في مصنع خيال الطفل

دع أبناءك يُخفقون: كيف يستفيد الأطفال من تسامح آبائهم مع الفشل؟

الصورة: Getty/Maskot

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


اختبار بسيط: لو كان ابنك المراهق مكلفًا بمشروع في مادة العلوم التي يكرهها ولا تحبها أنت كذلك، فهل:

  1. تحدد له موعدًا للانتهاء من البحث، وتشتري له الأدوات المطلوبة ثم تُعِد له البطاطس المقلية والسندوتشات لتشجيعه على البدء في البحث؟
  2. تطلب من جاركم مدرس العلوم البارع أن يزوركم، ويساعده في إنجاز المشروع؟
  3. تختبئ عن الأنظار وتدعو له بالتوفيق بشكل عارض، كما لو أن الأمر لا يشغلك كثيرًا؟

تعتَبر «جيسكا لاهاي»، مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا «The Gift of Failure»، أن الاختيارين الأول والثاني خطأ حتى لو أقدم عليهما الآباء بدافع الحب والرغبة في تعزيز ثقة الأبناء في أنفسهم.

تتساءل لاهاي، وهي معلمة أيضًا: هل نريد أن يصبح أبناؤنا سعداء ولا يشعروا بالخوف والتوتر أبدًا، أم أن يتعلموا كيفية تجاوز مشاعر الخوف والتوتر ليصبحوا أكثر كفاءةً، حتى لو كلفهم ذلك بعض الوقت؟

أدركت لاهاي أن شيئًا ما يعيب أسلوب تنشئتها لأبنائها وتعاملها مع طلابها، فقد كانوا يذبلون أمام التحديات، ولم يعودوا يحبون التعليم. وفي الناحية الأخرى، كان الآباء يأخذون سوء أداء أبنائهم الدراسي بشكل شخصي، وكأنه يعيبهم أنفسهم. كل أطراف المعادلة التعليمية تعساء، وهذا ما دفعها إلى تأليف كتابها بحثًا عن الحل، ويستعرض مقال منشور على موقع «كوارتز» بعض الأفكار والنصائح المهمة الواردة في الكتاب.

تقول كاتبة المقال إن لاهاي لم تكن قادرة على تحديد جذور مشكلة التعليم، حتى أدركت أن الآباء والمدرسين مهتمون أكثر بتنشئة أطفال سعداء على حساب الاستقلالية والكفاءة، وهنا وضعت يدها على المشكلة.

أيها الآباء، كُفوا عن السيطرة

الصورة: Abner Guzman

أبناء الأمهات المسيطرات لم يستطيعوا التفكير في المهام بمفردهم، بينما يصر أبناء الأمهات الأقل سيطرةً على استكمال مهامهم حتى في أوقات الإحباط.

تشير جيسكا لاهاي إلى تجارب أجرتها عالمة النفس «وندي جرولنيك»، وضعت فيها عدة أزواج من الأمهات والأبناء في غرفة ثم صورتهم بالفيديو في أثناء اللعب. وبعد ملاحظتهم، كانت تعطي وصفًا لأسلوب الأم في التعامل مع ابنها أو ابنتها. كان هنالك وصفان أساسيان:

  1. مسيطرة، وهي الأم التي تعتمد على التوجيه والمساعدة
  2. معززة للاستقلالية، إذا كانت تسمح للأطفال بمساحة أكبر للتصرف

في الخطوة التالية، طلبت الباحثة من الأطفال الجلوس في الغرفة بدون أمهاتهم وأداء مهمة ما، فوجدت أن الأطفال أصحاب الأمهات المسيطرات ييأسون عندما يؤدون مهمة لا يتقنونها، في الوقت الذي يثابر فيه الأطفال الآخرون الذين يتمتعون باستقلالية.

