الثورة والثوار

ثورة العقول: 7 أسئلة تشرح أثر التحولات الثقافية في المجتمع

الفنان الفرنسي من أصل تونسي «إل سِيد» يقف إلى جوار غرافيتي نفذه على مئذنة مسجد «جارا» في مدينة قابس التونسية - الصورة: Ouahid Berrehouma

هذا الموضوع ضمن ملف «الثورة والثوار». لقراءة موضوعات أخرى في الملف اضغط هنا.


عند سماع كلمة «ثورة»، تتبادر فورًا إلى أذهاننا مشاهد لجموع غفيرة من البشر في الطرقات والساحات العامة، تحمل شعارات وتصرخ بهتافات وتحطم كل ما يقف في وجهها.

هذا هو الشكل الأشهر للثورات السياسية، لكن الثورات الثقافية، أو بتعبير أدق التحولات الثقافية، تختلف شكلًا عن الثورات السياسية؛ لأن ثوارها لا يتظاهرون في مسيرات، وليست لهم شعارات محدَّدة أو حتى أجندة أو عدو، بل يمكن اعتبارها ثورات فردية يقوم بها أفراد من المجتمع يمارسون خرقًا للمعهودات حتى تنتشر عدوى هذه الممارسات الثقافية الجديدة لتصبح ممارسات معهودة ومقبولة.

ما الثقافة؟

على عكس الشائع في بلادنا العربية عن ارتباط الثقافة في الأذهان بمشهد يحتوي على كثير من الكتب، أو يجعلها متعلقة بالأدب والفنون، فإن الثقافة، كما يعرِّفها مؤسس علم الأنثروبولوجيا الثقافية «إدوارد تايلور» (Sir Edward Burnett Tylor)، هي جملة المعارف والمعتقدات والفنون والاخلاقيات والأعراف والتقاليد، وكل ما يكتسبه الإنسان من سلوكيات ومهارات باعتباره فردًا ضمن مجتمع.

من أين تأتي الثقافة؟

التحولات الثقافية نوعان؛ هما التحول إلى «ثقافة مستوردة» أو إلى «ثقافة محلية». وتُستورد الثقافات إما جغرافيًّا من بلاد وأقاليم أخرى، وإما تاريخيًّا من حقبة زمنية ماضية.

1. الثقافة المستوردة

مطعم مكدونالدز في اليابان
الصورة: Paul Vlaar

من أهم أمثلة الثقافة المستوردة جغرافيًّا التحول الثقافي الياباني، إذ جرى استيراد الثقافة الغربية وتبنيها تدريجيًّا ابتداءً بالفترة التي عُرفت بحقبة «مييجي» (Meiji period)، التي تميزت بانفتاح جزئي من خلال التبادل التجاري والثقافي مع الهولنديين في بداية الأمر، وهو ما ترك أثرًا من الانبهار والإعجاب لدى اليابانيين، خصوصًا النخبة، ثم حلَّ الأمريكيون محل الهولنديين في هذا التأثير الثقافي خلال الفترة الأخيرة من التحول.

ويمكن القول إن التحول الثقافي كان حاضرًا في الأقاليم العربية المستعمَرة، التي هي أقرب للثقافة الغربية من الدول العربية التي لم يسبق استعمارها. ورغم أن التحول العربي جاء نتيجة استعمار، فإنه لم يُفرض قسريًّا في أغلب هذه الدول.

أما الثقافة المستوردة تاريخيًّا فخير مثال عليها هو حركة «الصحوة الإسلامية» في السعودية، التي قامت في ثمانينيات القرن الماضي على فكرة استيراد مظاهر الثقافة من العصور الإسلامية الأولى.

كذلك نجد مثالًا آخر للاستيراد التاريخي في أوروبا، إذ رغم أن أثر عصري النهضة والتنوير كان سببًا في تقدم دول القارة، فقد اعتمدا بشدة على التاريخ الكلاسيكي لأوروبا بقيمها وفلسفاتها وفنونها.

