في مصنع خيال الطفل

هل هناك عمر يناسب كل الأطفال لدخول المدرسة؟

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


مع بداية كل عام دراسي، تلجأ عائلات عدة إلى إلحاق أطفالهم بالمدارس منذ سن مبكرة، بقصد كسب بعض السنوات في مسارهم التعليمي، أو لمنحهم دفعة في السباق المحموم مع أقرانهم على وظائف المستقبل.

لم ثُجمِع خبراء التعليم على السن المناسبة لإدخال الأطفال المدارس، ففي بعض البلدان، تنطلق الدراسة النظامية في سن الخامسة، وفي أخرى في السادسة، بينما تجعل بلدان أخرى سن السابعة بداية مشوار التعلم.

قبل الانخراط في التعليم النظامي، يَعمد أولياء الأطفال إلى إدراجهم في برامج الحضانة، التي تُعَد في نظر كثيرين خطوة ضرورية تُسهِّل عبورهم إلى المرحلة التالية، فهناك يتسنى لهم المشاركة في جملة من الأنشطة، تتضمن اللعب والاستماع والأغاني، وبعدها الانتقال إلى مرحلة القراءة والكتابة والحساب.

لا توجد سن محددة لإلحاق الأطفال برياض الأطفال، عكس الدراسة النظامية التي تحددها الدولة، فبعض المؤسسات لا تقبل أقل من أربعة وخمسة أعوام، لكن أخرى تسمح بتسجيلهم في سن الثانية أو الثالثة، الأمر الذي يطرح تساؤلات شتى حول تأثير هذا على الأطفال، وكذا العراقيل التي تحُول دون تعميم هذا النموذج.

تجربة فرنسا: التعليم في سن عامين

الصورة: Globe toters

في فرنسا، هناك اتجاه متنامٍ نحو فتح أبواب رياض الأطفال أمام من يبلغون سنتين، إذ قرر المسؤولون عن القطاع اتخاذ هذه الخطوة لضمان المساواة في التعليم بين جميع فئات المجتمع، خصوصًا الأطفال الذين يأتون من خلفيات فقيرة، حسب ما جاء في مقال منشور على موقع «Slate».

صُممت فصول دراسية خاصة للفئات الأقل حظًّا، التي لا يتمكن أغلبها من إدخال أطفالهم إلى مؤسسات الحضانة الحكومية في فرنسا.

نجحت هذه السياسة في رفع عدد الأطفال ذوي السنتين المسجلين في رياض الأطفال والقادمين من أسر ذات دخل منخفض، أغلبها من المهاجرين، الذين يتخوف معظمهم من عدم نجاح أطفالهم دراسيًّا، ويعتبرون إلحاقهم بالرياض في هذه السن المبكرة سبيلًا إلى دفعهم نحو التفوق فور بدء الدراسة النظامية.

لتحفيز المدن الفرنسية على فتح مزيد من الفصول الدراسية لهؤلاء الأطفال، تتكفل الحكومة بدفع أجور المعلمين، بينما تتحمل كل منطقة باقي التكاليف. ورغم اعترافها بصعوبة تعميم هذه البرامج على المناطق كلها، فالحكومة تنوي المضي قُدمًا في دعم هذه السياسة، وتهدف إلى إلحاق جميع الأطفال ذوي السنتين بالرياض تدريجيًّا.

قد يهمك أيضًا: هل ينبغي تعليم المشاعر في المدارس؟

صُممت هذه الفصول الدراسية لتأخذ في اعتبارها الفئات الأقل حظًّا، التي لا يتمكن أغلبها من إدخال أطفالهم إلى مؤسسات الحضانة الحكومية المنتشرة في فرنسا، وذلك لأن الأماكن المحدودة في هذه المؤسسات عادةً ما تذهب لصالح الأسر متوسطة الدخل.

يُعطي هذا البرنامج الأسبقية للأطفال القادمين من عائلات محتاجة، ويلقي بهم في بيئة تعودهم على اللغة والعادات والأعراف الفرنسية منذ نعومة أظفارهم، وفي مقدور الآباء الحضور والمشاركة في الأنشطة داخل الفصل، دون أن يعرقل هذا مسار تعلم الأطفال.

هل يلائم هذا حداثة سن الأطفال؟

الصورة: Christine Cabalo

من المشاكل التي تواجه إلحاق الأطفال في عمر سنتين بمدرسة، عدم كفاية التدريب الذي يتلقاه المدرسون للتعامل معهم في هذه السن.

لا تشبه هذه الفصول الجديدة ما هو عليه الحال داخل صفوف التعليم النظامي، حيث يصطف الأطفال في طوابير لا يحيدون عنها، بل توفر لهم حرية ممارسة أنشطة تعليمية مختلفة، جُلُّها بواسطة الألعاب، يتعلمون خلالها مهارات متنوعة عبر التفاعل مع المعلمين وباقي الأطفال في الفصل.

لكن هناك من يرى أن إلحاق الأطفال بأي مؤسسة تعليمية، وهم بعد في سن الثانية، قرار مبكر جدًّا لعدة أسباب، من بينها نوعية المقاربة التربوية المطبقة داخل الفصول الدراسية، وكذلك نسبة العاملين في القطاع، والبيئة التي يتعلم فيها الأطفال.

تتمثل إحدى المشاكل التي تواجه تنفيذ هذا البرنامج على نطاق واسع في عدم كفاية التدريب الذي يتلقاه المدرسون بخصوص التعامل مع الأطفال في هذه السن، إذ يحتاجون بدرجة كبرى إلى أحضان والديهم، بالإضافة إلى قلة عدد المعلمين المخصصين لهذه الفصول.

كذلك، ونظرًا لأن هؤلاء المدرسين يتلقون أجورًا أقل من معلمي المدارس الحكومية، فإن معظمهم غير مستعد لفِعل أكثر مما هو مطلوب منه داخل الفصل.

قد يهمك أيضًا: الفلسفة تحسن أداء الأطفال في المدرسة

تختلف التجربة الفرنسية عن المحاولات الأمريكية المشابهة التي حاولت تطبيقها في مدارس حكومية، بغرض الاستفادة من أعداد المدرسين العاطلين عن العمل لتطوير المدارس المهجورة، وكذلك برامج تعليمية مشابهة مثل «Educare»، الذي يعتمد على المزج بين التمويل الخاص والحكومي للمساعدة على دمج صغار السن.

ما يمكن الخروج به من تجربة فرنسا أنه ليس من المبكر بدء تعليم الأطفال في سن الثانية، لكنه مبكر بالفعل بالنسبة لرحلة التعليم النظامي بقواعدها الحالية، فرغم أن أبناءنا وإخوتنا الصغار سيكونون على تعلُّم أشياء كثيرة، فإنهم لا يزالون أطفالًا، وهو ما ينبغي تذكره عندما ننوي إلحاقهم بمقاعد الدراسة.