الملعب

عمرو وردة: الصغير ابن النادي، الذي فاتني الرهان عليه

تصوير: محمد الحديدي

13 نوفمبر 2016، مباراة مصر وغانا في تصفيات كأس العالم 2018.

في تلك الفترة، ولأسباب كثيرة منطقية ومعروفة، ولا داعي للتطرق إليها، كنت بعيدًا كل البعد عن كل ما يتعلق بالكرة المصرية، وخصوصًا المنتخب. كنت أعلم أنها المباراة الثانية للمنتخب في مشوار تصفيات كأس العالم، وأننا فزنا بالمباراة الأولى على الكونغو خارج أرضنا، وكنت أعلم أيضًا أننا سنفشل في الصعود كما فشلنا على مدار الـ28 عامًا السابقين.

يومها كنت في المكتب مع صديقي العزيز محمد المصري، نضع الرتوش الأخيرة لفيلمه القصير الأول. سألني مصري المتشبث دومًا بالأمل: هل سأشاهد المباراة؟ فاقترحت أن نشاهدها في المكتب عبر أي رابط يبث المباراة على الإنترنت، وقلت له إن الموضوع «مش مستاهل نتحرك، ونسيب المكتب، واحنا عندنا شغل، وكدا كدا دي غانا، وهنخسر».

بالفعل وصلنا إلى رابط على الإنترنت، وجلسنا نتابع المباراة. وفي ذلك الوقت لم أكن ملمًّا بالقوام الرئيسي للمنتخب، ولم أشاهد مبارة واحدة له منذ ثلاث سنوات، تحديدًا منذ 15 أكتوبر 2013، بعد فضيحة مباراة غانا نفسها التي نواجهها اليوم مرة أخرى في التصفيات.

تابعت المباراة، ومع الوقت بدأت أتورط عاطفيًّا معها. لم نكن جيدين، لكن كنا متماسكين في الملعب، وشعرنا جميعًا بأنه «ممكن والله نعملها».

قبل نهاية الشوط الأول حصلنا على ركلة جزاء أحرزها صلاح، ثم بدأ الشوط الثاني بضغط ومحاولات من غانا حتى أحرز عبد الله السعيد هدف ضمان الفوز في الدقيقة 85. بعدها بثلاث دقائق، أجرى «هيكتور كوبر» تبديلًا لكسب بعض الدقائق، فسحب محمود تريزيغيه، ودفع بعمرو وردة.

أسمع الاسم، وأراه يقفز على الخط، فأُدهَش تمامًا، وأتوقف للحظات محاولًا استيعاب ما يحدث. أنا أعرف الاسم جيدًا، والشكل أيضًا هو هو. كبر بعض سنوات، لكنه هو.

تنتهي المباراة وقد تورطتُ تمامًا في الأمر، واحتفلت مع مصري صديقي بالفوز، وجلست أنا وهو نحكي لنرمين، صديقتنا وشريكتي في العمل، عن ما يحدث، وأهمية الفوز، وأننا حصدنا ست نقاط من ست نقاط، وأن هذه هي غانا التي فازت علينا بستة أهداف منذ ثلاث سنوات، والآن نهزمها، وهناك أمل.

لم تكن لتدخل ملعب «عبد العزيز فهمي» للكرة الخماسية في نادي سبورتينغ دون أن تجد وردة الصغير هناك بنسبة 90%.

انتهى اليوم وقد تجدد داخلي الأمل اللعين، وحين عدت إلى المنزل بدأت أبحث لأعرف أكثر عن مجموعتنا والمباريات القادمة، وبالطبع تشكيل المنتخب. أرسلت إلى أخي أسئله عن عمرو وردة، فعمرو كان زميلًا لأخي الصغير في فريق كرة القدم بنادي سبورتينغ السكندري، وسمعت بعدها أنه انتقل إلى الأهلي، ثم أعير إلى الاتحاد. وتصورت أن رحلته انتهت هنا، فأكد لي يوسف أخي أن وردة احترف في اليونان، وأن كوبر يضمه إلى المنتخب منذ أن تولى المسؤولية.

سعدت لابن النادي الذي تربيت وأمضيت مراهقتي وطفولتي فيه، وللولد الصغير الذي شاهدته يكبر أمامي. كنا نسميه «وردة الصغير» لأنه ابن مدحت وردة، كابتن منتخب مصر لكرة السلة، وكان من أشهر أطفال النادي.

في بداية الألفية الثانية، لم تكن لتدخل ملعب «عبد العزيز فهمي» للكرة الخماسية في نادي سبورتينغ دون أن تجد وردة الصغير هناك بنسبة 90%. إذا لم يكن لديه تمرين، فهو هناك، منذ الصباح، ومعه الكرة ينتظر فريقًا غير مكتمل، فيكمله، أو لاعبًا متعَبًا أو مصابًا، فيحل محله، أو إذا قررت مجموعة أن تلعب بستة لاعبين بدلًا من خمسة في الفريق. وإذا لم يحدث كل هذا، فستجده جالسًا منتظرًا فرصة للعب.

