ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية؟

التنوير المستحيل: كيف أخفق اليسار في تناول العنف الإسلامي؟

تنظيم داعش ينفذ حكم الإعدام في خمسة أشخاص بتهمة الجاسوسية - الصورة: وكالة «أعماق»

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر سبتمبر حول «ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


في ما يشبه محكمة تفتيش، أجرى الصحفي البريطاني مهدي حسن حوارًا قصيرًا مع الفيلسوف اليساري الشهير «سلافوي جيجك»، مُسِائلًا موقفه من «أزمة اللاجئين في أوروبا»، بمناسبة إصدار جيجك كتابه الأخير، الذي جاء لتفصيل رأيه في المسألة، بعد أن عرضه مختصرًا في مجموعة من مقالات الصحف.

كان محور هجوم حسن اتهام جيجك بترويج خطاب يميني متطرف، بسبب ما فهمه من حديث المفكر السلوفيني عن سياسات للحماية وصدام للحضارات، ولم يكن الاتهام جديدًا، إذ أصبحت مجموعة من تصريحات جيجك الأخيرة، مرة بشأن اللاجئين ومرة بشأن تأييد ترامب، موضوعًا لتوجيه الاتهام نفسه.

تُطلعنا نظرة سريعة على نصوص جيجك المقصودة على أسباب واضحة لجعل الاتهامات ممكنة، فهو يتحدث بلسان «أوروبا» أو «الغرب» في مقابل العالم، ويشدد على حماية «أسلوب الحياة الأوروبي» من هجوم اللاجئين الذين تتناقض قيمهم مع القيم الغربية، ويدعو إلى إسناد دور أكبر للجيش في تنظيم دخول اللاجئين، ويسمي الوضع «حالة طوارئ»، ويطالب بحد الحق في حرية الحركة، ويقدم لهذا كله بضرورة تجاوز مجموعة من «تابوهات اليسار». كل هذا يجعل التأويل اليميني لنص جيجك مُلحًّا، لا ممكنًا فحسب.

لكن بدل التمترس بالمقولات التقليدية، لليمين أو اليسار، ومن ثَمَّ الوقوع في مأزق ضرورة الدفاع عن جيجك أو التعاطف مع نُقَّاده، نسعى هنا إلى إلقاء نظرة أعمق على الأزمة، خصوصًا أن مسألة اللاجئين ليست موضوعنا الرئيسي، وإنما إلحاح التأويل اليميني السابق ذكره.

يصبح سؤالنا المبدئي إذًا: هل يمثل جيجك حالة شاذة لمفكر تنصَّل من جذوره اليسارية؟ أم أن هذا التحول إلى مقولات تتماهى، بدرجة أو أخرى، مع أفكار اليمين، يكشف فقط عن ثغرة في خطاب اليسار نفسه، تمثل طريقًا مختصرًا إلى الخطاب «النقيض»، وسهَّلت أزمة اللاجئين على جيجك قطع هذا الطريق المُختصَر؟

يحيلنا الحديث عن أزمة اللاجئين ضرورةً إلى كل المخاوف المرتبطة بها في أوروبا، وإن كانت بعض هذه المخاوف تتعلق بالثقافات المغايرة عمومًا وعدم تجانسها المُفترَض مع الثقافة الغربية، فكثير منها متعلق بالإسلام تحديدًا. وبغض النظر عن موقفنا من وجود سمات عامة للإسلام، باعتباره دينًا أو ثقافة، تُناقض ثقافة غربية أو لا تُناقضها، يعنينا خصوصًا أن التيارات الجهادية الإسلامية تزدهر في أي سياق صدامي، إذ يغذي هذا رؤيتها للعالم كحرب بينها وبين «الكفار».

لذا، لا يُفهم الحديث عن «صدام الحضارات» هنا باعتباره مجرد مقولة يمينية، وإنما باعتباره كذلك مقولة مغذية للعنف الإسلامي الذي يملك نسخته الخاصة من الفكرة، وإن كانت أقل تعدديةً وأكثر تجريدًا، وهي الفكرة القائلة بتاريخ يُعبر عن الصدام المستمر بين الإسلام والجاهلية. يُسهم «صدام الحضارات»، بتطابقه النسبي مع هذه الفكرة، في التغذية المشتركة لكلٍّ من اليمين الشعبوي والجهادية الإسلامية، وهما تياران يتشاركان قسمًا كبيرًا من رؤية العالم، وإن اتخذا جبهات مضادة.

يهدف المقال الحالي إذًا إلى تجاوز عدة أسئلة: تجاوز السؤال عن تحول جيجك المزعوم إلى السؤال عن حدود اليسار، وتجاوز هذا بدوره إلى السؤال عن مقولات اليمين الشعبوي التي يمكن القفز إليها بسهولة من أرضية يسارية، ثم تجاوز هذا للسؤال عن دور محتمل لليسار في تعزيز الجهادية الإسلامية، لا بفضل تسامحه مع المهاجرين ودعمه سياسات الحمائم كما يُتَّهم من قِبل خصومه التقليديين، وإنما بمعنًى أبعد، أي بفضل مشاركته غير المباشرة في تعزيز جانب من المنطلقات النظرية للعنف الإسلامي.

