إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

فنٌّ تخلقه الآلات: إلى أين وصل الذكاء الصناعي في مضاهاة البشر؟

الصورة: Getty/Julia Abramova

في عالم تستطيع فيه الآلات أن تفعل كل شيء مثل الإنسان، يأمل بعض الناس أن يبقى عدد من السمات البشرية المميِّزة بعيدة عن متناول الآلة أو الذكاء الصناعي.

الفن، والأدب، والشعر، والموسيقى، كلها أشياء لا يستطيع جهاز كمبيوتر، مهما كان تطوره، أن ينتجها، ليس دون السمات البشرية التي تسببت في ظهورها من الأساس: دهشة اكتشاف العالم، واختبار الأمزجة المختلفة، والذكريات، وبالطبع: القابلية البشرية للخطأ.

لطالما اعتُبر الإبداع عنصرًا أساسيًّا في الذكاء. وبالنسبة إلى بعض المتخصصين، حان الوقت لاستخدامه بهدف تقييم مستوى وقابلية تعلم الآلات.

بدأ العلماء في التساؤل عما إذا كانت الآلات قادرة على الإبداع والارتجال، بالتزامن مع زيادة تعقيد العمليات التي تستطيع هذه الآلات أداءها بكفاءة ويسر. هل نستطيع استخدام الآلة من أجل تحقيق أهداف إبداعية، أو جزء منها؟ الأمر الذي سيجعلنا، بالطبع، نفهم طبيعة الإبداع البشري كذلك.

إلى أي حد يمكن أن يبلغ إبداع الحاسب الآلي؟ وهل يمكن مقارنته بإبداع البشر؟

في عام 1950، ابتكر «أبو الذكاء الصناعي»، «آلان تورنغ»، اختبارًا لنجاح الحاسب في إنجاز العمليات العقلية البشرية اسمه «اختبار تورنغ». وفي هذا الاختبار، يتواصل حَكم مع إنسان وجهاز كمبيوتر، دون أن يعرف أيهما الشخص وأيهما الآخر، ويحاول التمييز بينهما، فإذا فشل، يرى تورنغ أن هذه علامة على بلوغ الكمبيوتر مستوى الذكاء الإنساني.

يمكنك أن تجري هذا الاختبار بنفسك، وتحاول تمييز الأعمال الفنية التي أنتجتها الآلة من تلك التي أنتجها البشر، وتحكم على مستوى الكمبيوتر الفني قياسًا إلى الإبداع الإنساني.

الموسيقى

أغنية «Daddy's car» من صنع خوارزمية جهاز كمبيوتر

ربما تكتشف أن إحدى الأغنيات التي تظهر في قوائم الأغاني الأعلى شعبية، هي في الواقع من صنع خوارزمية جهاز كمبيوتر.

يطور معمل شركة «سوني» للعلوم نظامًا من الخوارزميات يستطيع أن ينتج أغانٍ تناسب ذوق المستمع، بناءً على تبني مجموعة من الأساليب الغنائية الموجودة في أغانٍ موجودة بالفعل، وأول خطوة في عملية صناعة الأغنية هي قاعدة بيانات تضم أكثر من 13 ألف أغنية، ومنها يستطيع المستخدم أن يختار أي عدد من العناوين، وكذلك أصواتًا بعينها، أو إحساسًا معينًا يرغب في أن يشعر به عند سماعه الأغنية.

دعمت شركات البرمجة ألبوم «أنا الذكاء الصناعي»، الذي تعاونت فيه المطربة «تاريون ساذرن» مع مجموعة من تطبيقات تعلم الآلة.

تبدأ الخوارزمية في تحليل ما تتميز به كل أغنية، وكذلك الخصائص الإحصائية المتعلقة بالإيقاع، ووحدة الصوت، والتناغم الداخلي.

سيتعلم جهاز الكمبيوتر، بصورة ما، أي نغمة تناسب أوتارًا بعينها، والأوتار التي تُستخدم تلو بعضها، والنغمات التي يمكن أن تأتي بعد نغمة معينة. وبعد الوصول إلى نمط محدد، تستطيع الخوارزمية أن تنتج قطعة موسيقية على نفس المنوال.

قد يهمك أيضًا: صراع الإنسان والآلة: التكنولوجيا عدو أم صديق؟

بعدما استمع عازف الغيتار «بات ميثني» إلى قطعة موسيقية ابتكرها بالكامل روبوت ينتج أغاني الجاز، أكد أن «هذا مثير للإعجاب فعلًا». كان هذا الروبوت قد برمجه الفريق لينتج قطعًا موسيقية تمزج بين أسلوبي أسطورة الجاز «تشارلي (بيرد) باركر» والمؤلف الموسيقي الفرنسي «بيير بوليز».

أرسل ميثني تلك القطعة الموسيقية إلى «كريس بوتر»، عازف الساكسفون في الفرقة التي يديرها حاليًّا، وطلب منه أن يحدد مؤلفها، لكن كريس لم يستطع تمييز أن الموسيقى صنعها روبوت، وبدأ بالفعل في تخمين أسماء عازفين.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، دعمت شركات البرمجة أخيرًا إنتاج ألبوم جديد يسمى «أنا الذكاء الصناعي» (I AM AI)، وهو تعاون بين مطربة البوب «تاريون ساذرن» ومجموعة من تطبيقات تعلم الآلة، بما فيها تطبيق يدعى «آمبر».