نفس الملعب كان يستضيف الدورة الرمضانية، وكان وردة يشارك مع كل مراحلها العمرية.

الولد كان مشهورًا بسبب شغفه الشديد، وجلسته المستمرة في ملاعب الكرة في النادي طول اليوم، وكان حدثًا سعيدًا جدًّا أن يختفي فجأة، ويُقال إنه انتقل إلى القاهرة كي يلعب في الأهلي، ثم أجده فجأة أمامي على الخط يمارس الإحماء في مباراة للمنتخب في تصفيات كأس العالم.

بعدها بشهرين كانت بطولة كأس الأمم الإفريقية التي تأهلنا إليها بعد فشل ثلاث دورات متتالية.

وقتها كنت بدأت من جديد أركز وأتابع، وكان وردة في القائمة النهائية المتجهة إلى الغابون. ظل وردة بديلًا طول البطولة، ولم أرَ منه شيئًا كبيرًا، لكن كان هناك ذلك الشعور دومًا بأن لديه شيئًا ما ليقدمه، وأنه «بيموِّت نفسه». خلال البطولة شاهدت وردة يكتسب الثقة، ويطمئن، ويُثبِّت قدميه في الملعب، حتى مباراة قبل النهائي أمام بوركينا فاسو، حين سدد ضربة الترجيح الأخيرة اللي أوصلتنا إلى النهائي. في النهائي لعب عمرو أساسيًّا لأول مرة، وقدم مستوى جيدًا جدًّا. لم يقدم ذلك الشيء الخارق بعد، لكن هذا كان حال الفريق كله عمومًا عدا صلاح.

حتى المباراة النهائية قدم وردة أداء معقولًا، لكن جزءًا كبيرًا من حبي له كان مبنيًّا على فكرة «العَشَم»، أن ابن النادي الذي شاهدته يكبر أمامي يقدم شيئًا للمنتخب. بعد النهائي تغير الموضوع، وبدأت أصدق فعلًا أن الولد «عنده حاجة»، ومشروع لاعب كبير. عقب الخسارة أمام الكاميرون تعامل وردة كلاعب كبير ومسؤول، كابتن الفريق عصام الحضري كان يبكي، ولم يقدر على الحديث، وعمرو وقف بعينين دامعتين، وتكلم، واعتذر للجمهور.

عمرو وردة يعتذر للجمهور عقب الخسارة أمام الكاميرون في كأس أمم أفريقيا

بعدها أرسلت بريدًا إلكترونيًّا إلى محمد المصري أشكر فيه في وردة، وأرفقت به مقطع الفيديو السابق، وختمت بالمقطع التالي:

«بعد ما شفته قررت أكتب لك وأشاركك الإحساس اللي جالي ان الواد دا حيشيلنا كتير في المستقبل، عشان هو بني آدم بس، مش خرونج، ومش طري إطلاقًا. الواد دا هو الوحيد اللي عمل لقاءات بعد الماتش، ومسك نفسه، ومعيَّطش، في حين إن كابتن المنتخب كان بيعيط فشخ، ولاعب بحجم صلاح كان سلبي تمامًا بعدها. مش قصدي أهاجم حد خالص، بس قصدي أشكر فيه إنه كان واقف على رجله كدا، وعارف يتكلم، وفي نفس الوقت كلامه شايل لحظة كسرة الهزيمة: محدش يزعل مننا.

بجانب الحكاية القديمة اللي حكيتها لك عنه، وبجانب إني شفته بيكبر حرفيًّا، بس هو فعلًا راجل، وواقف، وبيتخانق في الملعب، وبيكارك مع لعيبة قدُّه مرتين، وبيتطور في بطولة 6 ماتشات، وفي نفس الوقت هو مصدق في نفسه وجعان، ودا كويس جدًّا جدًّا.

أتمنى فعلًا الواد دا يبقى رهان كسبان السنين اللي جاية».

فتحت البريد الإلكتروني لأجد عبارة: «أتمني فعلًا الواد دا يبقى رهان كسبان السنين اللي جاية»، وتأكدت أني سأراهن على وردة الصغير في كأس العالم.

سنة ونصف بعد تلك الواقعة، وقبل يوم من بداية كأس العالم، الصديق العزيز بسام مرتضى يعرض عليَّ فكرة أن أكتب لـ«منشور» عن اللاعب الذي أراهن عليه في كأس العالم. أعجبتني الفكرة، وفكرت كتيرًا: فكرت في «إنييستا» وكأس العالم الأخير، «بانيغا» والأرجنتين وقصة طويلة من الإحباط، وفكرت حتى في «خيميس رودريغز» أو «دي بروين» كرهانات قوية، ولديها احتمالات فوز.