اقرأ أيضًا: كيف حاول الاتحاد السوفييتي التضييق على الإسلام فأخرج جيلًا من المتطرفين؟

2. الثقافة المحلية

صلاة عيد الفطر في 2011 إندونيسيا
صلاة عيد الفطر في إندونيسيا (2011) - الصورة: Gunawan Kartapranata

انهارت الثقافة الاشتراكية وظلَّ الإسلام باقيًا لأنه تأقلم مع الثقافات المحلية.

أما النوع الثاني فهو التحولات الثقافية المحلية، التي تعتمد غالبًا على نشوء عقائد أو فلسفات محلية تُتبنَّى أو تُفرَض شعبيًّا أو سياسيًّا، وأهم مثال عليها هو تلك التحولات الناتجة عن ظهور ديانات أو مذاهب أو فلسفات تتبناها السلطة، أو تستحوذ هي على السلطة بعد أن تتبناها الجماهير، وهذه التحولات في الغالب تحدث بوتيرة سريعة نسبيًّا.

فعندما ظهر الإسلام مثلًا كان متوائمًا إلى حدٍّ كبير مع الثقافة المحلية للعرب، ومتوافقًا مع عديد من أعرافها وتقاليدها؛ كاستبدال عيدين إسلاميين بِعيدَي الجاهلية، وهذا التوافق بين القديم والجديد كان سببًا في نجاح تحول ثقافة العرب.

هناك تحول ثقافي محلي آخر كان أقل مراعاة لثقافة المجتمع؛ هو التحول إلى الثقافة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، واليوم نجد أن الثقافة الاشتراكية انهارت في حين لا يزال الإسلام باقيًا؛ بسبب تأقلمه النسبي مع ثقافات البلدان التي ساد فيها، بخاصةً تلك التي تبنت الثقافة العربية.

كيف تختلف الثورة الثقافية عن السياسية؟

قد تنشأ ثورة ثقافية وتنجح دون أن يكون لها بعد سياسي واضح.

إضافةً إلى الاختلاف الشكلي بين الثورات السياسية والثقافية، فإن دوافع انطلاق كلٍّ منهما تختلف أيضًا عن الأخرى، فالثورات السياسية غالبًا ما يكون سببها خللًا أو عدم رضًا عن «الظروف المعيشية»، في حين تكون دوافع الثورات الثقافية عدم رضًا أو خللًا في «الظروف الحياتية»، والفرق بينهما شاسع.

فالظروف المعيشية هي الأوضاع العامة للمجتمع التي ترتبط بإمكانية تحقيق الفرد احتياجاته وتطلعاته الحسيَّة؛ مثل الدخل والصحة والأمن المالي والحسِّي وحرية العمل، أما الظروف الحياتية فتشمل الاحتياجات والتطلعات المعنوية والنفسية؛ كالترفيه والعلاقات الاجتماعية والأمان النفسي والرضا الذاتي والاحترام الاجتماعي والتعليم ومساحة الحرية وفُرَص تحقيق الذات.

قد يهمك أيضًا: كيف غيَّر كارل ماركس وجه العالم؟

كيف تؤثر الثقافة في السياسة؟ 

مجموعة من المثقفين يقرأون مسرحية في صالون مدام جيوفرين
لوحة لـ«تشارلز جابرييل لمونير» تصوِّر مجموعة من مثقفي فرنسا يقرأون إحدى مسرحيات «فولتير» في صالون مدام «جيوفرين» الثقافي، الذي كان إحدى شعلات عصر التنوير - الصورة: WGA

الثورات الثقافية ليست بالضرورة مرتبطة بالثورات السياسية، فمن الممكن أن تنشأ ثورة ثقافية وتستمر وتنجح دون أن يكون لها بعد سياسي واضح،  بل إنه في كثير من الأحيان تكون التحولات السياسية، سواءً تحولات ثورية سريعة او إصلاحية بطيئة، نتاجًا لثورات ثقافية سبقتها.

لذلك، إذا تبنَّت السلطات السياسية التحول الثقافي وتأقلمت معه، فإن التحول السياسي يكون إصلاحيًّا متدرجًا، أما إذا رفضت السلطة السياسية هذا التحول الثقافي وحاربته، فإن التحول السياسي يتم ثوريًّا وعنيفًا.

