تحولات

نظرية جديدة: كيف تطور الوعي البشري عبر التاريخ؟

منذ نشر «تشارلز داروين» (Charles Darwin) كتابه «أصل الأنواع» عام 1859، أصبح التطور هو النظرية الوحيدة الكبرى في علم الأحياء، إلا أن الوعي (Consciousness) الذي يعد أحد أهم الصفات البيولوجية في الإنسان نادرًا ما دُرِّس في سياق التطور.

تأتي نظريات الوعي من الدين والفلسفة والعلوم المعرفية، لا من البيولوجيا التطورية، وربما لهذا السبب كان عدد قليل جدًّا من النظريات قادرًا على معالجة المسائل الأساسية، مثل: ما القيمة التكيفية للوعي؟ متى تطور الوعي؟ ما الحيوانات التي لديها وعي؟

علاقة الخلايا العصبية بالوعي

نظرية إطار الانتباه (Attention Schema Theory)، التي تطورت على مدى السنوات الخمسة الماضية، قد تكون قادرة على إجابة هذه الأسئلة، فهي تفترض أن الوعي ينشأ كحل لواحدة من أكثر المشاكل الأساسية التي تواجه أي نظام عصبي: التدفق المستمر للكثير من المعلومات في المخ لمعالجتها بشكل كامل.

لقد طور الدماغ آليات معقدة على نحو متزايد لمعالجة بضع إشارات مختارة على حساب إشارات أخرى، وفي نظرية إطار الانتباه، الوعي هو النتيجة النهائية لهذا التسلسل التطوري. وإذا كانت النظرية صحيحة، وهذا أمر لم يتأكد بعد، فإن الوعي تطور تدريجيًّا على مدى نصف مليار سنة، وموجود في مجموعة واسعة من أنواع الفقاريات.

وقبل تطور الدماغ المركزي، استفاد الجهاز العصبي من خدعة بسيطة في الحوسبة؛ هي المنافسة، فالخلايا العصبية تتصرف مثل المرشحين في الانتخابات، كل مرشح يصرخ ويحاول إسكات الآخرين. في أي لحظة لا يفوز سوى عدد قليل من الخلايا العصبية بتلك المنافسة الشرسة، وترتفع إشاراتها فوق الضجيج وتؤثر على سلوك الحيوان، فيما يُعرف باسم «تعزيز الإشارة الانتقائية»، ودونها لا يمكن للنظام العصبي فعل أي شيء.

يمكن أن نخمن بشكل جيد عندما تتطور عملية تعزيز الإشارة الانتقائية أولًا عن طريق مقارنة أنواع مختلفة من الحيوانات، وهو أسلوب شائع في علم الأحياء التطوري. ويمكن القول، على سبيل المثال، إن الأفعى لديها أبسط جهاز عصبي بين فصيلة اللافقاريات، فإذا نكزت أفعى الهيدرا في أي مكان ستعطي استجابة عامة، ولا تُظهر أي دليل على معالجة انتقائية لبعض النكزات، في حين ستتجاهل إستراتيجيًّا النكزات الأخرى. الانقسام بين أسلاف الهيدرا وغيرها من الحيوانات، وفقًا للتحليل الجيني، قد يعود إلى 700 مليون سنة، وربما تطوّرت عملية تعزيز الإشارة الانتقائية بعد ذلك.

عيون الحيوانات المفصلية، من ناحية أخرى، واحدة من أفضل الأمثلة لدراسة عملية تعزيز الإشارة الانتقائية؛ فهي تشحذ الإشارات المتعلقة بنهايات بصرية معينة وتقمع إشارات بصرية أخرى، وهو ما يولد الخطوط العريضة للعالم. ولذلك، ربما تطور التعزيز الانتقائي في وقت ما بين ظهور حيوانات الهيدرا والمفصليات، أي قبل نحو 700 أو 600 مليون سنة، منذ بداية الحياة المعقدة متعددة الخلايا.

وعملية تعزيز الإشارة الانتقائية بدائية، ولا تتطلب وجود دماغ مركزي، والعين، وشبكة أجهزة الاستشعار التي تعمل باللمس على الجسم، والنظام السمعي، يمكن أن تكون لدى كل منها نسخ محلية خاصة بها من الانتباه، تركز على عدد قليل من الإشارات المختارة.

الفائدة الحقيقية لسقف الدماغ

كان التقدم التطوري المقبل هو وحدة تحكم مركزية للانتباه، يمكن أن تنسق بين جميع الحواس. في العديد من الحيوانات تكون وحدة التحكم المركزية هي منطقة في المخ تُدعى سقف الدماغ، وتنسق هذه المنطقة ما يسمى الانتباه العلني، تستهدف الأطباق اللاقطة للعينين والأذنين والأنف، وأي شيء مهم.

