في مصنع خيال الطفل

أدب الأطفال الأمازيغي: بين غرابة الحكاية وضرورة التدوين

الصورة: Getty/Eye Ubiquitous

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


غالبًا ما تكون لحكايات الجدات والأمهات نهاية حكيمة، هي تلك الأخلاق التي جُبلنا عليها ونحن صغار، كما تربى في كنفها آباؤنا وأجدادنا، أخلاق الشهامة والرجولة، الحشمة والحياء، الصدق والوفاء، الفطنة واستدعاء النباهة في كل حين، أخلاق تطبع الواقع في هذه الأرض، أي شمال إفريقيا، وتجسد عُرفًا يؤطر العلاقات بين أفراده في أدق تفاصيلها.

كانت الحكاية في ما مضى تلعب الدور الرئيسي في تثقيف الناشئة، الدور الذي آل إلى التلاشي بعد سطوة أدوات الإعلام الجديدة، مغيبًا حميمية الجلسات التي كانت تطبع أماسي الطفولة، وتلك العلاقة الفيزيائية والسيكولوجية التي كانت، إضافةً إلى دورها التربوي والترفيهي في آنٍ واحد، محدِّدًا للتماسك الاجتماعي ومتانة العلاقات الرمزية داخل الأسرة.

للحكاية الأمازيغية خصوصيات فريدة من ناحية الشكل والمضمون، تحيلنا تراكيبها إلى غِنى الثقافة السائدة غرب النيل. وكونها شفهية يهددها أكثر بالانقراض، ما يعني طمس أحد أهم جوانب الهوية الثقافية للمنطقة، الشيء الذي دفع بعض المهتمين إلى العمل على تدوينها وبذلك صيانتها من الاندثار، رغم أن الضرورة تحيل أكثر إلى التعريف بها، كتجربة فريدة تراثية عريقة من أدب الأطفال.

الحجاية/الحكاية وخصوصيتها

برنامج «ألف لام» يأخذ من الحكاية التراثية مادة له

الحكاية عالمية المنشأ، لهذا تجد بين القصة الأمازيغية وبين حكايات شاعت عند ثقافات أخرى مجموعة من التقاربات إذا لم نقل تطابقًا، كما يوضح جميل حمداوي، أستاذ الدراسات الأمازيغية في جامعة عبد المالك السعدي في المغرب.

حمداوي يخبر «منشور» أن ذلك يعود إلى التلاقح الثقافي الذي عرفه الأمازيغ طوال تاريخهم مع من جاورهم من شعوب، فطال حكايا تلك الشعوب «تمزيغ»، لذلك تجد في الحكاية الأمازيغية عنترة وسيف بن ذي يزن بطلين لـ«حجاية» ترويها جدة أو أم في الريف شمال المغرب.

تُروى الحكايات بطريقة هادئة في جو فانتازي مبالِغ، فتفتح لسامعٍ سماءً من الصور الملونة، وتحرره مما يقيده في الواقع المادي.

لكن رغم التقارب الكبير، نجد أن للحكاية الأمازيغية خصوصية مميزة عما اختلف عنها في بقاع العالم. ويتجلى هذا التميز في عدد من العناصر، يمكننا تلخيصها حسب البحث المعنون «مدخل لدراسة الحكاية الأمازيغية»، لمحمد أقضاض، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة محمد الخامس بالرباط، في:

1. زمن الحكاية:

دائمًا ما يكون ليلًا، بعد انتهاء العائلة من شؤونها اليومية. أولًا لأن الليل وقت الراحة والسمر في مجالس حميمية عائلية، وثانيًا لأن نقيضه النهار وقت الانشغال بأمور المعيش، الرجال في العمل خارج البيت و النساء داخله، فلا وقت للحكي حينها.

لذلك ابتدع الأمازيغ الأسطورة القائلة بأن «من يحكي الحجايات في النهار سيصاب بالصلع، أو يفقد الأبناء شعرهم» لإثناء الأطفال عن الطمع في قسط من متعة الحكي خلال ساعات انشغال الكبار. أسطورة تحولت في ما بعد إلى اعتقاد إيماني، كعديد من المعتقدات الشعبية التي كان الأساس منها مادي اجتماعي.

2. الراوي

غالبًا ما تكون وظيفة رواية الحكاية الشعبية في المغرب العربي منوطة بالنساء. وجبت الإشارة إلى أن هذا لا يعني عدم وجود رواة رجال، بل بالعكس، فالرجال جعلوا من الرواية مهنة قائمة بذاتها خارج أسوار البيت، أي في المقاهي والساحات العامة، وهي ما يُعرف في الثقافة المغاربية بـ«فن الحلقة».

