فكر فيها

أكل ومرعى: دخل أساسي غير مشروط قد يؤدي إلى تقدم البشرية

الصورة: JohnnyGreig

تقدم عديد من الدول الأوروبية ما يُعرف باسم «معونة البطالة»، وهي مبلغ بسيط يتسلمه الشباب العاطلون كل شهر حتى يجدون عملًا، لكن بعض الأصوات تنادي حاليًّا بتجريب فكرة أكثر راديكالية هي «الدخل الأساسي الشامل»، وهو مبلغ غير مشروط يتسلمه جميع المواطنين ويكفي الضرورات الأساسية للمعيشة، وجرى تجريب هذه الفكرة في فنلندا وولاية أونتاريو الكندية.

أحد المدافعين عن الفكرة هو الكاتب الأمريكي «سكوت سانتنس»، الذي كتب مقالًا لموقع «فيوتشريزم» دافع فيه عن مفهوم الدخل الأساسي من وجهة نظر تطورية، إذ يرى أن قراءة الاقتصاد من منظور نظرية التطور يؤدي بالضرورة إلى تبني مفهوم الدخل الأساسي.

ما التطور؟

التطور من خلال الانتخاب الطبيعي

يلفت سانتنس انتباهنا إلى أن نظرية التطور، منذ ظهرت قبل قرابة قرنين، تركت أثرًا صادمًا في المجتمع البشري كله، ولا نزال نشعر بهذه الصدمة حتى وقتنا الحالي، وقد جمعت هذه الفكرة بين البساطة والقوة لدرجة أنها لا تزال قادرة بعد كل هذه السنين على جعل الناس يشكُّون في معتقداتهم.

تقول نظرية التطور ببساطة إن كل المخلوقات الحية حولنا نشأت بالطفر العشوائي والانتخاب الطبيعي، عبر ملايين بل حتى مليارات السنين من التجربة والخطأ، وهذا في مقابل الاعتقاد الأقدم بأن خالقًا ذكيًّا هو الذي «صمم» كل كائن حي بشكله الحالي. تُعرف هذه العملية باسم التطور بالانتخاب الطبيعي.

يستحيل على معظم الناس في رأي سانتنس تقبُّل حقيقة أن كل شيء من حولنا، بما في ذلك نحن، قد يكون نتيجة التجربة والخطأ، لكن هذا ما كشفه المنهج العلمي.

تحدث الطفرات نتيجة عوامل بيئية مختلفة، ويكون هناك تفاوت في ما بينها، إذ يكون بعضها أفضل من بعض، فقد يظهر منقار أكبر هنا أو رقبة أطول هناك، ويكون هذا الاختلاف فيصلًا بين الحياة والموت، ثم تمر الطفرات الناجحة، وتستمر التكرارات جيلًا بعد جيل.

إن اكتشاف عملية التطور هذه كان أحد أعظم الإنجازات البشرية على الإطلاق في رأي سانتنس، وربما يكون أقوى سبب يجعلنا ندعم فكرة ثورية أخرى كذلك، هي فكرة الدخل الشامل الأساسي.

اقرأ أيضًا: كيف تولِّد الأزمات الاقتصادية حلولًا مجتمعية مبتكرة؟

الأسواق كالبيئات

عمليات البيع والشراء
الصورة: Pexels

يدعونا سانتس بعد ذلك إلى إعادة النظر إلى الاقتصاد بعين تطورية، إذ أن الاقتصاد البشري يُعد نظامًا متكيفًا ومعقدًا، فالأسواق تعمل بطريقة مشابهة لعمل الطبيعة، ولا وجود لمخطط مركزي يقرر المصادر الطبيعية التي يجب التنقيب عنها، أو ماذا سنصنع منها، أو مقدار ما سنصنعه، أو وجهات الشحن، أو نوعية المستهلكين، أو غير ذلك.

تُعد كل هذه القرارات نتيجة لنظام توزيع لا مركزي واسع النطاق يسمى السوق، ويصبح كل هذا ممكنًا بسبب أداة تسمى «النقود» يتداولها أولئك الذين يريدون شيئًا (الطلب) وهؤلاء الذين يوفرون شيئًا (العرض).