تعلق لاهاي على تلك التجربة بأن الأطفال ذوي الأمهات المسيطرات لم يستطيعوا التفكير في المهام بمفردهم، في الوقت الذي أصر فيه أبناء الأمهات الأقل سيطرةً على استكمال المهمة حتى في الأوقات التي شعروا فيها بالإحباط. بالتالي، الأطفال الذين يستطيعون إعادة توجيه تفكيرهم واستكمال مهامهم، حتى في مواجهة الصعوبات، يصبحون تدريجيًّا أقل اعتمادًا على الإرشاد في مهام تتطلب التركيز، مثل المذاكرة، والتنظيم، وإدارة حياتهم.

اقرأ أيضًا: تحكم الوالدين يجعل الأطفال أكثر ميلًا إلى القلق وجلد الذات

الدرس واضح، فبحسب لاهاي، علينا أن ندع أبناءنا يحاولون ويفشلون، مع إدراك أن هذا ليس أمرًا سهلًا بالطبع.

ما زالت لاهاي تتلقى الكثير من الشكاوى من آباء لا يستطيعون التعامل مع أطفالهم، فهذا يشكو من ابنه المراهق الذي لا يعرف كيف يحضّر حقيبته المدرسية، وتلك تشكو من ابنتها التي لا تعرف كيف تدير خلافًا مع أحدهم.

كلنا نعتقد أن لدينا مساحة زمنية لتصويب سلوك أبنائنا، غير أننا كثيرًا ما نفاجأ بأن الوقت قد داهمنا، وأن الطفل بلغ 17 عامًا ولم يتعلم شيئًا مما أردناه.

ما الذي ينبغي على الآباء أن يفعلوه ليكون الفشل هو الخطوة الأولى نحو النجاح؟

حدد هدفك: هل تريد فوائد على المدى القصير أم البعيد؟

الصورة: Rohit Akela

تقول لاهاي إننا نميل إلى إنقاذ أبنائنا من الفشل والمواقف المحرجة، لأن انتشال الآخرين من المشكلات له حلاوته. تحكي أنها اكتشفت ذات مرة أن ابنها نسى واجبه المنزلي في البيت، فقررت أن لا تأخذه إليه في المدرسة وتنقذ الموقف، رغم أنها كانت ذاهبة إلى هناك على أي حال. قررت لاهاي أن عليه أن يتعلم كيف يصبح أكثر استقلاليةً وتنظيمًا، وكيف ينتبه إلى واجباته المنزلية ويتعامل معها بجدية.

كان إنقاذ الموقف سيجعل شعورها أفضل كأم، لكنه لم يكن ليساعد ابنها على أن يكون أكثر تنظيمًا، فاتباع أسلوب التربية طويلة الأجل كان يعني أن عليها أن تترك الواجب في المنزل، حتى لو كان الثمن حزنها ومعاناة ابنها في المدرسة.

النتيجة كانت أن المدرسة أعطت ابن لاهاي واجبات إضافية، وبعض النصائح كي يتذكر واجباته في المستقبل، وقد نفعته تلك النصائح.

دعوهم يتحملوا المسؤولية

الصورة: Kemberly Groue

يستطيع الأطفال أن يفعلوا أكثر مما نتصور، يمكنهم المساعدة في أعمال المنزل، مثل غسل الأطباق، وتنظيف غرفهم دون الحاجة إلى مكافأة. لكن لكي يتحقق ذلك، علينا أن نتحمل أن تكون مطابخنا أقل نظافة، وملابسنا في الدواليب ليست مرتبة بالشكل الأمثل.

قد يهمك أيضًا: العاقبة والعقاب: عندما ننتقم من أطفالنا دون أن ندري

تذكر لاهاي مثالًا لطالب متعسر في مدرسة للموهوبين، كانت أمه تتدخل من أجل مساعدته كثيرًا، فكانت تحل مشاكله مع المدرسين، وتلح عليه لأداء بواجباته، لأن البديل كان نقله إلى مدرسة عامة ذات مستوى تعليمي أقل.

