاول «ألكسندر» فتح النافذة، لكنه يفاجأ بأنها محكمة الإغلاق. النافذة التي كانت تطل على الفن والحياة أغلقها الدين. والدتهما ستترك التمثيل، وهما سيُمنعان من مطالعة القصص والمجلات، وسيضطران إلى تغيير أسلوب حياتهما.

ذلك التحول سيؤثر حتمًا في أي إنسان، فكيف يكون التأثير في طفلين يمران بمرحلة التشكل؟

«Empire of the Sun»: الطفل بطلًا

مشهد من فيلم «Empire of the Sun»

في الخلفية التاريخية لفيلم «Empire of the Sun»، تجتاح اليابان شنغهاي الصينية، وهذا الحدث الضخم يبرز المخرج أثره عبر التغيير الذي يطرأ على حياة طفل بريطاني وعائلته، تنقلب الحياة الهادئة والمطمئنة إلى جحيم، وينفصل الطفل عن والديه لمدة ثلاث سنوات هي عمر الحرب.

يتعلق الطفل بشخصيتين متناقضتين: لص أمريكي يمر معه بمواقف كثيرة، وطبيب يحاول أن يمنحه جرعات تعليمية وتثقيفية لتعويض فقدان التعليم المدرسي.

يقف «كريستيان بيل»، الذي كان ممثلًا طفلًا وقتها، وسط هذه الفوضى بشجاعة وذكاء مبهرين، ويبدأ الفيلم بصوته اللامبالي والمتضجر من إنشاده التراتيل الدينية في الكنيسة. سيعود هذا الصوت الغنائي المؤثر مرةً أخرى بالقرب من نهاية الحرب، عندما يكون الفتى مع مجموعة من البريطانيين المحتجزين في ثكنة عسكرية يابانية، ليربط بين تلك اللحظتين: الأولى والحرب في الأفق، والثانية عند اقترابها من نهايتها.

لكن في المرة الأخيرة سيكون مستغرقًا ومأخوذًا بترديد نشيد وطني عسكري، محولًا جميع الموجودين داخل ذلك المكان، بما في ذلك الجنود اليابانيين الذين تيقَّنوا من خسارتهم للحرب، الى حالة بكائية.

صوت الطفل، وعيناه اللتان نرى من خلالهما بعض مناظر الحرب، وهو بالطبع، يكوِّنون معًا جزءًا من بنية الفيلم وتقنية سرده: فبدون مرجعية تاريخية، أي دون معرفة أسباب الحرب العالمية الثانية وما جرى فيها، فإننا سنراها بعينيه هو، فوضوية ولا معنى لها.

الانسان الهامشي يقف أمامها عاجزًا، فهو لن يقف لا حيلة لهأمام اختراق التاريخ لحياته، لكن تلك الرؤية هي الأوضح أيضًا، فهو سيعقد صداقات مع الجميع، وسيتعلق بشخصيتين متناقضتين: الأول لص أمريكي سيلتقيه مصادفةً وسيمران بمواقف كثيرة معًا، والآخر طبيب سيحاول أن يمنحه جرعات تعليمية وتثقيفية لتعويض فقدانه التعليم المدرسي.

لا ينحاز الطفل إلى هذا أو ذاك، فيتعلم من ذلك الحياة واللغة من هذا، وفي النهاية سيمشي وحده مستكشفًا عالمه ومستخدمًا كلماته الخاصة لوصفه.

هنالك مفارقة قديمة تتمثل في التقاء شخصين: الأعمى والطفل، الأعمى يعرف الكلمات لكنه لا يملك تصورًا واضحًا ودقيقًا للأشياء، أما الطفل فيرى الأشياء للمرة الأولى ويحاول أن يعثر/يتلقى أسماءها، ويحاول المطابقة بين الاسم والمُسمَّى.