ومن الأمثلة على دور الثورات الثقافية في التحولات السياسية، التحول المعروف بـ«عصر النهضة» في أوروبا القرن الرابع عشر، الذي مهَّد للإصلاحات البروتستانتية في القرن السادس عشر، وكذلك التحول الأوروبي في «عصر التنوير» عام 1620، الذي مهَّد للثورة الفرنسية في 1789.

كيف تنجح الثورات؟

يمكن القول إن التحولات الثقافية عامل مهمّ في نجاح الثورات السياسية، فمن دونها تكون احتمالية نجاح الثورة السياسية ضعيفة، وإن كُتب النجاح لثورة سياسية لم تسبقها أو تتماشَ معها تحولات ثقافية، فإن هذا النجاح سببه أن الثورة السياسية لم تستهدف النظام، ولكن فقط سعت لتغير القيادة مع الإبقاء على ذات النظام.

وقد تنجح الثورات السياسية دون تحول ثقافي بسبب وجود عوامل أخرى؛ كانقلاب عسكري أو تدخل خارجي.

وحتى إذا نجح تحول سياسي دون أن يسبقه تحول ثقافي، فإن احتمالية استمرار النظام السياسي الجديد ضعيفة. ولا يمكن القول إن ثورة سياسية انتهت بتحول سياسي ناجح إلا إذا حافظت على النظام الجديد وقادت المجتمع من خلاله إلى الاستقرار.

ولنجاح أي ثورة ثقافية لا بد لها من مراعاة ثلاثة عوامل مهمة:

  1. أن تتم التحولات الثقافية بشكل طبيعي، أي برغبة وقناعات داخلية لدى أفراد المجتمع، دون فرض أو إجبار.
  2. أن تسري وتنتشر بوتيرة هادئة دون تدخُّل من أي سلطة لتسريعها، ليتسنَّى لمكونات المجتمع المختلفة أن تقبلها.
  3. مراعاة ومجاملة الثقافة القائمة، على الأقل في بدايتها ولو شكليًّا؛ لتجنب أو تخفيف حدة الصراع مع حراس الثقافة القديمة، وإعطاء باقي أفراد المجتمع فرصة للتأقلم مع هذه التغيرات.

هل على الثورة أن تعادي القديم؟

تماثيل مشوهة لبوذا
تماثيل لـ«بوذا» شُوِّهت خلال الثورة الثقافية الصينية - الصورة: Pat B

الإجابة ﻻ، بل على العكس، فتحولات عصرَي النهضة والتنوير الثقافية مثلًا تمَّت بشكل طبيعي ولم تُفرَض على المجتمع، كما كان هذان التحولان في بدايتهما يجاملان الثقافة القائمة أو يتجنبان الاصطدام معها، لذلك كان نجاحهما في تحويل الثقافة الأوروبية نموذجيًّا.

كما نجد في تحول الثقافة في اليابان وبعض دول شرق آسيا إلى النمط الغربي مثالًا لمراعاة ومجاملة التقاليد، التي ما زالت محفوظة وتمَارَس، ولكن كطقوس استثنائية في الغالب لا كممارسات يومية.

يصعُب تخيُّل أن الصين وروسيا كانت ذات ثقافات شيوعية متطرفة.

في الوقت نفسه، إذا نظرنا إلى التحولات الثقافية الشيوعية في الصين والاتحاد السوفييتي سنجد أنها فشلت؛ لأنها فُرضت قسرًا وبالاستعانة بأساليب «البروباغاندا» والإجراءات العنيفة لتسريع عملية التحول الثقافي، من خلال تدمير رموز الثقافة القديمة.

بل إن ما يُطلق عليه «الثورة الثقافية الصينية» حدَّد لها زعيم الحزب الشيوعي آن ذاك «ماو تسي تونغ» أربعة عناصر يجب تدميرها وتدمير كل ما يمثلها؛ هي الثقافة القديمة، والعادات القديمة، والأفكار القديمة، والتقاليد القديمة، وهو ما تسبب في تدمير عديد من الآثار الدينية والتاريخية وإحراق للكتب، وإذلال المعلمين باعتبارهم رموزًا وحُراسًا للثقافة القديمة.