ثم تذكرت فجأة، في هوجة اجترار ذكريات كأس العالم، أني سبق أن صورت تجمعًا كبيرًا جدًّا في نادي سبورتينغ، يوم 14 نوفمبر 2009، لمتابعة مباراة مصر والجزائر الشهيرة التي انتهت 2-0. تذكرت أني صوَّرت وردة الصغير، وهو في السابعة عشرة، وقد دهن جسمه كله بعلم مصر، ووقف عاري الصدر يشجع المنتخب من النادي كأي مشجع مخلص.

تصوير: محمد الحديدي

أحسست أنها إشارة، ففتحت البريد الإلكتروني الذي أرسلته إلى مصري لأجد عبارة: «أتمني فعلًا الواد دا يبقى رهان كسبان السنين اللي جاية»، وتأكدت ساعتها أني كمشجع سأراهن على وردة الصغير في كأس العالم.

الوقت كان ضيقًا جدًّا قبل مباراة أوروغواي، ولم يكن متاحًا لي أن أكتب قبلها. لكن بعد المباراة فكرت في أنني شهدت هذا الولد، وعمره ثمانية أعوام، يلعب الكرة مع شباب ضِعفَي حجمه، لا يهتز، ولا يحب الخسارة. ثم شهدته مراهقًا يدهن جسده بعلم مصر، ويصرخ في أذني حين أضاع بركات الكرة في آخر دقيقة. ثم، اليوم، أجدني جالسًا على أريكة أتابع أول مباراة لمصر في كأس العالم منذ 28 عامًا، وأشهد «وردة الصغير» كبيرًا، ويلعب أساسيًّا، ويؤدي مباراة جيدة جدًّا، وأحسست بأنه لا بد من توثيق كل هذا.

بدأت أكتب المقال، لكن لم يسعفني الوقت قبل مباراة روسيا للأسف، وبعد المباراة، فقد كل شيء معناه، وشعرت بأنني لست قادرًا على الكتابة أو التواصل في ظل كل «العك» الذي يحدث مع البعثة والفريق.

حاولت لأيام أن أبتعد عن كل الأخبار المؤسفة عن البعثة التي ترِد من روسيا، والتي تشبه بلدنا الحزين البائس، والتي تذكرني بكل شيء كانت الكرة تأخذني بعيدًا عنه، وأوله لعنة أن تكون مصريًّا. نسيت المقال، وتابعت المباراة الأخيرة في المجموعة مع السعودية، وشهدت الهزيمة الحزينة والخروج المهين، ورأيت كم أن منتخبنا مكونٌ من مجموعة من «الأندال عديمي الإحساس بالمسؤولية»، إلا عددًا من اللاعبين لا يتجاوز أصابع اليد، وأولهم في رأيي وردة، الذي أدرك على الأقل أنه «بيلعب كاس عالم».

شعرت بأن وردة الصغير كان رهانًا فائزًا حتى لو خسر الفريق كله، لكنه على الأقل لم يخذلني، وكان على قدر المسؤولية.

خلال مشاهدتي مقاطع الفيديو المصورة في روسيا، وقراءة شهادات الجماهير التي سافرت، لاحظت إجماعًا على أن لاعبي المنتخب لم يذهبوا لتحية الجمهور المصري في المدرجات بعد انتهاء المباريات، سوى وردة ورمضان صبحي، وصلاح في مباراة روسيا، أما باقي اللاعبين، فكانوا يغادرون مباشرةً بعد انتهاء اللقاء، دون التفكير في تحية الناس الذين قطعوا آلاف الكيلومترات كي يشجعوهم في كأس العالم. كذلك، بعد لقاء السعودية المهين كان وردة الوحيد الذي يبكي، ويبدو عليه حزن حقيقي.

كل دا ذكرني مجددًا بوقفة وردة بعد نهائي إفريقيا، وثباته ودموعه المحبوسة، ذكرني بـ«وردة الصغير»، صاحب الجسد المدهون بألوان العَلَم منذ تسع سنوات، ذكرني بأن وردة في المقام الأول مشجع ومحب و«كَوِّير» بجد، وبالتالي قادر على الإحساس بحجم الحدث، وبأنه يلعب في كأس العالم، وعليه أن يمنح كل ما لديه فنيًّا وبدنيًّا. هو كذلك قادر على الشعور بحجم الهزيمة والمأساة، فيذهب كي يحيي الجماهير، ويعتذر لهم، لا كما فعل لاعب مثل محمد النني، الذي يداوم منذ عودته من المونديال على نشر صور له من المباريات، وكأنه فخور بأداء قبيح جدًّا قدمه هو بشكل خاص، والمنتخب بشكل عام.

وقتها شعرت بأن وردة الصغير كان رهانًا فائزًا حتى لو خسر الفريق كله، لكنه على الأقل لم يخذلني، وكان على قدر المسؤولية. قررت العودة إلى تعديل المقال بما يتناسب مع الوضع الجديد، ومحاولة نشره حبًّا في اللاعب الصغير، والمشجع الذي تحول إلى لاعب محترف، ولعب في كأس العالم مع منتخب بلده، رغم كل ما أحاط تجربة المنتخب من أسئلة وسوء مستوى.

تصوير: محمد الحديدي
, , , , , ,