رِدَّة اليسار: دراسة حالة

الصورة: Olivier Ortelpa

في فبراير 2015، ومباشرةً عقب أحداث «تشارلي إبدو» وهجمات كوبنهاغن، كتب الصحفي والباحث البريطاني في شؤون الشرق الأوسط «كريستوفر دو بوليغ» مقالًا للغارديان يدعو فيه إلى التوقف عن المطالبة بـ«تنوير إسلامي». فوفقًا لدو بوليغ، لا توجد صيغة واحدة للحداثة، وكل من يتوقع من المسلمين الهرولة للحاق بحداثة أوروبية تنتظره في نقطة مستقبلية يخطئ فهم الحداثة والمسلمين والتاريخ، إذ أن الأولى ليست نموذجًا ثابتًا، وقد أنتج المسلمون صيغهم الخاصة منها فعلًا منذ فترة طويلة، وليس التاريخ خطيًّا أو منتظمًا لكي يقبل التكرار بهذه الطريقة الساذجة.

هذه كلها حجج يسارية تقليدية: حداثات متعددة، وتاريخ دون نموذج، ونقد للمركزية الأوروبية في تصورها للحداثة والتنوير. لكن بعض الفقرات في مقال دو بوليغ تكشف الجانب الآخر لهذه التصورات، أي التوتر الذي تنتجه، فهو يقول مثلًا إن كثيرًا من المسلمين «استطاعوا مساومة الحداثة بنجاح، فازدهروا دون أن نلحظهم، لكن بعضهم الآخر، مثل القتلة في باريس وكوبنهاغن، أخفقوا تمامًا».

كيف يمكن للمرء أن يُخفق في إنتاج صيغته الخاصة لحداثة لا نموذج لها؟ بغض النظر عن أن هذه الفقرة تنقض حجة دو بوليغ كلها، إذ يمكن للمطالبين بالتنوير الإسلامي أن يعيدوا صياغة دعواهم ببساطة، ليطالبوا المسلمين بـ«إخفاقات أقل»، تمثل ثنائية «النجاح» و«الفشل» في مساومة الحداثة عودة ناعمة للنموذج، ومن ثمَّ ارتدادًا عن الإرث بعد الكولونيالي لليسار، إذ يصبح إزعاج أوروبا والصدام مع قيمها الأساسية «فشلًا» في مساومة الحداثة، على العكس من نجاح كل هؤلاء الذين ازدهروا «دون أن نلحظهم».

في فقرة أخرى لافتة، يقول دو بوليغ إن تجربة الحداثة الإسلامية أُعيقت بعنف نتيجة التدخلات الإمبريالية. فمع الحملة الفرنسية، والاحتلال البريطاني لمصر، واتفاقية سايكس بيكو، وتأسيس إسرائيل، وإقحام المنطقة في الحرب الباردة، يصبح «من التفاؤل أن نتوقع مرور إعادة ترتيب المجتمعات والثقافات هذا دون أي منغصات».

في هذه الفقرة، يضعنا دو بوليغ أمام ثنائية تقليدية أخرى، فهناك التطور «العضوي» للمجتمع الإسلامي، وهناك منغصات أو عقبات ذات أصل خارجي، وهي من ثَمَّ عرَضيَّة بالقياس إلى ما هو جوهري في التاريخ الإسلامي، أي تطوره «الطبيعي» من الداخل.

ليست هذه نظرية كلاسيكية فحسب، لكنها تحيل كذلك إلى منطق سيئ السمعة، مع أن دو بوليغ لن يذهب إلى هذا الحد بالطبع، لكن ما هو عرضي في التاريخ، ومعيق لحركته «الطبيعية»، ينبغي «كشطه» ببساطة، حتى يظهر الجوهر التاريخي المختبئ تحته، والمُعاق بسببه.

كانت هذه الفكرة موضوعًا لملحوظة مبكرة سجلها «ماكس هوركايمر»، أحد مؤسسي «مدرسة فرانكفورت» في النقد الاجتماعي الماركسي، بشأن فلسفة «هيغل»، قمَّة الفلسفة المثالية الألمانية. فبحسب هوركايمر، يميز هيغل «الحدث العرَضي عن الحدث الضروري، ويفرز الوقائع، معتبرًا بعضها حقيقيًّا وماهويًّا، ليعارضه بالوجود (المنحط)»، أي الوجود المنحط نفسه الذي يمكن اعتباره عرَضيًّا، وردِّه إلى أسباب خارجية، الذي يُمثِّله العنف الإسلامي في مقال دو بوليغ، إذ أن استخدام الأخير تعبير «منغِّص» (Hitch)، يدل بالضرورة على وجود منحط، وخفيف، ومؤقت، كأي وجود عرَضي، في مقابل المسيرة التلقائية للمجتمع الإسلامي، التي تشكل «ماهية» تاريخه.

شكلت الماهوية الثقافية احتمالًا سهلًا ليسار الثلث الأخير من القرن العشرين، بسبب منطلقاته النظرية بالذات.

هناك طرافة مؤكدة في أن نجد هيغل، بكل ما يُحيل إليه من قيم مضادة تمامًا لمشروع ما بعد الحداثة كله، يُطل برأسه من مقال للغارديان كُتب عام 2015، لكن الفارق الأساسي بين هيغل والرأي المعروض في مقال دو بوليغ مع ذلك لا يعدو كون التاريخ الهيغلي عالميًّا وشاملًا، ويبتلع تناقضاته تدريجيًّا، أما هنا فلدينا ماهية «مُلوَّثة» بتدخل خارجي، من قِبل ماهية أخرى بالطبع.

حجتنا الرئيسية هي أن الانزلاق إلى ماهوية ثقافية، أي الاعتقاد في ماهيات ثابتة ومنعزلة للجماعات البشرية وأنساقها الثقافية والقيمية وتواريخها، لم تطرأ على الخطاب اليساري في اكتشاف جيجك المفاجئ لأوروبا المهددة، أو في رأي دو بوليغ الذي يحيل بطريقة غير مباشرة إلى «تلوث ثقافي» للإسلام، وليست هذه الماهوية كذلك إفراطًا من جانبنا في التأويل، وسيظهر هذا بمزيد من الوضوح في الفقرات التالية.