فن التصوير

«سيبرن فيرستيغ» يشرح مشروع اللوحات المنتجة بالكامل عبر الكمبيوتر

بقدر ما يبدو هذا غير قابل للتصديق، قد تُفاجأ بأن إحدى اللوحات العظيمة التي ستراها في أي وقت قريبًا يمكن أن تكون مصممة بالكامل بلغة الصفر والواحد، اللغة الأم لأجهزة الكمبيوتر، أو هذا على الأقل ما يقوله فنان الديجيتال «سيبرن فيرستيغ»، الذي يحاول استكشاف هذه الفكرة في عمله الأحدث: سلسلة من اللوحات (أو الصور التي تبدو كأنها لوحات)، أنتجتها بالكامل خوارزميات الكمبيوتر.

يكتب فيرستيغ أكواد الكمبيوتر بناءً على ملاحظاته حول اللوحات التجريدية، ويتعامل الجهاز مع هذه الأكواد ويفسرها، ومن ثَمَّ يبدأ في إنتاج صورة برسم طبقة تلو الأخرى، ثم سيختار فيرستيغ لاحقًا واحدة من النسخ العديدة التي أنتجها الكمبيوتر كي يطبعها على القماش.

خلال مقابلة صحفية في متحف «إسل» بالنمسا، شرح فيرستيغ أن هناك عديدًا من المتغيرات في اللوحات، مثل لون الطلاء، ولزوجته، والطريقة التي يلتصق بها اللون على الفرشاة، وكذلك المواد المتفاعلة، ومدى تقطُّر الطلاء، لكنه صمم نظامًا منطقيًّا يستطيع التعامل مع كل هذه المتغيرات، ويحدد الطريقة التي ستظهر بها على اللوحة النهائية.

النتيجة ستكون مجموعة من الأعمال الفنية، تشبه تلك اللوحات التي يمكن أن تجدها في أي متحف للفن الحديث.

قد يعجبك أيضًا: كيف سنجد معنًى لحياتنا في عالم دون عمل؟

الشعر

هل يتمكن الذكاء الصناعي من كتابة قصيدة؟

في عام 2011، اختار محررو إحدى أهم وأقدم مجلات الطلبة الأدبية قصيدة بعنوان «لأفعى أشجار الصنوبر» لنشرها في عدد الخريف. بدا أن القصيدة تستوحي الطبيعة كموضوع لها، وأن لها نبرة عنيفة بعض الشيء، وكذلك تحتوي على بعض النقلات العالية، الشائعة بصورة كبيرة بين أشعار الطلبة الجامعيين. كانت قصيدة عادية في أغلبها، إلا في أمر واحد: كانت مكتوبة بالكامل بخوارزمية كمبيوتر، ولم يستطع أحد تمييز ذلك.

وضع زاكري شول قصائد مكتوبة بالكامل عبر كمبيوتر على الإنترنت دون أن يوضح ذلك، وجاءت ردود أفعال القراء إيجابية.

صمم «زاكري شول»، وكان وقتها طالبًا في جامعة ديوك، برنامجًا يستطيع تكوين عبارات خالية من الأخطاء الإملائية، وصحيحة إعرابيًّا، لينتج مجموعة من الجمل الكاملة تكوِّن قصيدة. يوضح  زاكري أن هذه الخوارزمية تعمل بتفكيك القصيدة إلى عناصر أولية بسيطة: عبارات شعرية، وسطور، وجمل، ثم أفعال، وصفات، وأسماء. عندما يأمر شول الخوارزمية بتكوين قصيدة، تبدأ في اختيار المكونات المناسبة من هذه العناصر، وتكوِّن قصيدة بناء عليها.

يعتبر عمل زاكري شول جزءًا بسيطًا ومثيرًا للتأمل ضمن قطاع كبير من الشعر والنثر الذي تولده الخوارزميات، وهناك أمثلة عديدة، بدايةً من الروبوتات التي تستخدم عبارات عشوائية تجدها في تويتر لكتابة قصائد عميقة، حتى الروبوتات التي تكتب الروايات. تتقلص بالتدريج تلك الفجوة بين الفن الإبداعي الخاص بالإنسان وذلك الذي تنتجه الآلة.

اقأ أيضًا: تقنيات الذكاء الصناعي: هل حان أوان القلق بشأن مستقبلنا؟

بدأ شول في عام 2011 يضع إنتاج الخوارزميات من القصائد على مواقع الشعر على الإنترنت، وجاءت ردود أفعال القراء حولها إيجابية بصورة مدهشة، حسب قوله. بعد هذا بعام، أرسل بعض تلك القصائد إلى عدد من المجلات الأدبية، مثل «Memoir Journal» و«First Writer Poetry»، وكذلك إلى مجلة ديوك الأدبية حتى قُبلت واحدة منها.

لم يخبر شول المحررين أبدًا بأمر هذه القصيدة المكتوبة بما يعتبره «ذكاءً صناعيًّا»، لأنه «لم يرغب في إشعارهم بالحرج».

تعالَ نجرب: اقرأ القصيدتين التاليتين وحاول تخمين أي واحدة منهما كتبتها خوارزمية شول؟

«بيت، غيَّره البرق،

ومظلات متوازنة، تخنق

هذه الأرض النهمة، لكوكب الأرض.

هاجَموا الأرض بقرون ميكانيكية،

لأنهم يحبونكِ،

حبٌّ، في النار وفي الريح،

تقولين: ما الذي ينتظره الزمن في ربيعه؟

فأخبركِ أنه ينتظر فرعكِ الذي يتدفق،

لأنكِ معمار، كجوهرة، حلوة الرائحة،

لا تعرف لماذا تنمو».

***

«كم ساعة يعمل الموت؟

لا أحد يعرف مدى طول يومه.

تجلس الزوجة الصغيرة وحيدة دائمًا،

تكوي ملابس الموت المغسولة،

والفتيات الصغيرات الجميلات

يحضِّرون طاولة عشائه.

يلعب الجيران الورق في الحديقة،

أو يجلسون فقط على السلالم،

لشرب البيرة».