مَرَدُّ احتكار المرأة هذه المهمة أنها جزء من مهمة أكبر هي تربية النشء، حسب ما يتعارف عليه المجتمع الأمازيغي، وبذلك تجعل الأم ارتباطها بطفلها أكثر متانة، وارتباطه باللغة الأم من خلال ما ينطق على لسان الأم من مقاطع لُغوية جمالية، شيقة وممتعة، «فتضحي الحكاية برنامجًا ضمنيًّا في التكوين اللغوي والتربوي/القيمي»، كما يوضح لنا البحث.

3. عتبات الحكاية

كما في باقي الحكاوي في العالم، للحكاية الشعبية الأمازيغية عتبات، للبداية وللنهاية، وكأنها حواجز تفصل زمن الخيال عن الواقع، والجد الحقيقي عن الخرافة.

تكون البدايات، كما المتعارف عليه، بصيغٍ لُغوية بسيطة، تجتذب انتباه السامع بالتشويق أو بالسخرية، مهمتها إدخال المتلقي في جو الحكي العام. فمثلًا في المغرب تشيع عبارة «حا جيتك ما جيتك، حا جيت أنه كان في زمن كذا، شخص كذا...»، وهي افتتاحية لعملية الحكي، تمتزج في صياغتها اللغوية العربية بالأمازيغية.

نُطق الكاف جيمًا متواتر عند العرب، وبذلك يعود «الحَجْي» كلمة عربية فصيحة، تُصرَّف تصريفًا أمازيغيًّا. وتابعها «ما جيتك» في الأصل هي «ما رجيتك»، وهي كلمة عربية أيضًا، غير أن الراء لا تُنطق عند مجموعة من القبائل الأمازيغية.

والقفلة دائمًا ما تكون فاصلًا، تعلن بصيغة المدح والمواساة نهاية الرحلة الخيالية ومتعتها، فتأتي على شكل «حجايتي مشات الواد الواد وأنا بقيت مع ولاد الأجواد»، وإذا حاولنا ترجمتها حرفيًّا إلى الفصحى، نفهم أن الحكاية ذهبت مع سير الوادي، أي انتهت ولم يفضل منها شيء، بينما الراوية باقية بصحبة الصغار ذوي الأصول الفاضلة والكريمة.

اقرأ أيضًا: لماذا أفسدوا ليالي طفولتنا بحكاياتهم المخيفة؟

أما من ناحية المضمون، تُفصح لنا بجلاء عن سمات العقل الأمازيغي المرتبط بالطبيعة، بما تنتجه الأرض، بالصراع الأخلاقي الطاحن بين الخير والشر، بين البطولة والجبن. تأخذ عدة موضوعات ورمزيات، من خِضَمِّ المعيش اليومي كقصص الضَّرائر، قصص الحسناء ذات الشعر الطويل الذي يعد رمزًا من رموز الأنوثة، والأبطال، أسطوريين كانوا كالأغوال، أم تاريخيين كسيدي محمد بن عبد الكريم الخطابي.

كانت الأمهات في «عام الجوع» تُلهي بطون أطفالهن بالحكاية، ينصبن نار المطبخ موهمات الأبناء الجوعى أن الغذاء في طريق الإعداد.

تُروى الحكايات بطريقة شاعرية هادئة، تزيدها لغتها المتراصة المسجوعة نغمًا أصيلًا خاصًّا بها، في جو من الفانتازيا والمبالغة في الصفات الجسدية والأحداث المتخيلة، تفتح لسامعٍ سماءً من الصور الملونة، يتحرر بها من كل ما يقيده في الواقع المادي، وتمنحه الحكمة زبدها والغرض من نسج خيوطها، حكمة تنحَت شخصية الطفل بإزميل الأخلاق، والانتصار الدائم للفطنة والنباهة الخيرة.

تحيلنا سيليا الزياني، الفنانة المهتمة بالثقافة والهوية الأمازيغية، في كلامها مع «منشور» إلى أن الحكاية الأمازيغية من أعمق سمات هوية أصحاب الأرض، الملازمة لهم على مدى تاريخ وجودهم، تعيد منها المواقف والأزمات وعاءً لحمل هموم وآلام الشعب، وأداةً تعين على تعزية النفس وتخطي الواقع.

تعطي سيليا مثالًا على قولها، ففي «عام الجوع»، أي المجاعة التي عرفها المغرب خلال أربعينيات القرن الماضي، كانت الأمهات تُلهي بطون أطفالهن بالحكاية، ينصبن نار المطبخ موهمات الأبناء الجوعى أن الغذاء في طريق الإعداد، بينما تقوم الحكاية مقام المخدر، ينام الأطفال على وقعها متناسين الذئاب التي تعوي في أحشائهم الصغيرة.