شكلت الماهوية الثقافية احتمالًا متاحًا وسهلًا ليسار الثلث الأخير من القرن العشرين، أو يسار ما بعد الكولونيالية، بسبب منطلقاته النظرية بالذات. ومع أنه لن يُعلِن أبدًا اعتقاده فيها بأسلوب مباشر، فإنه أسهم في الحفاظ على أساسها النظري بطرق ملتوية.

خصوصيٌ مفرط في خصوصيته: الباب الخلفي للماهوية الثقافية

الصورة: John Vachon

«العالم يبدو مختلفًا إذا بدأنا بالتفكير فيه من داخل حياتنا».

تشترك التيارات النظرية التي نجمعها عادةً تحت العنوان الواسع لـ«ما بعد الحداثة» في مجموعة من التوجهات النظرية العامة، ولغرضنا الحالي يمكن الإشارة أولًا إلى توجه بدأ في نظرية المعرفة داخل الدراسات النِّسوية، وشكل بعد ذلك جزءًا من المسلمات العامة لليسار بعد الكولونيالي عمومًا، وهو «نظرية المنظور» (Standpoint theory).

تهدف نظرية المنظور إلى التشديد على دور «الموقف الاجتماعي» في إنتاج معرفته النوعية، وباعتباره في الأصل مشروعًا نِسويًّا، بدأ بالتشديد على أن أفضل أنواع البحث النِّسوي يجب أن ينطلق «من داخل حيوات النساء»، بتعبير «ساندرا هاردنغ»، أحد كبار مفكري النِّسوية والفكر بعد الكولونيالي في مجال نظرية المعرفة وفلسفة العلوم، التي تلحظ كذلك أن الأفكار الأساسية للنظرية «طُوِّرت في كثير من مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية، لكن يبدو أنها تشكل، إضافةً إلى ذلك، فلسفة عضوية للمعرفة والعلوم والاجتماع ومناهج البحث، وتظهر في جميع الحركات الاجتماعية الديمقراطية تقريبًا، سواء سمت النظرية باسمها أو لا».

«وهي فلسفة ذات طبيعة عضوية، بمعنى أن الفئات المُهمَّشة، عندما يُتاح لها الظهور على مسرح التاريخ، ستقول أشياءً من قبيل أن العالم يبدو مختلفًا إذا بدأنا بالتفكير فيه من داخل حياتنا». تطور المشروع المعرفي سريعًا إلى مشروع ذي طابع سياسي، وإذا كانت غاياته الأولى تتعلق بالوصول إلى «أفضل أنواع البحث النِّسوي» بالنظر من داخل حيوات النساء، فإنه ينتهي إلى أن «هناك، ولا بد من أن يكون هناك، تقاليد وممارسات علمية متعددة، يتجاوب كل منها مع الحاجات والرغبات والسياقات الاجتماعية والثقافية المحلية».

يمكن القول إن اشتباك المعرفي والسياسي الذي يشكل جزءًا جوهريًّا من إرث اليسار في القرن العشرين قد أنتج توترًا ملحوظًا بين نزعة معرفية شاملة، لم تتخلَّ تمامًا عن إرثها التنويري، مُمثَّلةً بوضوح في اعتقاد الماركسية الكلاسيكية أنها «أيديولوجيا البروليتاريا» والعلم الاجتماعي الموضوعي الوحيد في الآن نفسه، وبين نزعة «تجزيئية» وتعددية ترى في كل صور العلم الشامل مشروعًا متسلطًا للهيمنة، ويمكن العودة بجذور هذه النزعة إلى «نيتشه».

استمر النزوع الشامل في الوجود خصوصًا في المباحث الأكثر فلسفية، ففي تحليلها لـ«إبستمولوجيا الخزانة» مثلًا، وهي دراسة لموقع المثلية الجنسية في النسق المعرفي للثقافة الغربية، تفتتح «إيف سيدجويك» بحثها بالإشارة إلى أن «الثقافة الغربية كلها مُهيكلة، ومكسورة، حول أزمة مزمنة ومتفشية في تعريف (مغاير الجنس) و(مثلي الجنس)»، و«أي فهم للثقافة الغربية الحديثة لن يكون ناقصًا فحسب، بل سيكون فاسدًا في جوهره بقدر ما ينأى عن التحليل النقدي للتمييز بين المغاير والمثلي».

طموح سيدجويك هنا إكمال فهم ناقص بتفكيك ثنائية «مركز» و«هامش» ينتهي إلى إبراز صوت الآخَر وإنتاج معرفة أقل تناقضًا (وانكسارًا)، بالضبط مثل «أفضل أنواع البحث النسوي» الذي تشير إليه هاردنغ، ويختلف هذا عن هدف هاردنغ الثاني، والمُناقض للأول، في أن تبني معرفة «من الداخل» لتُقام بمقابلة الخطاب المعرفي المهيمن، وفي وجهه، بهدف معارضته، لا حل تناقضاته.

مثلت هذه المعرفة «من الداخل» و«من الأسفل» مشروع التيارات الأكاديمية اليسارية في مجالات الدراسات الثقافية ودراسات المناطق (Area studies)، التي طوَّرت نزوعًا «عزليًّا» للتشديد على الخصوصية الثقافية للمجتمعات التي تدرسها، فلا ينتهي التفتيش عن صوت الآخر هنا إلى إكمال أي تصور كُلي، وإنما إلى تأكيد قطيعة وتمايز وعُزلة كاملين.