تتطور الأسواق وتتكيف بناءً على التجربة والخطأ، فإذا نال هذا الشيء إعجاب الناس ينجح، وإذا لم ينل إعجابهم يختفي.

لكن المال بحسب سانتس أكثر من مجرد أداة حساب لا مركزية، فهو أيضًا يشبه الطاقة، إذ يغذي العملية بأكملها مثلما يغذي الطعام أجسادنا ومثلما تغذي الشمس الكواكب، فنحن نتضور جوعًا بدون الطعام، وكذلك الأسواق تجوع في غياب المال.

قد يعجبك أيضًا: كيف بدأت ثورة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط؟

لهذه الأسباب يصبح وجود مبلغ كافٍ من المال لجميع المشاركين في السوق مفتاحًا لعمل المنظومة بطريقة صحيحة، لكن كيف يكون هذا بالضبط؟

العرض والطلب كالتجربة والخطأ

سوق في اليمن
الصورة: Santiago Urquijo

تتطور الأسواق وتتكيف بناءً على التجربة والخطأ، فقد يفكر شخص في فعل أو إنشاء شيء ما، فإذا نال هذا الشيء إعجاب الناس ينجح، وإذا لم ينل إعجابهم يختفي.

بعد ذلك قد تدخل تعديلات جديدة على الشيء الناجح، فإن لاقت النسخة المعدلة إعجاب المستهلكين تنجح كذلك، وإذا لم تعجبهم تختفي، وإذا كانت مثيرة للإعجاب بدرجة كافية قد تؤدي إلى اختفاء النسخة الأصلية السابقة.

يُعرف هذا في الحديث الرائج عن نظرية التطور باسم «البقاء للأصلح»، لكنه ينطبق على السوق كذلك، فهذه العملية هي تطور المنتجات والخدمات الذي يعتمد على العرض والطلب، ويعتمد هذان بدورهما على المال والاستعداد للمخاطرة.

هذا إذًا أول أوجه الشبه بين آليات عمل السوق وآليات تطور الكائنات الحية.

المخاطر كالطفرات الجينية

ما أهمية المخاطرة في الحياة؟

ثاني مواطن الشبه بين السوق ومجال الأحياء، بحسب سانتنس، هو «المخاطرة»، بالمعنى المُستخدم في ريادة الأعمال، باعتبارها مكافئًا للطفرات الجينية العشوائية ضمن سياق هذا التشبيه البيولوجي، فعند تقديم منتَج أو خدمة جديدة إلى السوق تكون النتيجة إما النجاح أو الفشل، ولن تُعرف هذه النتيجة إلا بعد التجربة.

انخفاض الاستقرار الاقتصادي يعني تزايد الأشخاص الذين تقل احتمالية اتخاذهم للمخاطر، ممَّا يفسر انخفاض ظهور المشاريع الناشئة.

قد يهمك أيضًا: لماذا تغادر الشركات الكبرى دبي؟

المخاطرة التي تنجح قد تؤدي إلى ثراء صاحبها، أما تلك التي تفشل فقد تتسبب في إفلاسه، ومن هنا سميت «مخاطرة». وكثيرًا ما نفكر في أولئك الذين يخاطرون من رواد الأعمال على أنهم أشخاص مميزون أو شجعان بصورة استثنائية، لكنهم في رأي سانتنس يكونون، غالبًا، أشخاصًا ميسورين بدرجة أن احتمالية الفشل لا تخيفهم أكثر من احتمالية النجاح، لأنهم يشعرون بأمان مادي كافٍ.

عدم الاستقرار المتنامي

انخفاض الاستقرار الاقتصادي يعني تزايد الأشخاص الذين تقل احتمالية اتخاذهم للمخاطر، ويفسر هذا الأمر سبب الانخفاض الكبير في ظهور المشاريع الناشئة، فكيف تستطيع أداء هذه القفزة اللازمة لإنشاء المشاريع إن كنت في قلق مستمر بشأن قدرتك على دفع إيجار سكنك؟

بحسب سانتنس، يجب ألا يفاجئنا أيٌّ من هذا، فصناعة التأمين الصحي بأكملها قائمة من أجل هذا الغرض بالذات، أي تقليل المخاطر، فعندما يستطيع أحد تأمين شيء ما فإنه سيكون قادرًا على اتخاذ المخاطرة بسهولة، لأن خوفه من الفشل النهائي سيكون أقل، والفشل يعد ضروريًّا في رأي سانتنس من أجل تطور الاقتصاد البشري.

