كالنقش على الحجر

هل ينبغي تعليم المشاعر في المدارس؟

الصورة: akshayapatra

مشاعرنا التي نخفيها، أو لا نعترف بوجودها أصلًا، قد ترهق أعصابنا أو تشعل الخلافات أحيانًا، وربما لم يعلِّمنا أحد كيف نحدد ما نشعر به في لحظة معينة، أو كيف تتملَّكنا عاطفة بعينها، أو كيف ندير أحاسيسنا بصورة ناجحة، فكان علينا أن نفعل كل هذا بطريقتنا.

لهذا يرى عدد من الباحثين ضرورة أن تلعب المدرسة دورًا يساعدنا في التعامل مع ما يعترينا من مشاعر مختلفة، وأن المهارات العاطفية لها نفس الأهمية التي نوليها للعلوم والحساب، وكانت هذه الرؤية موضوعًا لمقال منشور على موقع «TED Ideas».

ما أهمية تدريس المشاعر على أي حال؟

الصورة: Stephanie

ربما تبدو الفكرة كلها غريبة، فالمشاعر فطرية وليست بحاجة إلى تدخل من المدرسة أو حتى الوالدين من أجل أن تتطور بصورة سليمة، لكن الأبحاث تشير إلى أن من يتمتعون بمهارات عاطفية أعلى يكون أداؤهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية أفضل، وينخرطون بدرجة أقل في سلوكيات غير صحية، ويعني هذا أن تدخُّل المدرسة للمساعدة في التطور العاطفي للطفل قد يكون صحيًّا.

إضافةً إلى ذلك، فإن المهارات الناعمة، التي تشمل المثابرة والقدرة على إدارة الضغوط والتواصل الفعال، هي ما يجعل البشر مميزين عن الماكينات، وهناك جهود متزايدة في المدارس الأمريكية للتركيز على التعليم الاجتماعي والعاطفي، لكن حتى تلك المناهج تركز أساسًا على مهارات مثل التواصل والتعاون، لا المشاعر.

كيف إذًا يمكن للتنشئة المدرسية المبكرة أن تعمل على توجيه الأطفال في المجال الواسع للمشاعر الإنسانية، من أجل تعليمهم فهمها والسيطرة عليها؟

أول واجباتك المدرسية: توقف عن إخفاء مشاعرك

الصورة: Myriams-Fotos

أحد أبرز البرامج المدرسية لتعليم المشاعر برنامج «رولر»، ويُستخدم في أكثر من ألف مدرسة داخل أمريكا وخارجها.

بحسب أستاذ علم الاجتماع «توماس شيف»، كثيرًا ما يتعلم الأطفال أن يتجاهلوا مشاعرهم أو يخفوها، إذ تعتبر بعض المجتمعات التعبير عن العواطف تجاوزًا أو تضييعًا للوقت، ومع أن مشاعرنا تعطينا معلومات قيمة عن العالم، فإننا كثيرًا ما نتعلم أن لا نستمع إليها.

أحيانًا يخفي الناس شعورًا معينًا وراء شعور آخر، وهو أمر خطير كذلك، ويرى شيف أن الرجال خصوصًا ينزعون إلى إخفاء مشاعر الخجل تحت ستر الغضب والعدائية، بل والعنف في كثير من الأحيان، وكلها عادات سيئة يجب أن تحرص التربية المبكرة على التخلص منها.

اقرأ أيضًا: تحكم الوالدين يجعل الأطفال أميَل إلى القلق وجلد الذات

أحد أبرز البرامج المدرسية التي تدرس المشاعر برنامج «رولر»، الذي طوره مركز جامعة ييل للذكاء العاطفي عام 2005، ويُستخدم حاليًّا في أكثر من ألف مدرسة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وله خمسة أهداف: تعرُّف الشخص إلى مشاعره ومشاعر غيره، وفهم أسباب وعواقب العواطف، وتصنيف العواطف باستخدام مفردات دقيقة ومتنوعة، والتعبير عن المشاعر، وإدارتها بطرق تساعد في التطور.

لا يعني هذا أن يتعلم الأطفال المشاعر محاولين التعرف إلى أسمائها الدقيقة وتصنيفها في مجموعات، كما لو كانت فرعًا من العلوم، وإنما يعني أساسًا أن يفهموا مشاعرهم الخاصة في سياقاتها الواقعية.

