إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

بالورقة والقلم: الكمبيوتر ينجح في توقع ميول البشر الانتحارية

الصورة: DrCartoon

عندما ينتحر شخص فإنه يخلِّف وراءه السؤال المفجع الذي يقبع عادةً دون إجابة: ماذا لو كان باستطاعة أهله أو أصدقائه فعل شيء لتجنب وقوع ذلك الحدث المؤلم؟

كان هذا السؤال بالضبط هو ما طمح «كولين والش»، عالم البيانات في المركز الطبي لجامعة فاندربيلت في أمريكا، إلى إجابته عن طريق عمله الساعي إلى التنبؤ باحتمالات الانتحار، كي يتيح الفرصة للناس لمساعدة هؤلاء الذين يواجهون خطر الانتحار عندما تكون هناك فرصة للتدخل.

عرض مقال منشور على موقع «كوارتز» النتائج التي وصل إليها والش وفريقه، وكيف استطاعوا أن يتنبؤوا باحتمال انتحار شخص ما بدرجة مذهلة من الدقة، ممَّا يوفر وقتًا كافيًا لأصدقاء الشخص وعائلته للتدخل والمساعدة.

كيف يستطيع الكمبيوتر توقع الانتحار؟

التفكير في الانتحار
الصورة: Edward Zulawski

بحسب المقال، تمكن والش وزملاؤه من برمجة خوارزميات بتقنية تعلم الآلة، تستطيع التنبؤ باحتمالات انتحار المريض بدقة ملحوظة، وكانت نتائج التجارب دقيقة بنسبة 80 إلى 90% في التنبؤ بما إذا كان الشخص سيحاول الانتحار خلال العامين المقبلين، وبنسبة 92% عند التنبؤ بما إذا كان سيحاول ذلك خلال أسبوع واحد.

يستند التنبؤ إلى بيانات متوفرة على نطاق واسع في المستشفيات، بما في ذلك السن والجنس والرموز البريدية والأدوية والتشخيصات السابقة، وقد جمع والش وفريقه بيانات 5167 مريضًا دخلوا مركز فاندربيلت الطبي نتيجة وجود علامات على إيذائهم لأنفسهم أو على التفكير في الانتحار.

بعد ذلك، قرأ الباحثون تفاصيل كل حالة لتحديد 3250 حالة من محاولات الانتحار، واستُخدِمت هذه المجموعة التي تضم ما يزيد على خمسة آلاف حالة لتدريب الآلة على تحديد هوية الأشخاص المعرضين لخطر الانتحار، مقارنةً بأولئك الذين آذوا أنفسهم دون إبداء دليل على نوايا انتحارية.

قد يعجبك أيضًا: في اليابان.. نُفضِّل أن ننتحر معًا

 تلعب اضطرابات النوم دورًا مهمًا في مخاطر الانتحار

بنى الباحثون كذلك خوارزميات للتنبؤ بمحاولات الانتحار بين مجموعة من 12,695 مريضًا، اختيروا عشوائيًّا دون وجود تاريخ موثق لهم بأي محاولات انتحار بحسب المقال، وأثبتت النتائج دقة أكبر في التنبؤ بمخاطر الانتحار ضمن هذا العدد الكبير من المرضى.

ما الإشكاليات الأخلاقية التي يثيرها التنبؤ؟

اكتئاب فتاه
الصورة: Free-Photos

الانتحار فعل شخصي للغاية، لذا فإن إجراء تنبؤات دقيقة كهذه بناءً على مجموعة من البيانات الخام فقط يبدو من منظور إنساني أمرًا مستحيلًا، لكن والش يقول إن تساؤل الأطباء عن كيفية صنع هذه التنبؤات أمر طبيعي، إلا أن الخوارزميات معقدة للدرجة التي يستحيل معها عَزْو الأمر إلى عوامل خطر بعينها: «نحصل على الإجابة نتيجة تفاعل مزيج من هذه العوامل».

مع ذلك، فوجئ والش وفريقه بأن تناول «الميلاتونين» مثلًا بدا كعامل مؤثر في التنبؤ باحتمالات الانتحار، وعلق على ذلك قائلًا: «لا أعتقد أن الميلاتونين يسبب التفكير الانتحاري لدى أي شخص، فليس هناك ما يقودنا فيسيولوجيًّا إلى اعتقاد كهذا، لكن الأمر الذي يلعب حقًّا دورًا مهمًّا في مخاطر الانتحار هو اضطرابات النوم التي تدل عليها استخدامه».