الفشل كالتطور

كيف تتعامل مع الفشل؟

يصبح السؤال إذًا: كيف نقلل مخاطر الفشل كي يستطيع مزيد من الناس المخاطرة؟ بل كيف نزيد معدلات الفشل؟

ومع أن ذلك يبدو غير منطقي، فإن الفشل ليس سيئًا تمامًا. نحن لا نعرف ما ينجح أو لا ينجح إلا بالفشل أولًا، وهذا هو المنهج العلمي باختصار، إنه مُصمم لاستبعاد غير الصحيح وليس لتحديد ما هو الصحيح، والاختلاف كبير بين الاثنين.

يمنعنا الخوف من المخاطرة، ويمنعنا هذا بدوره من الفشل، ممَّا يمنعنا من الابتكار ومعرفة الإجابات الصحيحة.

هذه هي الطريقة نفسها التي يعمل بها التطور، فهو فشل يعقُب فشل، إذ أن الطبيعة لا تحدد الفائز، بل تحدد ببساطة كل الخاسرين، ومن لا يخسر يفوز بطبيعة الحال في لعبة التطور،  ولهذا السبب، كلما ازداد معدل الطفرات زاد معدل الفشل والنجاح، وزادت بالتالي سرعة الكائن في التأقلم مع البيئة المتغيرة.

ينطبق الأمر كذلك على السوق، فكلما ازداد معدل الفشل في نظام السوق زادت سرعة تطوره.

اقرأ أيضًا: رحِّبوا بالمهاجرين: اقتصاد الدول يستفيد من تنوع ساكنيها

الخوف لدرجة الموت

يمنعنا الخوف من المخاطرة، ويمنعنا هذا بدوره من الفشل، ممَّا يمنعنا من الابتكار ومعرفة الإجابات الصحيحة.

ولأن المخاوف الكبيرة تتمحور حول الجوع والتشرد، يعزُف عدد كبير من الناس عن المخاطرة، والإجابة البسيطة في هذه الحالة هي إزالة خيار الجوع والتشرد، فإذا أزلنا هذه المخاوف الضخمة عند الناس ربما بادر عدد أكبر منهم بالمخاطرة والتجريب في السوق.

لو تلقى جميع الناس مبلغًا ماليًّا كافيًا في كل شهر لتغطية احتياجاتهم الأساسية، بغض النظر عن أي شيء آخر (أي دخل أساسي غير مشروط)، سيزول خوفهم من الجوع والتشرد، لكن أثر الدخل الأساسي لا يتوقف عند تقليل المخاطر، بل يعمل كذلك كرأس مال أساسي، فيمكِّن المزيد من الأشخاص من إنشاء منتجات وخدمات جديدة بدلًا من التفكير فيها فقط.

ديمقراطية السوق

السوق العربية
الصورة: Nishat Khan

يعلمنا التطور في رأي سانتنس أن الفشل مهم للكشف عمَّا لا يفشل، وذلك عن طريق عملية التجربة والخطأ الفعالة، ويجب علينا تطبيق هذا المبدأ على الطريقة التي ننظم بها مجتمعاتنا، فنسمح بوجود الدخل الشامل الأساسي لتقليل خوفنا من الفشل، وبفعلنا هذا سنزيد عدد المخاطر التي ستعمل بدورها على تسريع ظهور الابتكارات والذهاب بها إلى آفاق جديدة.

ليس الفشل خيارًا ينبغي تجنبه إذًا، بل هدف لا بد من البحث عنه، وعدونا في هذه الحالة هو الخوف من الفشل الذي يشل الحركة ويمنع الناس من المشاركة، وربما يكون الاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة التالية في تطور البشر.

, , , ,