كيف نتعامل مع عواطفنا؟

كيف تُصنَّف المشاعر وفقًا لبرنامج «رولر»؟

تقول كاتبة المقال إن الاستراتيجية المتبعة هي تعليم الأطفال أن يركزوا على الأسباب الحقيقية لمشاعرهم، بدلًا من التيه في محاولة تعريفها. وتنصح «روبين ستيرن»، وهي إحدى المشاركات في تطوير برنامج «رولر»، بمحاولة فهم المعالم العامة التي تشكل العاطفة التي نشعر بها، من أجل السيطرة عليها.

ومع أن مشاعر الغضب تختلف في صورتها من شخص إلى آخر، فإن موضوعها أو سببها يكون واحدًا في العادة، وهو التعرض للظلم، أما مشاعر الخذلان فيفجرها عدم تحقق توقع ما، ويكون سبب الإحباط غالبًا تعذر الوصول إلى الأهداف، ويساعد تحديد السبب الحقيقي وراء شعور معين في التعامل معه بطريقة صحيحة.

يجب تعليم الأطفال كيف «يبحرون وسط مشاعرهم بدلًا من أن يتخبَّطوا في أمواجها».

تُدمَج دروس «رولر» في كل المواد الدراسية، فلو كان الشعور بالابتهاج مثلًا هو الموضوع العاطفي محل النقاش والبحث، يطلب مدرس التاريخ من طلابه أن يربطوا ذلك الشعور بحدث تاريخي، مثل انتصار أحد الجيوش، ويمتد الأمر إلى أنشطة خارج الفصول الدراسية، عن طريق تشجيع الأطفال على التحدث مع أولياء أمورهم عن مناسبات شعروا فيها بالابتهاج.

وجد الباحثون في مركز ييل أن المدارس التي تعتمد نظام «رولر» تشهد مضايقات أقل بين الطلاب، وتتميز بمعدلات أقل من التوتر والإحباط، ويكون طلابها أكثر استعدادًا لتولي القيادة، ويحصلون على درجات أعلى،  ممَّا يشجع على تعميم التجربة على نطاق أوسع.

قد يعجبك أيضًا: هل علينا أن ندرس الفنون؟

لكن.. ما هي العواطف؟

كيف يستجيب الجسم للمشاعر المختلفة؟

يتفق العلماء والمعلمون على الحاجة إلى تدريس العواطف، لكنهم يختلفون في ماهيتها وعددها، ويتضمن منهج «رولر» مئات الكلمات الواصفة للعواطف، مثل: فضولي، مُنتَشٍ، يائس، محبَط، غيور، مرتاح، محرَج، ويضع علماء آخرون قوائم مختلفة متفاوتة العدد. ويقول شيف إنه يبدأ بتعليم الطلاب عن ست عواطف أساسية، هي الحزن والخوف والغضب والفخر والخجل والإنهاك.

عندما بدأ تدريس علم النفس باعتباره علمًا منذ أكثر من قرن، كان التركيز فيه على تحديد صور الخلل النفسي وعلاجه، ولم يهتم العلماء كثيرًا بالدراسة المتأنية للظواهر «السَّوِيَّة» الطبيعية. ويقول شيف، الذي قضى سنوات في دراسة شعور «الخجل» وحده والبحث في تأثيره المدمر على سلوك البشر، إن العامة والباحثين على حد سواء لا يعرفون الكثير عن العواطف، حتى لو ظنوا غير ذلك.

كيف يدرب الآباء أبناءهم على التعبير عن عواطفهم؟

الصورة: Serkan Göktay

وفقًا للمقال، يمكن أن يحفز الآباء الوعي العاطفي لدى أبنائهم باستخدام طلبات مثل «حدثني عن أفضل اللحظات في حياتك»، وهي العبارة التي يستخدمها شيف لتحفيز طلابه الجامعيين على النقاش بشأن مشاعرهم، ويجب على المدارس بالطبع أن تسلك الطريق نفسه ولا تنتظر حتى يحدد الأكاديميون مسميات العواطف وعددها.

قد يهمك أيضًا: الفلسفة تحسن أداء الأطفال في المدرسة

يعرف البشر أن بداخلهم مشاعر طَوَال الوقت، سواء كانوا على وعي بها أم لا، وفق ستيرن، الذي يرى ضرورة تعليم الأطفال كيف «يبحرون وسط مشاعرهم بدلًا من أن يتخبَّطوا في أمواجها».

تصنع مشاعرنا ذاكرتنا وتتحكم في قراراتنا وتؤثر في صحتنا، فلا يُتصوَّر أن نتجاهلها أو نكبتها أو نخفيها، وإنما علينا أن نتعلم كيف نديرها على النحو الذي يجعلنا أنجح وأسعد.

, , ,