تظهر هذه العُزلة واضحة في حديث «هومي بابا»، أحد أهم المؤسسين للنظرية بعد الكولونيالية، عن «الاغتراب بين الأسطورة التحويلية (Transformational myth) عن الثقافة باعتبارها لغة للكلية والتعميم الاجتماعي، وبين وظيفتها كمجاز (Tropic function)، باعتبارها (ترجمة) وإعادة ترجمة لمستويات من الحياة والمعنى غير قابلة للمقايسة (Incommensurable)».

في تقويس بابا لكلمة «ترجمة»، واستخدامه تعبير «غير قابل للمقايسة»، يتضح التصور بعد الكولونيالي للثقافة باعتبارها كائنًا مغلقًا على ذاته وغير قابل للاختراق أو التمثيل، ولا قادر على الاختراق أو التمثيل، وهو تصور ماهوي بهذا المعنى بالذات، أن الماهية الثقافية توجد معزولة ومغلقة بالنسبة إلى ما يغايرها، حتى لو أظهر تاريخها الخاص تطورًا وانقطاعات داخلية، وهي تظل موضوعًا للقراءة وإعادة القراءة من خارجها، فيما تنتج هي قراءاتها وإعادات قراءاتها الخاصة لهذا الخارج، ولقراءاته، فلا يمكن «مقايسة» أي من هذه القراءات وفق معيار مشترك.

لكن الماهوية موقف مرفوض بوضوح وحسم بين يساريي الثلث الأخير من القرن العشرين مع ذلك، وواقع الأمر أن عدم إمكان المقايسة يقبل التأويل الماهوي فعلًا، لكنه يقبل كذلك تأويلًا جذريًّا في الاتجاه العكسي، أي في اتجاه لا-ماهوية مطلقة تبقى وفية لإرثها بعد البنيوي، لكن اللا-ماهوية المطلقة موقف عدمي وغير ممكن سياسيًّا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نحن لا ندَّعي على أي حال أن اليسار بعد الكولونيالي يقول بماهوية ثقافية، وإنما أنه يؤسس لها فحسب.

يُصبح هذا الاختلاف جليًّا بالذات عند النظر في «الماهوية الاستراتيجية» التي اقترحتها واحدة أخرى من أقطاب النظرية بعد الكولونيالية، أي «غياتري سبيفاك»، فهي ماهوية «استراتيجية» فقط لأن الماهوية مرفوضة مبدئيًّا، لكن كذلك لأن نقيضها مستحيل. تقول سبيفاك: «لا أستطيع نفض يدي ببساطة والقول: (أنا أعتقد في الخصوصية)، بل عليَّ في الواقع أن أقول إنني ماهوية من آن لآخر». تعمل «الاستراتيجية» هنا على حل التناقض بين رفض الماهوية وبين وجودها السهل في المُتناول كمقولة ممكنة، ما يحوِّلها بالضبط إلى تكتيك جيد، فهي ليست واقعًا، وإنما لعبة سياسية.

يكشف هذا التسييس وجهًا آخر للمسألة كذلك، أي كونها «ماهوية ثقافية» بالتحديد، فليست الماهوية المقصودة هنا مبدأً ميتافيزيقيًا عامًّا وبريئًا يقول إنه «ثَمَّة ماهيات في العالم»، لكن سبيفاك تقصد تحديدًا الماهيات المتورطة سياسيًّا، والنتيجة المباشرة لهذا المنطق أن نوعًا من التفكير الماهوي أصبح لصيقًا بحركات النشاط السياسي والاجتماعي ذات التوجه اليساري في الثلث الأخير من القرن العشرين، وهذه بالضبط هي الظاهرة المعاصرة التي أصبحنا نسميها «سياسات الهوية».

نهاية العِرق وسياسة الهوية

الصورة: Anthony Crider

سياسات الهوية هي النشاط السياسي الهادف لتحقيق مصالح مجموعات «هوياتية» بعينها، مثل السود أو المثليين أو النساء، لا باعتبارهم يندرجون تحت هويات جامعة حقيقية بالضرورة، وإنما ربما باعتبارهم كذلك «استراتيجيًّا» فحسب، بسبب خصوصية ثقافية أو أهداف سياسية مشتركة.

لكن الفعل السياسي انطلاقًا من الاعتقاد في هوية مشتركة ليس أمرًا جديدًا، وله تاريخيًّا سمعة شديدة السوء بسبب نشاط الاتجاهات الفاشية وحركات التفوق العِرقي، التي تمثل هي الأخرى نوعًا من سياسات هوية ازدهرت خصيصًا قبل الحرب العالمية الثانية، وبدأت تظهر على الساحة العالمية مجددًا في الآونة الأخيرة. ولا يعني هذا أن الحركات اليسارية والجذرية المعاصرة فاشية، فليس الأمر كذلك بالضرورة، لكن العلاقة بين هذين النوعين من «سياسات الهوية» ربما تستحق التأمل مع ذلك.

التاريخانية الراديكالية التي أنتجها اليسار، والمهووسة بالخصوصية الثقافية للمجتمعات، ربما لا تقل في انغلاقها عن الماهوية البيولوجية التقليدية للنازيين.