أدب الأطفال الأمازيغي: من الشفوي إلى الكتابي

الكوميكس الأمازيغي «تاريخنا» - الصورة: Agenda Culturel Amazigh

الثقافة الشمال إفريقية، والأمازيغية بالخصوص، شفهية بامتياز وتنتقل عبر الألسن، حتى في أكثر مجالاتها تخصصًا، كالعلوم مثلًا. فقلما دَوَّن الأمازيغ معارفهم، بل تركوا أغلبها متناقلةً من فم إلى أذن، مما يضع الباحث فيها أمام صعوبة جمة في تحديد مراجعها وأسس المعرفة فيها، ويضع مجموعة من مظاهرها آيلة للنسيان أمام ما يترصدها من عولمة.

قد يكون الإحجام عن التدوين ضرورة تاريخية في بعض المراحل، كان الهَمُّ فيها هو أمور المعيش المادية، أو إيمان مسبق بأن الذاكرة الحية أكثر قدرةً على تخزين المعطيات، وهكذا قدَّر الأمازيغ مَلَكَة الحفظ أكثر من مَلَكَة الكتابة، أو ربما هو تأخُّر في سيرورة التاريخ المفروضة على كل أمة بمراحل، تتطور فيها وتُطوِّر من أدواتها لضمان بقائها.

لا معطى مؤكدًا حول هذا الشأن، والاصطدام بالمستعمر مؤخرًا حفَّز جنوح الأمازيغ لهويتهم، في مقابل هوية عربية هي التي حملت ظاهريًّا همَّ رد الغزو الثقافي، من الممكن أنَّ تفَطُّنَ الأمازيغ المتأخر كان وليد تلك التجربة الفريدة والحية، ومعيارًا مستجدًّا يثبت تجريبيًّا كيف يمكن لثقافة ما أن تحارب من أجل بقائها، هذا في نظري أساس تنامي الحس الهوياتي المتأخر بين مكونات شعب المنطقة.

وأكثر ما كان للمستعمر السبق في أرشفة المعارف السائدة في مستعمراته، وهذه ميزة عُرفت أكثر عند الفرنسيين، ميزة تسمى بصريح العبارة، ودون أدنى حرج تاريخي، «دراسات كولونيالية»، وهكذا نجد أن أول وأغلب ما دوِّن عن الأمازيغ فرنسي.

الأدب الأمازيغي بدوره لم يخرج عن السيرورة العامة لمعارف الأمازيغية، أي أن انتقاله من الشفوي نحو المكتوب في النصف الأخير من القرن العشرين ثابت، مرورًا بمرحلة التدوين الكولونيالي من طرف باحثين أجانب. هكذا نجد أن المتون الأولى الجامعة لأدب الأمازيغ بأقلام فرنسية، مثال كتابات «هينري باسيه» (1920).

هذا التحول لم يكن أثره محافظًا يتلخص في نقل الشفوي إلى الكتابة، بل أسهم أيضًا في إثراء الإبداعات الأدبية الناطقة بالأمازيغية بأجناس مستجدة وغير تقليدية، وهكذا برزت لنا الرواية الأمازيغية والقصة الأمازيغية وقصص الأطفال خارج تقليد الحكي التراثي الشائع، والقصيدة الأمازيغية خارج الأشعار الغنائية القديمة، كما يوضح لنا الباحث محمد الزروالي في مقاله «السرد في الأدب الأمازيغي الحديث».

اعتمد هذا الانتقال من الشفوي إلى المكتوب على العمل التجديدي في مستويين، كما تُبيِّن لنا الدراسة النقدية التي أجرتها الأستاذة المتخصصة في الأدب الأمازيغي، نجاة نرسي، لأسطورة «حمو أونامير» ذائعة الصيت في جنوب المغرب. هذان المستويان هما المستوى اللساني والمستوى الأسلوب، وهذا العمل الذي أسهم في إنتاج مفهوم جديد وصيغة متطورة عما سبق من حكي هو الرواية الأمازيغية.

باتت الحاجة لأدب أطفال أمازيغي ضرورة ملحة في ظل إقرار تدريس اللغة الأمازيغية، لأن المقررات المدرسية متعطشة لمساهمات أدبية تُثري محتواها.

من ناحية اللغة، أدى هذا التحول، المؤسَّس مسبقًا على مطلب إيجاد لغة معيارية موحدة لكل اللهجات الأمازيغية، إلى تغير في الصفات الصرفية والإعرابية داخلها، ما يجعلها أكثر استجابةً لوضعها الجديد كلغة مكتوبة موحدة لتفرعاتها المختلفة، مقروءة ومفهومة من كل المكونات اللسانية للعالم الأمازيغي.