انتهى الأمر بفشل الثورة الثقافية الصينية، وكذلك فشل التحول الثقافي السوفييتي، بل إن الثقافة السوفييتية انتكست وارتدَّت إلى الثقافة القديمة التي كانت تلك الأنظمة تحاول محوها. ومن ينظر اليوم إلى الصين وروسيا يصعب عليه أن يتخيل أنها كانت ذات ثقافات شيوعية متطرفة وخالية من مظاهر التديُّن.

اقرأ أيضًا: الوصفة الصينية لترويج القمع

كيف تنشأ الثورة الثقافية؟

اليوم الأول من مهرجان وودستوك الغنائي
افتتاح مهرجان «وودستوك» عام 1969، الذي دعا إلى الثورة الوجودية والثقافة البديلة، تحت شعار «3 أيام من السلام والموسيقى» - الصورة: Mark Goff

التحول الثقافي الناجح لا يحدث مباشرة على شكل انعطافة مفاجئة، ولكنه تحول متدرج يتكون من سبع مراحل، وهي مراحل متداخلة، فليس بالضرورة أن يمر المجتمع كاملًا بذات المرحلة، بل قد تكون فئة من المجتمع في المرحلة الرابعة وأخرى منه في المرحلة الأولى ومجموعة أخرى من الأفراد في المرحلة السادسة.

هذه المراحل تراكميَّة، وكل مرحلة تبني على سابقتها، وهي:

  1. عدم الرضا

    وهو شعور الأفراد أو الجماعات بعدم الرضا عن الظروف الحياتية المرتبطة بالثقافة، إما بسبب ضرر شديد يقع عليهم، وإما بسبب مقارنة الظروف الحياتية لمجتمعهم بظروف مجتمع آخر أفضل حالًا.
  2. التذمر

    يبدأ الأفراد بالتعبير شفهيًّا عن سخطهم على هذه الثقافة بانتقاد بعض جوانبها في أول الأمر، ثم انتقاد منظومة القيم عمومًا. ويخلق هذا التذمر عدوى بين الأفراد غير الراضين، ويعمل على تحفيزهم على البحث عن ممارسات أو قيم ثقافية بديلة.
  3. تأمل البدائل

    في حال لم تسبق مقارنة الثقافة الحالية بثقافة مجتمع آخر، فإن هذه المرحلة هي التي تتكون فيها الأفكار لثقافة محلية جديدة، أو يُستعان فيها بثقافات أخرى بغرض استيرادها.
  4. تبنِّي البديل

    في هذه المرحلة يبدأ تبَلْوُر الثقافة الحديثة في عقول الأفراد، وتُربط الممارسات الثقافية بالقيم الثقافية. وإذا كانت المراحل الماضية تشمل اقتناعًا وإعجابًا بممارسات ثقافية حديثة، فهذه المرحلة هي مرحلة الإعجاب والاقتناع بالقيم الثقافية كمنظومة متكاملة. وفي هذه المرحلة تتكون مجموعات من الأفراد تعمل على نشر الثقافة المتبنَّاة.
  5. العصيان الثقافي

    هو رفض الانصياع للقيم الثقافية القائمة، والامتناع عن ممارسة التقاليد والطقوس الثقافية القديمة للمجتمع. بمعنى آخر: يصل الاستياء من الثقافة الحالية إلى أقصاه.
  6. الشغب الثقافي

    هو الممارسة العلنية للطقوس الثقافية الجديدة بطريقة صدامية مع الثقافة القديمة ومستفزة إلى حدٍّ ما لحراس الثقافة القديمة.
  7. الاستقرار الثقافي

    في هذه المرحلة يبدأ المجتمع بالاستقرار على قيم وممارسات الثقافة الجديدة أو تقبُّلها، وتصبحان واقعًا طبيعيًّا سواء تبناها الجميع أو تبنتها مجموعات معينة. وفي هذه المرحلة تنخفض حدَّة معارَضة الثقافة الجديدة، وتستمر هذه المرحلة حتى يتحقق التحول الثقافي الشامل، ما لم تطرأ أحداث تؤثر على مسار تطور هذ الثقافة.

, , , ,