تجد سياسات الهوية اليمينية أساسها عادةً في النظرية العِرقية، التي تحيل الاختلافات المُدرَكة بين الجماعات البشرية إلى اختلافات بيولوجية، ثم تُؤصل «الاختلاف الثقافي» فيها، فتصبح الثقافة تابعة للبيولوجيا، ليشكل الاثنان مُركبًا ماهويًّا. الماهوية هنا مباشرة وطبيعية، والمشكلات النظرية المتعلقة بها تشبه المشكلات المتعلقة بتحديد فصائل الحيوانات المختلفة فحسب، إذا كانت الأعراق تطورت تدريجيًّا عن أصل واحد.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا مع التحولات الاجتماعية التي أنتجت الحركة الطلابية وحركة الحقوق المدنية في الستينيات، سيتحول العِرق إلى تابو، حتى على مستوى خطاب «العلوم البحتة».

بدأت العلوم في التنكر للعرق على استحياء في البداية، مثلما نقرأ في «بيان الخبراء بشأن مشكلات العرق»، الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1950، من أن العرق هو «جماعة تتسم ببعض التركيز في تواتر وانتشار جينات أو سمات فيزيقية معينة»، لكن تصنيف الأنثروبولوجي للأعراق لا يعني مع ذلك أنه «يصنف السمات الذهنية كجزء من تصنيفه لهذه الأعراق». ويقسم البيان البشر في النهاية إلى ثلاثة أعراق: مغول وزنوج وقوقاز.

لكن عندما تُصدر اليونسكو بيانًا آخر عن العرق عام 1967، ستذهب إلى أن «قسمة النوع البشري إلى أعراق أمر اصطلاحي من جهة واعتباطي من جهة أخرى، ولا يدل على أي تراتبية، ومع تشديد كثير من الأنثروبولوجيين على أهمية التنوع البشري، فإنهم يعتقدون أن التصنيف العرقي غير ذي فائدة علمية كبيرة، وربما يحمل تهديدًا بالإفراط في التعميم».

أخيرًا، عندما تنشر «الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية» وثيقتها الخاصة بشأن العرق عام 1998، ستؤكد بوضوح أنه لا يزيد عن كونه «أيديولوجيا بشأن الاختلافات البشرية» و«استراتيجية لتقسيم وتصنيف والتحكم بالشعوب المُستعمَرة»، وطَوال الفترة الواقعة بين الوثيقة الأولى والأخيرة، كان الانتصار يُكتب تدريجيًّا لاعتقاد مفاده أن العِرق ليس مفهومًا واقعيًّا أصلًا، وأنه لا يشير إلى أي شيء في العالم الحقيقي، ولا يُفهم إلا باعتباره جزءًا قبيحًا من تاريخنا الثقافي فحسب.

من المهم الإشارة هنا إلى أن «الوجه القبيح» المقصود للنظرية العرقية لا يتمثل في مجرد القول بانقسام البشر إلى أعراق، وإنما في الماهوية الثقافية والتصنيف التراتبي اللاحقين عليه، إذ أن الاختلافات العرقية ربما تؤول في النهاية إلى مجموعة من الاختلافات الشكلية العرَضيَّة التي لا يترتب عليها أي حكم قيَمي، وهو ما تستطيع الوثائق الثلاثة رؤيته والإشارة إليه، لكن بطول النصف الثاني من القرن العشرين، كان العِرق قد أصبح مثيرًا للفزع على أي حال لكي يُصبح من الأسهل التخلص منه تمامًا.

وبطول النصف الثاني من القرن العشرين كذلك، وفيما كان يجري دفن مفهوم العرق للتخلص من هذه الماهوية الثقافية بالذات، كان اليسار، بإنتاجه خطابًا يتيحها ويجعلها ممكنة، قائمًا على حمايتها وضمان استمرارها، إذ أن التاريخانية الراديكالية التي أنتجها، والتي تشدد على الخصوصية الثقافية للمجتمعات المفردة بدرجة تصل حد الهوس أحيانًا، ربما لا تقل في انغلاقها وانعزاليتها عن الماهوية البيولوجية التقليدية للنازيين.

هكذا، إذا كان اليمين الهوياتي روَّج في النصف الأول من القرن العشرين رؤية للعالم قوامها جماعات بشرية معزولة ومحبوسة داخل جيناتها، فقد آل اليسار في نهاية النصف الثاني من القرن العشرين إلى ترويج رؤية للعالم قوامها جماعات بشرية معزولة ومحبوسة داخل تواريخها، مع تشديد حاد على قيم التفهم والاحتواء، وإصرار على تجميد الاختلاف في الوقت نفسه، لأن أي محاولة لإذابته أو تمثيله ستُحيل ضرورةً إلى تنوير يحمل صبغة إمبريالية في مُخيِّلة اليسار، وحالت هذه الرؤية دون أي فهم حقيقي، بالمعنى السوسيولوجي، لظاهرة العنف الإسلامي.

لم تأتِ هيمنة الخطاب اليساري على الوسط الأكاديمي الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين إلا بثمن باهظ، هو احتواء هذا الخطاب على نقيضه اليميني في جوفه، كممكن حاضر وقريب دائمًا، ومن ثَمَّ، لم يكن صعبًا ولا غريبًا أن يتحول هذا الخطاب لحظة توحش الأزمة إلى تبني مقولات يصعب تمييزها عن مقولات «اليمين المتطرف»، كما ظهر بوضوح في تعامله المرتبك والمُربِك مع مسألة اللاجئين.