جميع الفقاريات؛ الأسماك والزواحف والطيور والثدييات، لديها سقف الدماغ، حتى أنكليسات البحر (Eels)، وفي بداية التطور لم يكن لديها فك سفلي. ولكن بقدر ما يعرف أي شخص، فإن جميع اللافقاريات ليس لديها سقف الدماغ، عكس  الفقاريات، الأمر الذي يسمح لنا بتحديد تطورها.

ووفقًا للأدلة الأحفورية الجينية، تطورت الفقاريات قبل نحو 520 مليون سنة، وتطور سقف الدماغ والسيطرة المركزية للانتباه في غضون هذا الوقت تقريبًا، خلال ما يسمى الانفجار الكامبري (Cambrian Explosion)، عندما كانت الفقاريات مخلوقات صغيرة تتنافس مع مجموعة واسعة من اللافقاريات في البحر.

ضفدع ذو عين حمراء

سقف الدماغ هو قطعة بديعة من الهندسة البشرية، ومن أجل السيطرة على الرأس والعينين بكفاءة، فإنه يبني ما يسمى النموذج الداخلي (Internal Model)، وهذه سمة معروفة للمهندسين. النموذج الداخلي هو محاكاة تتتبع كل ما يجري التحكم به، ويسمح بالتنبؤات والتخطيط.

ويتكون النموذج الداخلي لسقف الدماغ من مجموعة من المعلومات المشفرة في نمط معقد لنشاط الخلايا العصبية. تحاكي تلك المعلومات الوضع الحالي للأعين والرأس، وغيرها من أجزاء الجسم الرئيسية، ثم تتنبأ بحركات أجزاء الجسم والنتائج المترتبة على حركتها. على سبيل المثال، إذا حركت عينيك ناحية اليمين ستجد أن العالم المرئي يتحرك عبر شبكية العين الخاصة بك إلى اليسار بطريقة يمكن التنبؤ بها.

ويقارن سقف الدماغ الإشارات البصرية المتوقعة بالمُدخلات البصرية الفعلية؛ للتأكد من أن تحركاتك تسير كما هو مخطط لها. هذه الحسابات معقدة جدًّا، ولكنها تستحق طاقة إضافية لمراقبة الحركة. في الأسماك والبرمائيات، يمثل سقف الدماغ ذروة التطور والجزء الأكبر من الدماغ، فالضفدع لديه محاكاة جيدة في حد ذاته.

قشرة الدماغ لدى الزواحف

ومع تطور الزواحف، قبل 300 إلى 350 مليون عام، بدأت بنية دماغ جديدة في الظهور تُعرف باسم «الإطار/الإفريز»، ورثته الطيور من الزواحف، والأمر نفسه ينطبق على الثدييات، ولكن عادة ما تُعرف نسختنا من هذا الإطار باسم القشرة الدماغية التي توسعت بشكل كبير، وهي أكبر هيكل في الدماغ البشري. أحيانًا تسمع الناس يشيرون إلى دماغ الزواحف باعتباره الجزء البهيمي التلقائي المهمَل عند نزع قشرة الدماغ، ولكن هذا ليس صحيحًا، فقشرة الدماغ لديها أصلها الخاص في إطار زاحفي، والزواحف ربما تكون أكثر ذكاء مما كنا نعتقد.

القشرة مثل سقف الدماغ المتطور، ولا يزال لدينا سقف دماغ مدفون تحت القشرة ويؤدي المهام نفسها، كما هو الحال في الأسماك والبرمائيات. إذا سمعت صوتًا مفاجئًا أو رأيت حركة في زاوية عينك، يوجه سقف الدماغ بصرك نحو ذلك بسرعة ودقة. تلتقط القشرة أيضًا الإشارات الحسية وتنسق الحركة، لكنها لا تملك برمجة أكثر مرونة. واعتمادًا على السياق، قد تنظر في اتجاه ما، أو تنظر بعيدًا في اتجاه آخر، أو تصدر صوتًا ما، أو ترقص، أو ببساطة تخزن الحدث الحسي في الذاكرة إذا كانت المعلومات مفيدة للمستقبل.

وأهم فرق بين القشرة والسقف قد يكون هذا النوع من الانتباه، فسقف الدماغ هو سيد الانتباه العلني الذي يوجه الجهاز الحسي نحو أي شيء مهم. أما القشرة فتزيد الرهان من خلال شيء يُسمى الانتباه السري. أنت لست بحاجة إلى أن تنظر مباشرة إلى شيء لكي تنتبه له سرًا، وحتى إذا أدرت ظهرك إلى هذا الشيء فإن قشرة الدماغ لديك يمكن أن تركز مصادر المعالجة الخاصة بها على هذا الشيء.

