إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

هيدغر والذكاء الاصطناعي: هل يمكن للكمبيوتر أن يتفلسف؟

الصورة: Jiuguang Wang

كانت أبحاث الذكاء الصناعي في بدايات ستينيات القرن العشرين مفعمة بالأمل والتفاؤل، ونبوءات طموحة تفوق ما يمكن تخيله لهذه الأداة الجديدة، فقد اعتقد العلماء أنهم في سبيلهم لصناعة «الوعي» أخيرًا. لكن الإشكاليات تظهر فور أن نبدأ بالخلط بين ألفاظ مختلفة، مثل «الوعي» و«العقل» و«الذكاء»، والنظر إليها كما لو كانت مترادفات.

على أي حال، بدأت أبحاث الذكاء الاصطناعي بتفاؤل ساذج، وطموحات ربما زائدة عما هو علمي، وصاحَبَتها بالتأكيد نظرة مادية نحو الوعي والعقل. لكن وُجهت أسهم النقد سريعًا للمقدمات الفلسفية المؤسَّس عليها علم الذكاء الاصطناعي، وسرعان ما روجعت هذه الآمال بعد النقد العنيف من داخل مجال الذكاء الصناعي نفسه، وأشهره نقد «جون سيرل»، إضافة إلى نقد آخر أتى من خارج المجال، يمثله ما قدمه «هوبرت درايفوس» والاتجاه الفينومينولوجي وتيارات ما بعد الحداثة المتأثرة بالفيلسوف الوجودي الألماني «مارتن هيدغر».

هوبرت درايفوس: الأساس الفلسفي للذكاء الاصطناعي

الفيلسوف الأمريكي هوبرت درايفوس - الصورة: Jörg Noller

في عام 1957، وبعد أن نجح البرنامج الذي صنعه «هربرت إيه سايمون» في حل مشكلات رياضية عن طريق التعلم من الأخطاء التي يقع فيها البرنامج بنفسه، توقع الرجل أنه بحلول 1967 سيصبح الكمبيوتر بطل العالم في الشطرنج، وستستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي إقامة براهين رياضية.

توقَّع سايمون كذلك شيئًا شديد الأهمية، أن معظم نظريات علم النفس ستظل تنظر إلى النفس والعقل الإنسانيين باعتبارهما «جهاز كمبيوتر».

النظر للعقل على أنه نظامً «يعالج المعلومات» زعم فلسفي ميتافيزيقي يفتقر إلى الصفة العلمية.

شعر هوبرت درايفوس بأن هذا التفاؤل المصاحب لأبحاث الذكاء الصناعي لا مبرر له، إذ إن علم الذكاء الاصطناعي يقوم على افتراضات خطأ، مثلما كان علم الخيمياء قائمًا على فرضيات غير علمية، كنظرية العناصر الأربعة وتحويل المعادن الرخيصة إلى نفيسة، فبنفس الطريقة يسعى الذكاء الاصطناعي إلى تحويل مجموعة دوائر كهربية إلى وعي حي.

يتبع درايفوس نهج عدد من الفلاسفة، خصوصًا أستاذه مارتن هيدغر. لذلك عاد إلى الفلسفة اليونانية لالتماس الأساسيات الفكرية والفلسفية التي تقوم عليها أبحاث الذكاء الاصطناعي.

يرى درايفوس أنه منذ اخترع اليونان المنطق والهندسة، وضعوا أساس الفكرة التي ترى أن العالم من الممكن اختزاله إلى مجموعة من الحسابات والرموز، أي إن الإغريق، كمؤسسين للعقلانية العلمية، دشنوا مقولة فلسفية أساسية يقوم عليها علم الذكاء الاصطناعي المعاصر.

كان سقراط مثلًا يسأل دائمًا عن «التعريف» (Definition)، فيُظهره أفلاطون في «محاورة أوطيفرون» وكأنه يحاول الوصول إلى قواعد إجرائية أخلاقية، مثل الكتالوغ. إضافة إلى ذلك، فإن أفلاطون نفسه يطبق نظرة سقراط الأخلاقية لكن على الإبستمولوجيا، فيصل إلى ضرورة وجود تعريفات تُبنَى عليها المعرفة. فأي معرفة لا يمكن وضعها في تعريفات هي مجرد اعتقاد، وليست معرفة حقة. لهذا السبب احتقر أفلاطون الفن، وأصبحت المعرفة عنده نظامًا معينًا يتبع مجموعة أوامر.

هنالك مقدمة مهمة أخرى، وهي النظرة إلى العقل البشري باعتباره نظامًا «معالجًا للمعلومات» (Information Processing System)، وهو زعم ميتافيزيقي فلسفي بشأن الطريقة التي يعمل بها العقل، لأن أبحاث العلوم الإدراكية، وبخاصة علوم المخ والأعصاب، ما زالت أقل نضجًا من أن تقرر قضية أساسية كتلك القضية بالنسبة إلى العقل، لذا فهي مقولة أو قضية تفتقر إلى الصفة العلمية.