انتحار بعد كولونيالي: ماذا لو لم يرتد اليسار؟

تنظيم داعش يقطع رأس كاهن بتهمة ممارسة السحر - الصورة: وكالة «أعماق»

يمكن لليسار أن يستمر في التمسك بمقولاته، فلا يحيد عنها نحو خطاب يميني أو تنويري، لكن هذا سينتهي إلى نتائج عدمية تمامًا، وهو ما يمكن رؤيته بوضوح في مقال قصير لأستاذ الدراسات الإسلامية السويدي «ديفيد تورفييل» بعنوان «هل الإسلام السياسي (Islamism) صوت تابع؟». يبدأ تورفييل مقاله بالإشارة إلى تناقض لحظته سبيفاك في المشروع بعد الكولونيالي كله، وهو أن تمثيل الآخر بالحديث عنه يعني الإسهام في إسكاته.

يؤول هذا التناقض إلى دعوة للصمت المُطلق بشأن الآخر، لأن تمثيله مستحيل، ففي اللحظة التي «يمتلك المرء فيها منصة للحديث باسم المظلومين، فإنه لم يعد يمثلهم»، أي بسبب امتلاكه هذه المنصة بالذات، وهذا لأن «التابع» يحيا على هامش الخطاب، ولا يمكنه الحديث ببساطة لأن الحديث المسموع هو المؤثر في مركز الخطاب، وامتلاك القدرة على التأثير في مركز الخطاب يعني أنك لم تعد تابعًا، وإنما صرت جزءًا من هذا المركز، وهذا تناقض ثانٍ.

ينتهي تورفييل إلى نتيجة مفادها أن التابع لا يستطيع الحديث، وأن أي تمثيل للتابع في نطاق المركز إنما يكون إعادة إنتاج لعلاقة الهيمنة، ومن ثَمَّ لتبعية التابع، لأن تبعية التابع هي ببساطة عدم قدرته على الحديث، والحديث عنه هو امتداد لإمبريالية المركز، الذي يصيغ التابع في صورة موضوع متجانس للحديث عنه، ويمارس ضده بالتالي «عنفًا معرفيًّا» يؤدي إلى استمرار تبعيته، وهكذا تُغلق الدائرة بنتيجة عدمية تؤدي إلى تأبيد مركزية المركز وتبعية التابع، لأن أي محاولة لتحريكها لا تؤول إلا إلى إعادة إنتاجها.

هكذا، أدت محاولة الإبقاء على مشروع بعد كولونيالي لا-ماهوي إلى تحول الآخر إلى «مادة» تفتقر كليًّا لأي صورة (Form)، فأدت من ثَمَّ إلى إعادة إنتاج تصور ماهوي و«متمركز لوغوسيًّا»، يؤول في هذه الحالة إلى مركزية الصورة في مقابل الشواش، والوجود في مقابل العدم.

ربما كان تورفييل مدركًا لهذه الأزمة مع ذلك، لأنه ينتقل مباشرةً إلى فكرة أبعد، هي السؤال عن قدرة التابع على إنشاء «مركز مضاد»، ثم تهميش المركز الأصلي بدل النزاع عليه، ويشير هنا إلى حركات «الإسلام السياسي» باعتبارها محاولات لإنتاج هذا المركز، ووضع الغرب في موقع التابع. وفي هذا السياق، يصبح مشروع سيد قطب، أو روح الله الخميني، إنتاجًا للغة ومصطلح وعقلانية بديلة، ورفضًا للمركز الغربي للغة والمصطلح والعقلانية.

التمييز الجديد والغريب بين «هامش الخطاب» و«المركز المضاد» لا يُوظَّف هنا إلا لرسم حدود عنيفة بين «الإسلام» و«الغرب»، وإذا كان ممكنًا أن نعترض عليه بالقول إن كل مركز مضاد هو هامش لمركز أصلي، وكل هامش هو مركز مضاد لمتن، فإن هذه الفكرة غير مطروحة عند تورفييل، في محاولته لإنتاج إسلام استطاع أخيرًا إيصال صوته، فقط عندما ميز نفسه ماهويًّا ومُطلقًا عن آخَره الغربي، وسعى إلى تهميشه، وهو السعي الذي يتطابق في رأيه مع مشروع ما بعد الكولونيالية نفسه.

هكذا، يعلن تورفييل أن «صلب ما بعد الكولونيالية هو الطموح لزحزحة المركز الغربي، أو الحداثة الغربية، وهي الزحزحة التي استطاع الإسلام السياسي فعلًا إنجازها، بتقديمه مركزًا بديلًا للأخلاق والسياسة والأنطولوجيا بين أتباعه. يعني هذا أن الإسلام السياسي نموذج بارز للصوت التابع بعد الكولونيالي في العالم المعاصر»، ورغم صعوبة التصديق، فإن هذه الفقرة تطابق بين أهداف مشروعي «ما بعد الكولونيالية» و«الإسلام السياسي».

تنتهي هذه الرؤية إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى هي الماهوية الثقافية مجددًا، باعتبارها ثابتًا يصعب الفكاك منه، وتتمثل هنا في قيام «الغرب» و«الإسلام السياسي» كماهيتين متناقضتين تمامًا، إذ بهذه الصورة وحدها يمكن للتابع أن يتكلم، وأن يعلن عن نفسه بالصدام الماهوي مع الآخر ومحاولة إقصائه، لكن فقط على حساب أي إمكانية للتفاهم بين الاثنين، أو التمثيل المتبادل. وتنتهي هذه الرؤية إلى نتيجة أخرى طريفة، هي الإقصاء التام للمساحة «الوسيطة» بين الماهيتين، التي أصبحت «عدمًا» لا يستطيع الحديث، ولا تمثيل نفسه، ولا أن يُمثَّل من قِبل أي طرف.