وفي بعض الأحيان يقارن العلماء الانتباه السري بدائرة الضوء. وأول مَن اقترح هذا التشبيه هو «فرانسيس كريك» (Francis Crick)، أستاذ علم الوراثة. إن قشرة الدماغ الخاصة بك يمكن أن تحول الانتباه السري من النص الذي تقرأه أمامك الآن إلى شخص يجلس بقربك، أو إلى الأصوات في الفناء الخلفي بمنزلك، أو إلى التفكير أو الذاكرة، لأن الانتباه السري حركة افتراضية لمعالجة عميقة من عنصر واحد إلى آخر.

وتحتاج القشرة إلى السيطرة على هذه الحركة الظاهرية، وبالتالي، مثل أي وحدة تحكم فعالة، فإنها بحاجة إلى نموذج داخلي. وعلى عكس السقف الذي «يُنَمذِج» الأشياء الملموسة مثل العينين والرأس، يجب أن تُنمذِج القشرة شيئًا مجردًا أكثر من ذلك بكثير. ووفقًا لنظرية إطار الانتباه، تفعل القشرة ذلك بإنشاء إطار الانتباه، الذي هو مجموعة محدَّثة باستمرار من المعلومات، تصف ما يقوم به الانتباه السري لحظة تلو الأخرى، وعواقبه.

قشرة الدماغ لدى الثدييات

تمساح

فكِّر في تجربة فكرية غير محتملة. وإذا كان بمقدورك، بطريقة أو بأخرى، ربط آلية خطاب خارجية بتمساح، وكانت آلية الخطاب هذه متّصلة بالمعلومات في إطار الانتباه، في إطار/إفريز دماغ التمساح، فإنَّ هذا التمساح المدعوم بالتكنولوجيا قد يقول: «لقد حصلت على شيء غير ملموس داخلي. إنها ليست مقلة العين أو الرأس أو الذراع. إنها موجودة بلا جوهر ملموس. إنها ممتلكاتي العقلية للأشياء. إنها تتحرك حول مجموعة واحدة من العناصر إلى مجموعة أخرى. عندما تدرك العملية الغامضة بداخلي شيئًا ما، فإنها تتيح لي أن أفهم، وأتذكر، ثّم أستجيب».

قد يكون التمساح مخطئًا بطبيعة الحال. الانتباه السري مادي وملموس بالأساس. ولديه أساس مادي، لكنه يكمن في التفاصيل المجهرية للخلايا العصبية، ونقاط الاشتباك العصبي، والإشارات. الدماغ ليس بحاجة إلى معرفة تلك التفاصيل. وبالتالي، فإن مخطط/إطار الانتباه غامض من الناحية الاستراتيجية. إنّه يصوّر الانتباه السريّ بطريقة غير متماسكة ماديًا، باعتباره جوهرًا غير مادي. وهذا، وفقًا لهذه النظرية، أصل الوعي. نحن نقول إنَّ لدينا وعيًّا لأنّ في أعماق الدماغ شيئًا بدائيًّا يحسب هذا الوصف الذاتي شبه السحري. وللأسف، التماسيح لا يمكنها التحدث في الواقع. ولكن في هذه النظرية، من المرجح أن تمتلك مجرد نموذج بسيط من مخطط الانتباه.

مفهوم الإدراك الاجتماعي

عندما أفكر في التطور، أتذكر الاقتباس الشهير للسياسي الأمريكي تيدي روزفلت: "افعل ما يمكنك القيام به مع ما لديك حيثما كنت". التطوّر سيد هذا النوع من الانتهازيّة. الزعانف تصبح مثل الأقدام، والأقواس الخيشومية تصبح مثل الفكين. والنماذج الذاتية تصبح نماذج غيريّة. في نظرية إطار الانتباه، يتطور إطار الانتباه أولًا كنموذج للاهتمام السري الخاص بالإنسان، ولكن بمجرد وجود آلية أساسية، بحسب هذه النظرية، يتمّ تكييفها في تصميم نموذج لحالات الانتباه لدى الآخرين، للسماح بالتنبؤ الاجتماعي. يمكن أن ينسب الدماغ الوعي لذاته وللآخرين أيضًا.