اقرأ أيضًا: 6 أسباب يشرحها مختص نفسي قد تدفع الناس إلى الانتحار

يثير هذا البحث أسئلة أخلاقية أوسع بشأن دور أجهزة الكمبيوتر في الرعاية الصحية، وكيف يمكن حقًّا استخدام المعلومات الشخصية. يقول والش إن «خطر العواقب غير المقصودة يلوح في الأفق دائمًا، وصحيح أن نوايانا حسنة، وأننا نبني نظامًا لمساعدة الآخرين، لكن هذا قد ينتج عنه بعض المشاكل».

تعتمد خوارزميات التنبؤ بالانتحار حاليًّا على البيانات التي يكتبها المرضى عند دخولهم المستشفى.

سيتعين على الباحثين تحديد حجم القرارات المعتمدة على الكمبيوتر، والتي ستقرر رعاية المرضى. وباعتباره طبيبًا ممارسًا للرعاية الأولية، فإن تسليم والش بكونه قد يتبع أوامر آلة أمر مقلق بالنسبة له، لذا يتساءل: «هل هناك مشكلة في حقيقة أنني قد أتلقى تنبؤًا بالخطر عندما لا تدل الفحوصات التقليدية على أي خطر؟ وهل عليَّ تغيير الطريقة التي أقدم بها الرعاية بسبب ما يخبرني الكمبيوتر أن علي فعله؟».

كيف تفيدنا بيانات مواقع التواصل الاجتماعي؟

فيسبوك يطور تقنية جديدة لمساعدة المقبلين على الانتحار

يستخدم فيسبوك ذكاءه الصناعي لمراجعة منشورات مستخدميه، من أجل التحقق من وجود علامات على الميل نحو إيذاء النفس.

تعتمد خوارزميات تعلم الآلة في الوقت الراهن على البيانات التي يكتبها المرضى عند دخولهم المستشفى للتنبؤ باحتمال انتحارهم من عدمه، لكن والش يدرك أن عديدًا من الأشخاص المعرضين لخطر الانتحار لا يقضون وقتًا في المستشفيات، فيقول: «نقضي معظم حياتنا خارج أماكن الرعاية الصحية، لذا فإن اعتمادنا على البيانات الموجودة في هذه الأماكن فقط لن يمكِّننا سوى من تحقيق جزء صغير من العمل».

ما الأماكن الأخرى التي يمكن للباحثين الحصول على البيانات منها إذن؟ أحد الخياراتِ الواعدة بحسب المقال هو الإنترنت. يوضح والش أن الناس تقضي الكثير من الوقت في استخدام فيسبوك وتويتر، إلى الدرجة التي يمكن معها استخراج بيانات من وسائل التواصل الاجتماعي تسمح بالتنبؤ بخطر الانتحار:  «لكننا بحاجة إلى تجربة الأمر لمعرفة ما إذا كان صحيحًا حقًّا».

قد يهمك أيضًا: 7 حوادث اختار فيها البشر الانتحار جماعيًّا

أعلن فيسبوك في وقت سابق أنه كان يستخدم ذكاءه الصناعي لمراجعة منشورات مستخدميه من أجل التحقق من وجود علامات على الميل لإيذاء النفس، وتشير التقارير إلى أن نتائج هذه العملية كانت أكثر دقةً من التقارير التي تلقاها فيسبوك نتيجة وصف الناس لأصدقائهم أنهم يواجهون خطر إيذاء أنفسهم.

إن تدريب الآلات على تحديد العلامات التحذيرية للانتحار أمر أبعد ما يكون عن البساطة، بحسب الكاتب، ويعتقد والش أن إزالة الوصمة المتعلقة بالانتحار ضروري من أجل نجاح مشروع التنبؤ والتدخل الذي يسعى لإنجازه، مضيفًا: «لن نتمكن من مساعدة الآخرين ما لم نكن مستعدين للحديث عن الانتحار بارتياح». لكن مع تسبُّب الانتحار في أكثر من ثلاثة أرباع مليون حالة وفاة سنويًّا في مختلف أنحاء العالم، فإنه يصبح قضية صحة عامة لا يمكن تجاهلها.

وكما يلفت الكاتب انتباهنا، فإن البشر سيئون عمومًا في التنبؤ بخطر الانتحار، لذا ربما يوفر تعلم الآلة حلًّا مناسبًا وفعالًا.