يهمني الإنسان

رحِّبوا بالمهاجرين: اقتصاد الدول يستفيد من تنوع ساكنيها

الصورة: Spencer Platt

تستمر معدلات الهجرة الدولية في الارتفاع، إذ بلغ عدد المهاجرين في مختلف أنحاء العالم 244 مليونًا في عام 2015، مقابل 222 مليونًا عام 2010 و173 مليون مهاجر في 2000. ولا تزيد الهجرة من التعداد السكاني في الدولة المقصِد فحسب، بل تزيد كذلك من التنوع الديموغرافي والثقافي، خصوصًا عندما يأتي المهاجرون من دول بعيدة.

نظرًا لزيادة الهجرة وزيادة التنوع الثقافي الناتج عنها، فليس من المستغرب أن تصبح العواقب الاقتصادية لكلا الأمرين مادةً خصبةً للنقاش في الأوساط السياسية، كما لا تزال مسألة ما إذا كان التنوع الاقتصادي يحمل منافع اقتصادية أكثر ممَّا يكلف أمرًا متنازعًا عليه بشدة، لذا حاول باحث العلوم السياسية «Vincenzo Bove» وأستاذ الاقتصاد «Leandro Elia» عرض أبعاد هذا النقاش في مقالهما على موقع «إتش بي آر».

هل التنوع السكاني مفيد أم ضار؟

هل التنوع مفيد فعلًا؟

يشير المقال إلى أن بعض الدراسات السابقة خلصت إلى أن التنوع قد يُضعف الثقة بين الأفراد والتماسك داخل المجتمعات، بالإضافة إلى مشاكل التنسيق الناتجة عن عدم التجانس الثقافي في أماكن العمل، إذ تزيد الحواجز اللغوية والثقافية من صعوبة التعامل، ولذا يكون ارتفاع التنوع مرتبطًا بانخفاض الإنتاجية، ممَّا يحُول دون قدرة الاقتصاد على العمل بكفاءة.

في 2010، كانت الكويت والسعودية من أكثر الدول تنوعًا وبالتالي جذبًا للاستثمارات، بينما الصين والصومال هي الأقل.

يمكن للتنوع في الأعراف الاجتماعية والعادات والأخلاق أن يعزز الابتكار التكنولوجي وانتشار الأفكار الجديدة بحسب المقال، ويؤدي بالتالي إلى إنتاج مجموعة أكبر من السِّلع والخدمات.

أما على المستوى المهني، فإن وجود مجموعة متنوعة من الصفات في فريق العمل يزيد احتمالية تكميل بعضها بعضًا، ويعني هذا أن وجود مجموعة أغنى بالخبرات والتجارب والمنظورات المختلفة قد يحقق نتائج إيجابية لمكان العمل.

لكن اهتمام الباحثين كان موجهًا إلى المستوى الوطني، لذلك جمعا بيانات واسعة النطاق بشأن الهجرة الدولية في الفترة بين عامي 1960 و2010، باستخدام معلومات عن جنسيات المهاجرين، من أجل قياس درجة التنوع في مختلف البلدان.

جاءت الكويت والمملكة العربية السعودية وسنغافورة بين أكثر البلدان تنوعًا في عام 2010، في حين كانت البلدان الأقل تنوعًا هي الصين وإندونيسيا والفلبين والصومال.  وفي العام ذاته، كانت الاقتصادات الأكثر جذبًا للاستثمارات هي لوكسمبورغ وسنغافورة ومعظم دول شبه الجزيرة العربية، مثل البحرين وعمان والسعودية، كما كانت الصين وإندونيسيا وليسوتو والصومال أقل البلدان جذبًا.

اقرأ أيضًا: إلغاء الحدود بين الدول: لماذا لا يجب أن يستمر سجن العالم؟

كيف تؤثر الهجرة في الاقتصاد؟

عمال آسيويون في برج خليفة
الصورة: Imre Solt

بين عامي 1960 و2010 ازداد معدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو 2.1% بسببب ارتفاع معدل التنوع بنسبة 10%.