ذات يوم، قررت تلك الأم أن تخيّر ابنها، فلم يعد في استطاعتها بذل مزيد من الجهد لتبقيه في مدرسة الموهوبين، ونجح قرارها الصادم فعلًا في إفاقته، فاجتهد، وبدأ يتحدث إلى مدرسيه عند حدوث مشكلة دون أن تتدخل الأم، واهتم بإنجاز بواجباته. لم يكن طالبًا متفوقًا، لكن لم يكن هذا هو الهدف على أي حال. الهدف دائمًا، بحسب لاهاي، يجب أن يكون تشجيع الطفل على أن يتولى مسؤولية نفسه منذ صغره.

امدحوا الجهد، لا النتائج

الصورة: lourdesnique

ترى لاهاي أننا نحب أن نمدح أبناءنا، لكن مدح ذكاء الأبناء بدلًا مما يبذلونه من جهد يدفعهم نحو ما أسمته الباحثة في جامعة ستانفورد، «كارول دويك»، «العقلية المحدودة»، وهي حالة تجعل الأطفال يهابون التحديات.

الأطفال الذين يُمدح ذكاؤهم على نحو مبالَغ فيه يبذلون الحد الأدنى من المجهود، ويعزفون عن المخاطرة لو تضمن الأمر احتمالية الوقوع في الأخطاء.

تضرب لاهاي مثلًا بدراسة أعطى فيها الباحثون مجموعتين من الطلاب امتحانات سهلة. قيل للمجموعة الأولى إنهم أجابوا بشكل صحيح لأنهم أذكياء، أما المجموعة الثانية فقيل لهم إنهم أعطوا إجابات صحيحة لأنهم «بذلوا جهدًا».

في الخطوة التالية، أعطى الباحثون الأطفالَ امتحانًا آخر أكثر صعوبة ويفوق قدراتهم. وأظهرت النتائج أن مجموعة الأطفال «الأذكياء» لم يعجبهم الامتحان، ولم يرغبوا في الإجابة عليه، بينما رحب الأطفال في المجموعة الثانية «المجتهدة» بالمحاولة.

أعطي الباحثون اختبارًا ثالثًا سهلًا لكلٍّ من المجموعتين. عانت المجموعة الأولىوجاءت نتائجهم أسوأ من الاختبار الأول، رغم أن الاختبارين الأول والأخير كانا بنفس درجة السهولة. أما المجموعة الثانية «المجتهدة» فأجابوا الاختبار بصورة أفضل من المرة الأولى، وأفضل كذلك من المجموعة الأولى من الأطفال «الأذكياء».

الأكثر من ذلك، أن الباحثين أخبروا الأطفال أنهم سينفذون الاختبارات ذاتها في مدرسة أخرى، وطلبوا منهم أن يرسلوا درجاتهم إلى أطفال تلك المدرسة، فكذب 40% من الأطفال «الأذكياء» بشأن درجاتهم، في الوقت الذي كذب فيه نحو 10% فقط من الأطفال «المجتهدين».

قد يهمك أيضًا: العلم والتعليم كأداتي سيطرة على الإنسان

تعاني جيسكا لاهاي من ظاهرة «العقلية المحدودة» في الفصول التي تدرس لها، فالأطفال الذين يُمدح ذكاؤهم على نحو مبالَغ فيه يبذلون الحد الأدنى من المجهود، ولا يقبلون أداء عمل إضافي، ويعزفون عن المخاطرة لو تضمن الأمر احتمالية الوقوع في أخطاء.

تنصح دويك بمدح الجهد المبذول لا النتائج، وتدعو الآباء إلى التحدث إلى أبنائهم عن مسيرة كفاحهم، لأنهم إذا رأوا الأهل يفشلون ثم يعاودون استكمال المسيرة، سيعلمون أن الفشل في مهمة ما لا يعني أبدًا أنهم أشخاص فاشلون.

شجعوا أبناءكم كما لو كانوا أحفادكم

الصورة: Senior Airman Areca T. Bell

أسوأ لحظات الطلبة الجامعيين الذين يمارسون الرياضة كانت رحلة العودة إلى المنزل، لأن الآباء كانوا يمطرونهم بالنصائح دون أن يدعموهم بشكل كافٍ.