تخيُّل التقاء شخصيتين كهاتين لاستكشاف العالم يبدو  مسليًا ومليئًا بالمفارقات، فلا يتمثَّل العمى في معناه المادي فقط، أي فقدان حاسة البصر، لكنه يعني أيضًا الجهل، وعدم المقدرة على المطابقة بين ما يرى وما يفكر فيه. هاهنا هو المبصر والناضجون عميان ولا حول لهم، ينقذ صديقيه من الموت عدة مرات، بفهمه لطبيعة شخصية القائد الياباني ومعرفته لغته.

في مشهد رمزي، يرى الطفل خلال تيهه في الصحراء ملعبًا ممتلئًا بالأثاث الفاخر وآلات البيانو وأشياء باهظة أخرى اقتُلعت من مكانها: يرى مصيره، ذاكرته وقد صارت إلى مكان آخر.

«لقد نسيتُ وَجهَي أمي وأبي»، يقولها للطبيب بعد رؤيته الطائرات الحربية الأمريكية تدك الطائرات اليابانية، حماسه لذلك المنظر، ملامح وجهه المتوجسة والابتسامة الصغيرة التي تكسوها، ثم الانفجار في البكاء عند نطق تلك الجملة. وفي المشهد الأخير، عند التقائه بأبويه، سيكون عليه أن يلمس وجه أمه وشفتيها وشعرها ليدرك أنها موجودة وأنها هي هي.

كريستيان بيل: من طفولة إلى أخرى

إعلان فيلم كريستيان بيل «The Flower of War»

لا يمنحنا فيلم «Empire of the Sun» صورة للأثر البعيد الذي تركته الحرب في ذهن الطفل، لكن كريستيان بيل نفسه سيؤدي بعد سنوات طويلة دورًا آخر عن تلك الحرب في «The Flowers of War»، ينقذ فيه أطفالًا هذه المرة أيضًا، رغم تجاهله للآخرين واهتمامه بنفسه فقط في البدء، محاصَرًا داخل كنيسة مع فتيات صغيرات ومجموعة من بائعات الهوى.

مكان مناسب لالتقاء ثنائية الخير والشر عند الدين: تكتشف الصغيرات عالمًا محظورًا ومُدانًا لم تكن تربيتهن ستتيح لهن فرصة التعرف إليه، ويفهمن عبث الأحكام المسبقة على الآخرين، فبائعات الهوى سيضحين بحيواتهن في سبيل إنقاذ فتيات الكنيسة.

اقرأ أيضًا: كيف يجعلنا الأدب والفن أكثر تعاطفًا مع اﻵخرين؟

تبدو المسافة بعيدة بين نسختين من كريستيان بيل، لكن الطفولة الفارقة بين الفيلمين، عبر الحرب أيضًا، وكأنهما امتداد واحد لمعنى أن تكون الطفولة لا منبعًا للبراءة فقط، لكنها أيضًا منطلق الدراما، حيث لا «كليشيه» في ذاكرتها القصيرة، كل شيء متاح للدهشة.

وودي آلن: الطفولة كخدعة سينمائية

إعلان فيلم «Never Let Me Go»

عند المخرج «وودي آلن»، تبدو الطفولة نفسها كخدعة سينمائية تدفعنا إلى الاستمرار في الحياة، وإلى التأكد منها،  فاكتشاف الطفل فكرة الموت موضوع متكرر للسخرية عند آلن.

في المشاهد الأولى من «Annie Hall»، يصاب الطفل «ألفي سينغر» باليأس ويرفض أداء واجباته الدراسية بحجة أن العالم سيتلاشى في نهاية الأمر، وبما أن كل شيء مآله الفناء، فلا معنى لأداء أي عمل.

تحاول بطلتا فيلمي «Never Let Me Go» و«My Sister's Keeper» التخلص من مصيرهما المعد مسبقًا، لكن تواجههما قوانين معدة خصيصًا لتبرير الاستغلال.

أثر آلن الطفولي يظهر في أفلامٍ لمخرجين آخرين، ففي «The Art of Getting by»، يبرر طالب مدرسي لامبالاته تجاه الدراسة والحياة بإدراكه أنه سيموت، لكن مع مرور زمن الفيلم نكتشف أن ذلك العبور اللامبالي بالأشخاص، الأنظمة، إلخ، مردُّه إلى حدث ملموس لا فكرة: غربته في طفولته وغياب والده منذ فترة بعيدة.