اقرأ أيضًا: هل هو ذكاء صناعي، أم أننا نصنع نسخًا من ذكائنا «الطبيعي»؟

يرى درايفوس أن فلسفة القرن العشرين أسهمت، بشكل ملحوظ، في تكوين تلك النظرة تجاه العقل. فالعقل، من وجهة نظر فلسفة القرن العشرين، مجرد معالج للبيانات، ومِن نقد تلك المقولات الأساسية ينتقد درايفوس عددًا من الافتراضات غير المبررة التي يفترضها علم الذكاء الاصطناعي.

أول الافتراضات التي يهاجمها درايفوس «استعارة الكمبيوتر». ووفقًا لتلك الاستعارة، يعالج المخ البيانات بواسطة عمليات بيولوجية منفصلة عن بعضها، تناظر طريقة عمل مفاتيح الدوائر الكهربية، أي إن تلك النظرة ترى العقل جهاز «ترانزستور».

هذا افتراض متطرف السخافة بالطبع، لا يستند إلى أي أسانيد علمية حتى يمكن لمهندسي ومبرمجي الذكاء الاصطناعي في الستينيات افتراضه، بل إنه يصادر أيضًا على العلوم البيولوجية والعصبية التي كانت في طور النضوج وقتها.

العودة إلى هيدغر

الصورة: Renaud Camus

«الفينومينولوجيا» هي أكثر الاتجاهات الفلسفية تأثيرًا في الحركات الفلسفية الأوروبية التالية عليها، مثل الوجودية والبنيوية وما بعدها. ويمكن إيجاز الأفكار الأساسية للفينومينولوجيا في أنها منهج يسعى لدراسة الظواهر والوقائع في أشكالها النقية تمامًا وتحليلها، دون أحكام مسبقة. أي إنها تدرس الأشياء كما تبدو ماثلةً للوعي والشعور الإنسانيين. ويلخص مؤسسها «إدموند هوسرل» هذا التوجه في عبارته الشهيرة «العودة إلى الأشياء ذاتها».

متَّبعًا هذا المنهج، ناقش الفيلسوف الألماني «مارتن هيدغر»، في عشرينيات القرن الماضي، مشكلة «الوجود الإنساني» (Human condition) عبر التحليل الفينومينولوجي لحالة الإنسان الوجودية، أي «وضع الإنسان في الوجود»، فصك بالألمانية مصطلحه الشهير للدلالة على هذا الوجود الإنساني: «الدازين» (Dasein)، الذي يعني حرفيًّا «الموجود هناك»، أي الوجود الإنساني المُلقى به في العالم.

لا يقتصر البشر على المنطق في حياتهم اليومية، ولا يُجرون مثلًا عمليات رياضية تفاضلية كي يتمكنوا من عبور الطريق.

قدم هيدغر كذلك نقدًا للتقنية وآثارها بالنسبة إلى البشر. ويقوم نقده على أساس أن التقنية تعتمد نظرة عقلانية أداتية صوب الأشياء. فالمعرفة العلمية، كما تكون في المعامل والمختبرات، عملية قائمة على عارف ومعروف، أي وجود شخص عارف، وهو العالم أو «الذات»، يدرس أو يختبر شيئًا ما، هو «موضوع» هذه المعرفة، وتنظر الذات إلى موضوع معرفتها باعتباره منفصلًا عنها، وقائمًا لغرض بعينه، وهي النظرة التي يسميها هيدغر نظرة «أداتية»، ترى الموجودات كأدوات.

أدى التقدم العلمي والتقني إلى تغوُّل هذه النظرة، إلى أن أصبحت «العقلانية الأداتية» الطريقة الوحيدة التي يعمل بها العقل الإنساني، ما أدى إلى إغفال طرق أخرى ممكنة في التعامل مع الموجودات. وربما تمتد هذه الرؤية أحيانًا لتصبح أساسًا في التعامل بين البشر، بأن ينظر الأفراد إلى الآخرين باعتبارهم موضوعات للمعرفة، موجودين لتحقيق غاية ما، لا باعتبارهم ذواتًا.

بيَّن هيدغر أن «الدازين»، في تعاملاته خلال الحياة اليومية، لا يعتمد على عمليات عقلانية فحسب، بل إن تعاملاته تتضمن كذلك عناصر أخرى غير العقلانية الأداتية. فالبشر لا يقتصرون على استخدام المنطق في غالبية الأحاديث التي يجرونها، وكذلك لا يجري المارَّة، مثلًا، عمليات رياضية تفاضلية خلال المرور بين السيارات على الطرق السريعة.

يعني هذا أن العمليات العقلانية، كمعالجة الرموز الصورية، هي جانب واحد، وجزء من المهمات المختلفة التي يقدر عليها الإنسان، وليست الخاصية الوحيدة المميزة التي يرتهن وجود العقل بوجودها. وهذه القضية شديدة الأهمية بالنسبة إلى ناقدي الذكاء الاصطناعي، لأنها تعني أن الذكاء يختلف عن مجرد «اتباع القواعد» الصورية أو المجردة. واستطاع درايفوس، بالفعل، أن يطور أفكار هيدغر ويوجهها لصالح نقد برنامج الذكاء الاصطناعي بأكمله.