عندما يدرس علماء النفس الإدراك الاجتماعي، فإنهم غالبًا ما يركّزون على ما يسمى نظرية العقل، أي القدرة على فهم المحتويات المحتملة لعقل شخص آخر. وتقتصر بعض الأمثلة الأكثر تعقيدًا على البشر والقردة، ولكن التجارب أظهرت أنَّ الكلب يمكن أن ينظر إلى كلب آخر ويعرف "هل هو على وعي بي؟" كما أظهرت الغربان صحة نظرية العقل على نحوٍ مذهل. إذا كانت الغربان تخفي الطعام عندما يراقبها طائر آخر، فإنها سوف تنتظر غياب الطائر الآخر ثمّ تخفي قطعة من الطعام مرة أخرى، كما لو أنها قادرة على حساب أن الطيور الأخرى على وعي تام بمكان اختباء معين ولكنها لا تعلم مكان اختباء آخر. إذا كانت القدرة الأساسية لنسب الوعي للآخرين موجودة في الثدييات والطيور، فإنّه قد يكون لها أصل في الزواحف. في القصة التطورية لنظرية إطار الانتباه، يبدأ الإدراك الاجتماعي بالزيادة بعد فترة وجيزة من تطور إطار/إفريز دماغ الزواحف. التماسيح قد لا تكون المخلوقات الأكثر تعقيدًا من الناحية الاجتماعية على وجه الأرض، لكنها تعيش في مجتمعات كبيرة، وترعى صغارها.

إذا كانت نظرية إطار الانتباه صحيحة، فإنَّ تطور الزواحف، والطيور، والثدييات منذ 300 مليون سنة سمحت للنموذجين الذاتي والاجتماعي بالتطور جنبًا إلى جنب، وأن يؤثر كل منهما على الآخر. ونحن نفهم الآخرين من خلال إسقاط أنفسنا عليهم، ولكننا نفهم أنفسنا أيضًا من خلال النظر في الطريقة التي قد يرانا بها الآخرون. وتشير البيانات من مختبري الخاص إلى أن الشبكات القشرية في الدماغ البشري التي تسمح لنا أن نعزو الوعي للآخرين تتداخل على نطاق واسع مع الشبكات التي تبني شعورنا بالوعي.

رجال العصر الحديد

ربما تكون اللغة القفزة الكبيرة في تطور الوعي، لكن لا أحد يعرف متى تطوّرت اللغة البشرية. بالتأكيد نحن أدركنا اللغة قبل 70 ألف سنة، عندما بدأ الناس ينتشرون في جميع أنحاء العالم، نظرًا لأنَّ كل الجماعات لديها لغة متطوّرة. غالبًا ما تجري مناقشة العلاقة بين اللغة والوعي، ولكن يمكننا أن نكون متأكدين من أنّه بمجرد تطوير اللغة، يمكن أن نتحدث عن الوعي ومقارنة ملاحظاتنا مع بعضنا، يمكن أن نقول بصوتٍ عالٍ: "أنا مدرك للأشياء، وهي كذلك، وهو أيضًا".

ربما بسبب اللغة والثقافة يكون لدى البشر ميل لإرجاع الوعي إلى كل شيء من حولنا. نحن نعزو الوعي إلى الأشخاص في القصة، والدمى، والعواصف، والأنهار، والمساحات الفارغة، والأشباح والآلهة. يطلق جوستين باريت على ذلك اسم جهاز كشف الفاعل شديد النشاط. أحد التكهنات أنّه من الأفضل أن يكون الإنسان آمنًا من أن يشعر بالأسف. على سبيل المثال، إذا كانت الريح تحرك العشب وأنت أسأت تفسير ذلك وقلت إنَّ الأسد هو مَن يحرك العشب، فلا ضرر يحدث بسبب هذا التفسير، لكن إذا فشلت في الكشف عن الأسد الحقيقي، فأنت مخطئ هنا. بالنسبة لي، رغم ذلك، فإنَّ جهاز كشف الفاعل شديد النشاط يتجاوز مجرد الكشف عن الحيوانات المفترسة. إنّه نتيجة لطبيعتنا الاجتماعية المفرطة. لقد حوّل التطور سعة نزعاتنا وميولنا لنمذجة الآخرين، ونحن الآن في انسجام مع حالاتنا العقلية، وهذا هو ما يمنحنا تفوقنا التكيّفيّ، ولذلك، تكون الآثار الجانبية الحتمية هي الكشف عن إيجابيات كاذبة، أو حتى أشباح.

وهكذا تجدد القصة التطورية معرفتنا بذواتنا وبالأشياء، وبالوعي البشري، هذا الشيء الذي نعزوه إلى أنفسنا، والآخرين، وإلى روح العالم الغني بالأشباح والآلهة في المساحات الفارغة من حولنا. إنَّ نظرية إطار الانتباه تغطي مساحة كبيرة، من الجهاز العصبي إلى محاكاة الذات والآخرين. إنها توفّر الإطار العام لفهم الوعي، والعديد من استخداماته التكيفيّة، والتطور التدريجي المستمر.

المصدر: The Atlantic

, ,