تقول كاتبة المقال إننا عادةً ما نُلحق أبناءنا برياضة ما، رغبةً منا في أن يركضوا ويلعبوا، ويتنفسوا هواءً نقيًّا، ويتعلموا روح الفريق. لكن ما أن يُظهروا موهبة وقدرة مميزة من أي نوع، حتى نتحول إلى مهاويس،  فنصرخ في وجوههم بالتوجيهات وتعليمات اللعب التي يعرفونها أكثر منا، ونتهم مدربيهم بالتقصير.

هذا ما دفع بعض فرق كرة القدم إلى تطبيق ما يسمى مباريات كرة القدم الصامتة، التي يُحظر فيها على المدربين وأولياء الأمور إحداث جلبة في أثناء اللعب، من أجل أن يستعيد الأطفال متعة ممارسة الرياضة دون تشويش.

يحكي مدربا رياضة سابقَين أنهما عندما سألا الطلبة المنخرطين في الرياضة في جامعاتهم عن أسوأ ذكرياتهم الرياضية، اتفقوا على أنها رحلة العودة إلى المنزل، إذ كان الآباء يمطرونهم بالنصائح دون أن يدعموهم بشكل كافٍ.

تنصح لاهاي الآباء بأن يشجعوا أولادهم في أوقات لعب المباريات كما لو كانوا جدّاتهم، لأن الجدات تشجعن فقط، بغض النظر عن النتيجة. الجدات لا ينتقدن خطة المدرب، ولا يعترضن على صافرة الحكم، وحتى في حالة الخسارة المخزية، يدعمن الأحفاد بشكل كامل، ويقدمن لهم الحب غير المشروط.

المعلم شريكك، ليس خصمك

الصورة: Mark Herlihy

تعتبر جيسكا لاهاي أن تبادل الحديث بين المدرس والطالب كفيل بأن يقي من كثير من المشاكل، لكن الأمر ليس بهذه السهولة بالطبع.

لتطوير علاقة أفضل بين المدرسين والآباء، يمكن لأولياء الأمور أن ينبهوا المعلمين إلى الأحداث المهمة للأسرة.

تذكر لاهاي في كتابها مواقف عدة طالبها فيها الآباء بتعديل درجات أبنائهم، أو رفضوا اعتبار التحديات التي تواجه الأبناء فرصة للتعلم. التعليم صار «عملية شد وجذب» بين قوى متعارضة، فالآباء يريدون من المدرس أن يكون أكثر حزمًا وصلابة في التعامل مع أبنائهم، بينما يرفضون الدروس الصارمة باعتبارها «شديدة الصعوبة»، أو سببًا في حدوث «إحباط شديد» لأبنائهم.

تعطي لاهاي الآباء عددًا من النصائح لصياغة علاقة أفضل بين المدرسين والآباء، لكن المثير للحزن هنا أن كثيرًا منها بديهي جدًّا، وفق الكاتبة:

  1. التعامل بلطف وتهذيب، وإعطاء الأبناء انطباعًا بأنهم يحترمون التعليم.
  2. التريث ليوم واحد قبل مراسلة المدرسة بشأن ما يعتقدون أنه حالة طارئة أو أزمة.
  3. إحاطة المدرسين علمًا بالأحداث المهمة التي تمر بها الأسرة.
  4. مساعدة الأبناء على التعبير عن أنفسهم، عن طريق تخيل المحادثات التي قد تدور في المدرسة والتمرن عليها في البيت .

تدعو لاهاي في كتابها إلى ترك الأبناء يخوضون تجربة التعليم باستقلالية أكبر دون خوف من الفشل، وتنصح الآباء بمدح الجهد الذي يبذلونه وليس الذكاء، حتى يفوق الأبناء التوقعات، فتشجيع الأبناء ينبغي أن يكون غير مشروط بالنتائج. كذلك، على الآباء أن يكونوا أكثر احترامًا وتقديرًا لدور المدرس. بهذه الطريقة، سيكون لدينا أبناء أقل اعتمادًا على الأهل، وأكثر كفاءةً في إنجاز مهامهم.