اقرأ أيضًا: فنٌّ تخلقه الآلات: إلى أين وصل الذكاء الصناعي في مضاهاة البشر؟

كيف ضل الذكاء الاصطناعي طريقه؟

الصورة: U.S. Department of State

كان دور الجسد مهملًا تمامًا في تاريخ الفكر الفلسفي، وورث الذكاء الاصطناعي هذا التراث من احتقار الجسد.

على أساس تلك النظرة الأداتية، اهتمت أبحاث الذكاء الصناعي الكلاسيكي بتصنيع روبوتات وأنظمة صناعية قادرة على أن تحاكي جانبًا واحدًا من جوانب «الدازين» أو الوجود الإنساني، وهو ذلك الجانب الصوري المعالج للمعلومات، أو الجانب الذي يتبع القواعد، وأغفلت الجوانب الأخرى والأساليب التي يستخدمها الدازين في حياته اليومية للتواصل مع الآخرين أو رؤية الوجود من حوله.

من ناحية أخرى، اهتم الفيلسوف الفرنسي «ميرلو-بونتي»، متأثرًا بهيدغر وفلسفات الاتجاه الفينومينولوجي، بدراسة الدلالات والانطباعات المختلفة التي يثيرها «الجسد» كوجود لا ينفصل عن كينونة الذات نفسها، أي إن الذات ليست خارجية بالنسبة إلى الجسد، ولا تتكشف وتحقق نفسها إلا من خلاله.

قد يعجبك أيضًا: كيف تشكَّلت إنسانيتنا من استقامة أجسادنا؟

كان دور الجسد مهملًا تمامًا في تاريخ الفكر الفلسفي، وورث الذكاء الاصطناعي هذا التراث من احتقار الجسد، فظن أن بإمكانه بناء «عقل» إنساني مجرد، وليس متجسدًا في جسم حي يعيش في العالم. وهذه بالطبع فرضية لا أساس لها، فنحن لا نعرف وعيًا أو عقلًا إلا في أجساد. أما الذكاء الاصطناعي التقليدي فيزعم أن جهاز الكمبيوتر القابع على المكتب يستطيع، بعمليات حسابية مقعدة وسريعة، أن يكتسب وعيًا، وهذه الفرضية تبدو لدرايفوس مستحيلة.

يستخدم درايفوس فلسفة هيدغر وتحليله الأنطولوجي للوضع الإنساني في نقد الأسس التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى تأسيس علم جديد، هو «علم الذكاء الاصطناعي الهيدغري». تهدف أبحاث هذا العلم الجديد إلى بناء جيل من الروبوتات الشبيهة تمامًا بالبشر، لتحاكي جميع عملياتهم المنطقية وغير المنطقية، وقراراتهم العقلانية وغير العقلانية، لمحاكاة الجوانب والتجارب الإبداعية والفنية لدى البشر.

من هنا تظهر فكرة الروبوت كشكل وجسم يقترب في الشبه مع الجسد الإنساني في وظائفه، إذ يفترض هذا التوجه أن برامج الذكاء الصناعي عليها أن تملك وقتًا كافيًا لاجتياز خط تطوري بيولوجي شبيه بما اجتازه البشر، حتى يصل الذكاء الاصطناعي، في النهاية، إلى خلق جيل من الروبوتات كتلك التي نشاهدها في مسلسل «Westworld» تمامًا، أي روبوتات تملك رغباتنا وآلامنا واحتياجاتنا، بل وحتى خلفياتنا الثقافية، وأنه لهذا السبب لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم خارج جسد ينمو في العالم ويتفاعل معه.

استجاب عدد لا بأس به من العلماء، في المعاهد التقنية، لدعوى درايفوس، حتى في عقر داره، أي معهد «MIT»، متأثرين بالنقد الشديد الذي وجهه للمجال. بعضهم مؤيد لفلسفة هيدغر، كدرايفوس نفسه، وبعضهم الآخر يريد حل المشكلات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي بهدف تنقيح المجال، فأشاحوا الوجه عن الأهداف القديمة للذكاء الصناعي المتمثلة في بناء أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة لتعالج المعلومات والبيانات بطرق حسابية معقدة، واهتموا بتطوير الجوانب الأخرى، مع التركيز أيضًا على أهمية دور «الجسد»، فظهرت أبحاث الذكاء الاصطناعي المتجسد والمُمَوضع (Situated and Embodied AI).

كان نقد مارتن هيدغر القديم، ثم نسخته المنقحة والمتطورة عند درايفوس، إسهامًا كبيرًا في تطور علم الذكاء الاصطناعي، وتوجيه الدفة إلى دفع العلم نفسه إلى الأمام.

, ,