إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

هل هو ذكاء صناعي، أم أننا نصنع نسخًا من ذكائنا «الطبيعي»؟

الصورة: Stephen McCarthy/Web Summit via Sportsfile

اللغة مرآة الفكر، تساعد الإنسان على إدراك الأشياء المحيطة به، ومن دونها لا يستطيع أن يوظِّف ما يدور في عقله، ولا التواصل مع نفسه وغيره. لذلك، فإن اللغة الأم هي التي يتكون منها إدراك الإنسان، ومعرفته بنفسه، وهي التي يميزها العقل وينتبه إليها من بين كل اللغات الأخرى التي يتعلمها لاحقًا.

ظلت قدرة عقل الإنسان على استيعاب اللغات مصدر بحث لكثير من أطباء المخ والأعصاب، لمعرفة إمكاناته في عمل معالجة الأصوات التي يسمعها، وكيف يترجمها المخ، وكيف ينتقي المخ كلمات تبدو مألوفة لديه ويستطيع إدراكها.

من قدرة العقل تلك، جاءت فكرة عمل محاكاة له بجهاز كمبيوتر، بمساعدة برامج لأنظمة اللغات البشرية تقيس نظام عمل الدماغ البشري ومحاكاته، ويُعرف هذا المجال باسم «اللسانيات الحاسوبية» (Computational Linguistics).

علم اللسانيات الحاسوبية

عند تحويل كمية نصوص متنوعة لأكواد يتعامل معها الكمبيوتر، يمكنه مخاطبة الإنسان بلغته وقراءة النصوص وفهمها.

«اللسانيات الحاسوبية» من العلوم البينية التي تجمع بين علمي البرمجيات واللسانيات، ويهتم بفهم اللغات المكتوبة والمنطوقة ودراستها من منظور الكمبيوتر، إذ يؤدي الكمبيوتر وظيفة العقل في إدراك اللغات وعمل معالجات رياضية لتنظيم اللغة وتحليلها، ثم تطوير أدائه لعمل معالجات لغوية تستعصي على عقل الإنسان.

منذ بداية عام 1960، كان الاهتمام باللغة يتركز في جمع المعاجم والعمل على برمجة تطبيقات تتولى ترجمة كلمات ونصوص وتحتوي على معجم يضم عدة لغات. وفي بداية 1970، ركَّز الباحثون اهتمامهم على صنع كمبيوتر يستطيع محاكاة قدرات الإنسان وتجاوزها، أو ما يُسمى «الذكاء الصناعي/الاصطناعي».

كان التركيز على اللغة من جانب تطوير الكمبيوتر لفهم الحوارات البشرية، وكان «Elizza» من أوائل البرامج التي تعمل كطبيب نفسي يكتب تعبيرات ويرد عليها بشكل سطحي. اعتمدت مُخرَجات البرنامج على الكلمات والجُمل التي يرسلها المستخدمون إليه، وكان من أوائل البرامج التي أجرت حوارات بين الإنسان والكمبيوتر.

بدأت الأبحاث تتزايد عن إمكانية جعل الكمبيوتر يمتلك القدرة على التفرقة بين الأسماء والأفعال، ثم الإحساس بالجُمل والوصول إلى مفاهيم متعددة للكلمات. وكان هناك اتجاه تدريجي نحو ترميز اللغات لإمكانية التعبير عنها بشكل رقمي، وبناء استدلالات للقواعد اللغوية. من أشهر من عملوا على ذلك عالم الرياضيات الأمريكي «ريتشارد مونتاجيو»، الذي كان يبحث عن دلالات منطقية يمكن ترميزها في اللغة.

في عام 1995، أصبح هناك توسع هائل في مجال اللسانيات الحاسوبية، وتوفرت كمية متنوعة من النصوص جرى إحصاؤها وتحويلها إلى أكواد يتعامل معها الكمبيوتر، فاستطاع مخاطبة الإنسان بلغته وقراءة النصوص وفهمها مثل الإنسان، بل تفوَّق على الإنسان في سرعة أدائه لجميع المهمات، وأصبح الكمبيوتر قادرًا على كتابة نصوص وعمل مُلخصات وتحليلات لها، واستخراج مغالطات منطقية ولغوية في الكتابة، وتقييم الكتابة بشكل عام.

اللغة والكمبيوتر: تحديات مستمرة

التحدث مع الروبوت صوفيا

لكن اللغات وتعقيداتها كانت تمثل عائقًا مستمرًّا في تطوير آليات فهم الكمبيوتر، فالغموض النحوي الذي جعل هيكل الجُمل يتغير بتغير سياق الحديث يصعِّب تحويلها إلى معادلات يفهمها الكمبيوتر، ومن ثمَّ يستطيع تطويرها والوصول بتقنية التحليل اللغوي إلى معدلات تعادل قدرة الإنسان.

لذلك سعى ريتشارد مونتاجيو إلى تفسير اللغات منطقيًّا، بتحويل الكلمات والمجازات اللغوية والتعقيدات النحوية إلى رموز ذات دلالات معينة يمكن للكمبيوتر التعامل معها، وتلك الرموز تعمل عمل الكناية أو الاستعارة في اللغة.

«ديري جينتير»، أستاذة علم النفس الأمريكية، ترى أن تلك الاستعارة الكمبيوترية ستتمكن من إيجاد خصائص مشتركة وبنية عقلانية بين المتشابهات في اللغة، وستُظهر بالتبعية الأشياء المتنافرة. ويمكننا بعد ذلك التعامل مع الحالات الشاذة في اللغة، وإيجاد حلول لتعريفها رقميًّا.

لكن تظل قدرة الكمبيوتر على التواصل، مثل البشر، تواجه تحديات مستمرة على مستوى فهم الحوارات التي تختلف باختلاف الأعمار واللكنات والسرعة، واستخدام تعبيرات (لَزَمات) عفوية في الحديث. يمثل هذا عقبة كبيرة في تحليل الكمبيوتر للكلام، وبالتالي الاستجابة معه.

تطبيقات كمبيوترية للغة

اعتمدت تطبيقات اللسانيات الحاسوبية على الحد الأدنى من البنية اللغوية، وتجميع المعلومات من كلمات وجُمل لكي تصل إلى مستوى معين من الكفاءة لفهم اللغة واستخدامها.

من هذه التطبيقات «الترجمة الآلية»، التي عملت لأول مرة في أوائل ستينيات القرن العشرين، واستخدمتها الوكالات الحكومية الأمريكية والأوروبية على نطاق واسع. وفي عام 2010 استخدمها موقع غوغل لترجمة النصوص، وذلك بعد تطويرها باستخدام تقنيات إحصائية.

يستخدم غوغل حاليًّا الترجمة الآلية القائمة على عبارات مختزنة في الموقع، وكذلك يفعل موقع «Bing»، وتبقى الترجمات عُرضة للخطأ، لكن جودتها عادة ما تكون كافية للقرَّاء لإدراك المحتوى العام.

لذلك عملت غوغل لعدة سنوات على مشروع «GNMT, Google’s Neural Machine Translation»، أو ترجمة غوغل اللغوية العصبية، التي حاولت فيها جعل الكمبيوتر يفهم من كتابة الإنسان ونطقه للكلمات ما إذا كان يمزح أو يتكلم بجدية، وبالتالي يتمكن من ترجمة مشاعر الإنسان خلال حديثه، ويتطور بشكل مستمر مع استعمال الإنسان للتطبيق.

, , , ,