مع كل هذه التحولات المستحدثة في بنية النص الأدبي الأمازيغي، جعل منه المهتمون والمدافعون عن الهوية الثقافية الأمازيغية ذا همٍّ أكبر واهتمام أصيل، هو بناء أدب أطفال يربط النشء بلغتهم وثقافتهم الأم، ويضمن لهذه اللغة والثقافة استمراريتها عبر الأجيال الصاعدة، وبميزة الترفيه والتثقيف في آنٍ، انصبَّ العمل أكثر على إنتاج أدب للأطفال مرتبط بتراثه المتنوع وامتداده التاريخي المزهر، وكذا محاين لعصره معاصر لمستجداته.

يوضح لنا شاعر الطفل الأمازيغي محمد عبابو أن الحاجة إلى أدب أطفال أمازيغي باتت ضرورة ملحة في ظل إقرار تدريس اللغة الأمازيغية، فالمقررات المدرسية لا تزال متعطشة لمساهمات أدبية تُثري محتواها وتضيف، وفي هذا الإطار أتى ديوانه الشعري الذي عنونه «تيتريت واس»، أي «نجمة الفجر» باللغة العربية، الذي نشره سنة 2015.

عبابو يوضح لـ«منشور»، أن صور قصائده مستوحاة من التراث الحكوي الأمازيغي المتوارَث عن الأجداد، وتدور حول مواضيع أخلاقية، تحثُّ النشء على حب الوطن والبر بالآباء والتحلي بمكارم السلوكيات التي تجعل من صاحبها شخصًا فاضلًا.

ما يعيبه نفس الشاعر، يشير إليه الرسام الشاب والكاتب محمد كاراوي، المهتم بالثقافة الأمازيغية، على أنه رغم الحاجة الكبيرة إلى إنتاجات أدبية وفنية أمازيغية تهم الأطفال، فإن التقصير والإهمال يبقيان السمة الأساس في تعامل المسؤولين الحكوميين مع الإنتاجات الجديدة من هذا النوع من الأدب.

حامل مشعل الأدب الأمازيغي

الملك محمد السادس يتحدث عن أهمية الثقافة الأمازيغية في المغرب 

يعود تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى عام 2001، حين أعلن عنه الملك في خطاب أجدير التاريخي بكل المقاييس، اعتبارًا لرمزية التاريخ، الذي يعد «خطاب أجدير» عادة ملكية مكرسة من الملوك الثلاث لعائلة العلوية، واعتبارًا آخر لرمزية المكان الذي هو قلب الهوية الأمازيغية في المغرب.

يُعتبر المعهد مؤسسة سابقة في المجال المغاربي، متخصصة في تنمية والعناية بالثقافة الأمازيغية، والداعم الأبرز لكل مكوناتها، التي في صلب اهتماماتها يأتي الأدب الأمازيغي، وأدب الأطفال كجزء منه.

يوضح رشيد خلافي، أحد أُطُر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن المعهد هو المؤسسة الوحيدة المنوط بها النهوض باللغة والثقافة الأمازيغية، وتتمحور جهودها حول إدماج الأمازيغية في النظام التربوي ومتابعة تطورها كلغة، وفق المقاييس الحديثة والأدوات العلمية.

اقرأ أيضًا: أمازيغ في منطقة صارت عربية: صراعات الهوية واللغة والدين

لهذا الغرض أقام المعهد الملكي مركزًا لأبحاث الديداكتيكية والبيداغوجية، وأنتج عددًا مهمًّا من الإبداعات الأدبية المخصصة للأطفال، ويتكلف بمهمة إعداد المقررات المدرسية للغة الأمازيغية. وبهذا يكون المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أحد أسس الدعم لكل ما هو أدب أمازيغي، وخصوصًا أدب الأطفال، لما له من حاجة ملحة على النطاقين التثقيفي والأكاديمي.

غير أن ذات الأستاذ، رشيد خلافي، يؤكد لـ«منشور» أن الاهتمام بأدب الطفل من طرف الجهات الحكومية في المغرب لا يزال محتشمًا، ويُرجع ذلك إلى أن الواقع لم ينضج بعد على الجهتين، لدرجة أن الطفل المغربي بدوره لا يقرأ خارج المقرر المدرسي، معبرًا عن طمعه في زيادة تضافر الجهود للدفع أكثر بهذا المجال الإبداعي، وإصلاح نواقصه، وتأكيد ضرورة الاهتمام به اهتمام الأمة بالمحافظة على استمرارها، لأن الهوية الأمازيغية هوية الأرض، والطفل منبت هذه الأرض وعَمَارها.