أليست هذه المساحة الوسيطة هي بالضبط حيث نتوقع أن نجد المحاولات الجادة لفهم العنف الإسلامي، التي تستفيد في قراءتها له من مجمل المعرفة البشرية، ولا تتخذ لنفسها منطلقات هوياتية؟ ربما، لكن وفق تورفييل: لا، لأن هذه المساحة لا تنتج إلا صمتًا، والموقعان الوحيدان اللذان يمكن الحديث منهما هما مركزان يتحدثان بلغات مختلفة، ويفصلهما حزام من العدم.

إمعانًا في إقصاء الفهم، لا يجب أن يكون الحديث عن الآخر الإسلامي من جانب المركز الغربي تحليليًّا أبدًا، لأن «التفسيرات الاجتماعوية (Sociologistical) لمعتقدات الإسلام السياسي يجب أن يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من عملية نزع للسلطة تهدف إلى إسكات الآخر، فسواء أردنا ذلك أم لا، تقدم هذه التفسيرات أسبابًا لكي لا نستمع لهؤلاء الإسلاميين».

لكن البديل الوحيد الذي يقدمه تورفييل لعدم الاستماع هو الاستماع للغة أجنبية دون فهمها، وهكذا ينتهي تحليله إلى مجموعة من النتائج، التي لا تُفهم إلا باعتبارها التبعات المنطقية للتمسك بالمشروع بعد الكولونيالي إلى أقصاه: الغرب و«الإسلام السياسي» ماهيتان متناقضتان، ولا توجد بينهما أي مساحة وسيطة، والحديث لا يكون ممكنًا إلا إذا احتل مركزًا من الاثنين، وهذان المركزان يتحدثان بلغات متناقضة، ومحاولة فهم الثاني من قِبل الأول ووفق مفاهيمه تُعد اعتداءً عليه، وينبغي على «الغرب» أن يهدأ فقط ويستمع لصوت الآخر، الذي لن يفهمه بالطبع، لكن تورفييل يتجاهل هذه النتيجة الأخيرة.

من جهة، يغري هذا التحليل بافتراض حالة «عدمية» تورط فيها المشروع بعد الكولونيالي، وهو ينتهي بالتأكيد إلى مقولة عدمية، لكن من جهة أخرى، يصبح السؤال الأيديولوجي مُلحًّا، ففي ظل هيمنة هذا التيار على البرامج الدراسية والمقررات والمِنح المقدمة إلى طلاب العالم الثالث مثلًا، كيف تكون النتيجة الكلية لهذا الوضع إذا كان أساتذة «الدراسات الثقافية» يتوقعون من الباحثين استماعًا هادئًا لـ«صوت الآخر»، وعزوفًا عن تحليله؟ وإذا كانوا يرون أن العلاقة بعد الكولونيالية تنقسم إلى موقعين فقط، هما هنا، حيث نتحدث بلغة أوروبا، أو هناك، حيث يتحدانا المركز المضاد؟

خاتمة: السياق الثقافي العالمي للصحوة الإسلامية

الظاهرة الأهم بشأن الماهوية الثقافية تتعلق باختراقها لعالمنا الحالي، حتى عبر الوسائط الجماهيرية، فما دمنا نتحدث عن مقولة تتجاوز التمييز اليميني-اليساري، بل وتكسره، فلن يكون غريبًا أن نقع عليها في ثنايا وأنحاء الثقافة الجماهيرية، ونظرة سريعة قد تُطلعنا على كون الماهوية الثقافية تيمة مُفضلة للجمهور، فبالإحالة إلى هذه الماهوية فقط يُصبح مسلسل «غيم أوف ثرونز» أكثر واقعيةً من الواقع نفسه، ويتمثل جانب من إغرائه، بجانب الإثارة المباشرة للحبكة (التي تفتقر، مثل عالَم بعد كولونيالي، إلى أي مركز مطلق تقريبًا)، في اعتباره أداة لمُقاربة الواقع، ونسخة أكثر شفافيةً منه.

هكذا، يظهر للمُشاهد أنه، «بغض النظر عن التنانين والذئاب السحرية العملاقة، فإن ويستروس مكان مألوف، وتحديات السياسة الخارجية واحدة تقريبًا، سواء كنت رئيسًا أمريكيًّا أو ملكًا إقطاعيًّا، وسواء كان دَينك الخارجي للحكومة الصينية أو لبنك أجنبي غامض يوظِّف مجموعة من القتلة المحترفين، وسواء عقدت شراكاتك مع اتحاد لمنتجي النفط أو تجار العبيد، وسواء كان أعداؤك مدفوعين بتفسير أصولي للإسلام أو بنبوءات كاهنة ترى المستقبل في نار للقرابين»، لأن هذه كلها أمور شكلية بالقياس إلى ما هو جوهري، أي ديناميكيات التفاعل السياسي في عالم مُكوَّن من ماهيات ثقافية مُغلقة ومتصارعة، وهو المشترك بين «غيم أوف ثرونز» والعالم.

«غيم أوف ثرونز» هو العالم بعد فضحه، والمبهر في هذه الرؤية، التي لا توجد فيها فعَّالية حقيقية لمفاهيم مثل «الطبقة الاجتماعية» أو «حركة رأس المال» أو أي مفاهيم وبُنى أخرى تخترق نظام «الماهيات الثقافية»، أنها لم تصبح ممكنة في الوقت الحالي إلا بفضل الجهود النظرية الدؤوبة لليسار في الأربعة عقود السابقة، على الرغم من انهيار الأساس التقليدي لهذه الماهوية، والمُمثَّل في العِرق. ولا حاجة لتأكيد أن أي نزعة هوياتية ستجد في هذا المناخ الثقافي مساحة للازدهار.