تتقاطع الفكرة الرئيسية في فيلمي «Never Let Me Go» و«My Sister's Keeper»: استنساخ الأطفال. في الأول، يُستنسَخ الأطفال لاستخدام أعضائهم في علاج البشر وإطالة أعمارهم، لا حرية لهم ولا جدوى لوجودهم بعيدًا عن هذه الوظيفة، وفي الثاني تصاب طفلة بالسرطان، ولإنقاذها ينجب والديها طفلة أخرى كي تتبرع لها بأعضائها.

في كلا الفيلمين يكتشف الأطفال تلك الحقيقة تدريجيًّا، عبر الالتقاء بأطفال طبيعين أو التعرف العابر إلى العالم الخارجي، وعندها تبدأ تساؤلاتهم عمَّا يفرقهم عن البقية ويبقيهم سجناء لهذا الشرط: مجرد زوائد وقطع غيار. تحاول البطلتان التخلص من ذلك المصير، لكن تواجههما قوانين معدة خصيصًا لتبرير ذلك الاستغلال.

اقرأ أيضًا: 6 أفلام عن السرطان.. ﻷنه لا يأخذ عطلة في نهاية الأسبوع

«Citizen Kane»: طفل حتى النهاية

المشهد الأخير من فيلم «Citizen Kane»

لا مفر من ذكر هذا بملاحظة طفولية: في الأفلام التي تحكي سيرة حياة شخصية واحدة، يتقمَّص ممثلون مختلفون نفس الشخصية عبر مراحل عمرها الممتدة، أي أن أشخاصًا بأجساد مختلفة وبذاكرة متبدلة كذلك (في الغالب يركز الفيلم على التشابه في ملامح الوجه والجسد) سيؤدون دورًا واحدًا، أو بالأحرى، أدوارًا عديدة منفصلة عن بعضها.

لا تتعلق هذه الملاحظة بفكرة المحاكاة والمطابقة التامة للحياة، فالفن ليس معنيًّا بذلك، بل بموقع الطفولة في حياة الشخصية السينمائية. ففي تلك الأفلام تُعرض تلك المرحلة سريعًا، وقد لا يعود المخرج إليها، وربما يحولها إلى مرجع للتحليل النفسي ولبدايات تكوُّن الشخصية، لكن فيلمًا مفصليًّا في تاريخ السينما مثل «Citizen Kane»، للمخرج «أورسون ويلز»، سيبتكر حيلة مدهشة.

حياةٌ ممتدة ومليئة بالمغامرات تنقلب عند موت صاحبها إلى بحث صحفي عن معنى آخر، كلمة نطق بها ويلز : «Rosebud». في ما بعد، سنكتشف أنها وَسم على لعبة امتلكها المخرج في صغره، وتعني «الطفولة السعيدة»، أي ما فقده «تشارلز فوستر كين» بطل الفيلم، بعدما حلَّت عليه ثروة مفاجئة في طفولته وأُخِذَ من بيته ليعيش في المدينة.  

المواطن «كين» سيحمل طفولته حتى لحظة موته، ولعه بجمع التحف والقصور والأشياء هو ولع طفولي، فالطفولة تقبع في مركز هذا الفيلم/المتاهة.

أن تكون متورطًا في الفعل السينمائي يعني أن تسمح للطفولة بأن تأخذ مساحتها في نفسك، أن تسمح للخيال بإنتاج مادته. هناك مخرجون قرروا أن يستخدموا هذه الطفولة في الحكاية، وآخرون في إطلاق الخيال لغرابات تدهشنا، وبعضهم قرر أن يستغل الطفولة حتى آخر قطرة فيها، صورةً وبناءً سرديًّا وتفاصيل، مثل «ويس آندرسون» بألوانه الصاخبة وحكاياته الساخرة، والسيتمرية التي تَشِي بطفل مصاب باضطراب الوسواس القهري ويريد لكل شيء أن يكون منتظمًا، ولعلها السينما في طفولتها القصوى.