لأن البلدان ذات النمو الاقتصادي الأعلى تجتذب أعدادًا أكبر من المهاجرين، كان من الصعب معرفة ما إذا كان المهاجرون والتنوع الناتج عنهم يتسببان في حدوث النمو الاقتصادي أم أنهما يحدثان نتيجةً له، كما أن البحث الكَمِّي لا يراعي بعض القضايا المهمة مثل سياسات الهجرة الخاصة بكل بلد.

يرجح الباحثان مثلًا ارتباط سياسات الباب المفتوح تجاه المهاجرين بكلٍّ من الأداء الاقتصادي الجيد ومستويات التنوع العالية، وقد يؤدي استبعاد عوامل كهذه إلى استدلالات خاطئة.

للتحايل على بعض هذه المشكلات أنشأ الباحثان مؤشرات جديدة للتنوع، اعتمدا فيها على متغيرات مثل المسافة الجغرافية والتاريخ الاستعماري ووجود لغة مشتركة بين بلدي المنشأ والمقصِد، وهذه المؤشرات تستند إلى خصائص خارجية لا علاقة لها بالنمو الاقتصادي، وإلى خصائص مميزة ترتبط بكل بلد ولا يمكن ملاحظتها، مثل وجود سياسات خاصة بالهجرة.

تشير النتائج إلى أن عدم التجانس الثقافي يؤثر إيجابيًّا في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) على مدى فترات زمنية طويلة ، والفترة من 1960 إلى 2010 خير مثال على ذلك، إذ ازداد خلالها متوسط معدل النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.1% عندما ارتفع معدل التنوع بمقدار 10%.

قد يهمك أيضًا: كيف يجعل المهاجرون مجتمعاتهم الجديدة أكثر أمنًا؟

هل الهجرة أفضل للبلدان المتقدمة أم النامية؟

كيف تستفيد الدول المتقدمة والنامية من الهجرة؟

يجب الانفتاح تجاه العمال ذوي الأصول المتنوعة للحصول على مهارات وأفكار وحلول مبتكرة.

ربما يلعب التنوع دورًا مختلفًا بحسب مراحل التنمية، إذ يشير المقال إلى كون البلدان الأكثر ثراءً أقرب إلى اعتماد التقنيات الجديدة من البلدان الأفقر، لذا ينبغي أن تزداد مهارات ومعارف قوتها العاملة بمعدل أسرع، أي أنه كلما كان بلد المقصِد متطورًا، قلَّ تأثير الهجرة عليه.

لاختبار هذا التوقع قسَّم الباحثان البلدان إلى اقتصادات نامية وأخرى متقدمة، وأجريا حساباتهما مرة ثانية، فكانت النتيجة أن الاقتصادات النامية تشهد بالفعل زيادة أكبر في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بعد أن يصبح سكانها أكثر تنوعًا.

أشارت النتائج الجديدة إلى أن الزيادة التي شهدها التنوع بنسبة 10% في الفترة من 1960 حتى 2010 أدت إلى زيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.8% في البلدان النامية، أي أكثر بمقدار 0.7% من المتوسط العالمي في النتائج السابقة.

وضَّحت النماذج نفسها إلى أن تأثير التنوع في الاقتصادات متقدمة النمو أضعف بكثير، ويعني ذلك كله أن الاقتصادات النامية تستفيد من التنوع أكثر من غيرها.

توضح هذه الدراسات أن التنوع الذي تغذيه الهجرة أمر جيد عمومًا للنمو الاقتصادي، والتوصية الرئيسية التي يقدمها الباحثان للقادة والسياسيين هي زيادة الانفتاح تجاه العمال ذوي الأصول المتنوعة قدر الإمكان، من أجل الحصول على مجموعة متزايدة من المهارات والأفكار والحلول المبتكرة.

, , ,