كانت الصحوة الإسلامية معفية من أي نقد جذري، باعتبارها مشروعًا لا «ماهية»، فيما قُوبلت بنقد يميني ماهوي عنيف أدى إلى مزيد من استقطابها.

إجمالًا، يمكن القول إن الهيمنة الثقافية لليسار على المستويات الأكاديمية والصحفية لم تجيء إلا على حساب اشتماله على فكرته النقيض، أي ماهوية ثقافية تؤسس للخطاب اليميني المضاد، وقد اشتمل الخطاب اليساري على هذه الفكرة النقيض كإمكانية غير متحققة بالكامل، لكن بعض الأزمات المتعلقة بعلاقته بالإسلام كانت كافية لتحقيقه.

وخارج دوائر «اليسار الجديد»، وفي المساحات الهامشية التي تمسكت بماركسية أكثر تقليدية، ولم تكن جزءًا من متن الخطاب اليساري الشائع، استمرت القراءة بمفاهيم ما قبل غرامشي، وهكذا، قسَّم «كريس هارمان»، وهو أحد أهم المنظرين المعاصرين للاشتراكيين الثوريين، التيارات الإسلامية وفق خطوط طبقية واضحة المعالم، ليتحول الإسلام وفق هذه القسمة إلى عدة خطابات منعزلة، يمكن انتقاء أحدها للتحالف معه في ظروف بعينها، وفي كل الأحوال، يمكن اختزالها جميعًا إلى الجوهر الاجتماعي الوحيد، أي الطبقة.

أعيد إنتاج هذه القراءات على المستوى العربي في صور الماركسية اللينينية والتروتسكية والستالينية التي هيمنت على النقد اليساري المُسيَّس دون أي فعَّالية، أما المشاريع التي حاولت تقديم قراءة أكثر «موضوعيةً»، وجديَّة، فانتهى كثير منها إلى الماهوية الثقافية من طريق آخر: طريق التاريخ الثقافي المعطوب لبُنية العقل العربي وثوابت ثقافته، وهي الرؤية التي أدت إلى تعليق تاريخ الثقافة الإسلامية عند نقطة مُغرِقة في القِدم، ليكتمل تواطؤ التيارات كافة على إنكار التاريخ الإسلامي باعتباره تاريخًا، أي تاريخًا لجماعات بشرية بأي معنى سوسيولوجي.

وفي الوقت الذي طغت الماهوية الثقافية فيه على مُجمل الخطاب النظري (وربما الجماهيري) للثلث الأخير من القرن العشرين، لم يتميز خطاب اليسار عن نقيضه اليميني في واقع الأمر إلا بفارق طفيف، هو تشديد، عنيف أحيانًا، على قيم احترام الآخر واحتواء التعدد (Inclusiveness)، وكان أي تهديد واقعي بسيط كفيل بإفشال هذا البرنامج، وبصعود نقيضه الصدامي، الذي يُشاركه الماهوية الثقافية نفسها.

خرجت الصحوة الإسلامية إلى هذه البيئة لتجد نفسها مُعزَّزة تعزيزًا مزدوجًا، فهي من جهة معفية من أي نقد يساري جذري، بالمعنى الذي قد يؤدي إلى تفكيكها باعتبارها مشروعًا، لا «ماهية»، ومن جهة أخرى تُقابَل بنقد يميني ماهوي عنيف يؤدي إلى مزيد من استقطابها، ومن ثَمَّ تعزيز غُربتها، ورؤيتها الصدامية للعالم، وكان هذا النقد اليميني مدعومًا في أساسه النظري من قِبل اليسار.

هكذا، بدَّلت الاستراتيجية الغربية في تعاملها مع العنف الإسلامي بين بديلين، الأول تجاهله، ومقاومة أي محاولة حقيقية لفهمه، ومن ثَمَّ تركه يزدهر في سياق نظري داعم، وهو الحل اليساري، والثاني «الحرب على الإرهاب»، التي تتحول في الذهن الإسلامي ببساطة إلى حرب على الإسلام، وتؤدي بدورها إلى ازدهاره، وهو الحل اليميني.

لم يكن مُستغرَبًا أن يفقد الحل اليساري مصداقيته عندما يتحول العنف الإسلامي إلى تهديد واقعي، لا مجرد عنف تمارسه ثقافة بعيدة ضد نفسها في الجانب الآخر من العالم، وفي مقابل تصاعد النبرة العسكرية المضادة للصعود الإسلامي، تشتت اليسار بين رِدَّة ناعمة عن إرثه بعد الكولونيالي، كما ظهر في مقال دو بوليغ، وبين مقولات تتماهى مع خطاب اليمين المتطرف، كما يُتَّهم جيجك، وفي الحالتين كانت الردَّة إلى ميراث التنوير ونسق القيم المرتبط به، أما التمسك بالمشروع بعد الكولونيالي فانتهى إلى طريق مسدود وعدمي كما رأينا عند تورفييل.

ربما تكشف هذه «الردَّة» اليسارية الجماعية وجهًا آخر لما نسميه «بعد الحداثة»، أي ما بعد الحداثة باعتبارها حداثة راديكالية، تعود في لحظات الخطر لالتماس جذورها، وفي هذه الحالة يصبح السؤال واجبًا: هل أخطأ اليسار من البداية في محاولاته تجاوز التنوير، أم أخطأ لأنه لم يُتِم أبدًا هذا التجاوز؟