في مصنع خيال الطفل

عاد إليكم من جديد: كابتن ماجد، أفضل لاعبي طفولتنا

الصورة: TV Tokyo

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر أكتوبر «في مصنع خيال الطفل». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


أقف منتصب القامة تمامًا، مقطبًا جبيني في جدية واضحة، ممسكًا بكرة قدم خلف ظهري حتى لا تظهر في المشهد، ثم أطوح الكرة أمامي وأقفز لأركلها بكل ما أوتيت من قوه صائحًا: «ضربة النمر»، ثم أرتطم بالسرير في سعادة جنونية.

لا أستطيع أن أحصي كم من المرات نفذت فيها ضربة النمر بمختلف الأشكال، ولا عدد المرات التي تعرضت فيها للتوبيخ بعد تنفيذها، ذلك أن ضربة النمر تحتاج إلى قوة هائلة مثل تلك التي يمتلكها بسام، مما يؤدي إلى بعض التلفيات في البيت، لكني متأكد تمامًا أنني في كل مرة كنت أشعر بأقصى سعادة يمكن لطفل أن يشعر بها.

«كابتن تسوباسا» مسلسل كارتون ياباني ترجع أصوله، كما هي العادة، إلى قصص مصورة يابانية (مانغا) بنفس الاسم ونفس الشخصيات، قُدِّم في البلاد العربية مدبلجًا باسم «كابتن ماجد»، وحظي بشهرة واسعه بين الأطفال، نظرًا لكونه يقدم لاعب كرة القدم البطل الموهوب منذ الطفولة، ولأن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى في المنطقة العربية، ولأن البطل هنا طفل، فكانت النتيجة مذهلة: تعلق كثير من الأطفال بماجد وأصبح رمزًا لكرة القدم عندهم.

تتمثل قوة كابتن ماجد كمؤثر مهم في وعي الأطفال، كونه يقدم نموذجًا قابلًا للمحاكاة على أرض الواقع.

بالطبع يمتلك كابتن ماجد بعض القدرات الاستثنائية مثله مثل باقي أبطال «الأنيمي»، إلا إنه في النهاية يلعب كرة قدم، وبعد إذاعة الحلقات تستطيع بسهولة أن تميز ذلك الأثر الذي يتركه في ممارسة الكرة بين الأطفال في الشوارع، بدايةً من الأسماء التي تُوزَّع طبقًا لمهارة كل طفل، فالموهوب «ماجد»، و«الأناني» بالطبع بسام، ولا زلت أتذكر أول مرة أرى قفازات يرتديها طفلًا يلعب كرة القدم في الشارع، لأنه قرر أن يصبح «وليد».

تعدُّد شخصيات المسلسل أتاح للجميع أن يشعروا بأنهم جزء من الحدث، ما بين الموهوب قوي البنية، والمدافع الصلب، وحارس المرمى، حتى الفتيان الأكبر سنًّا الذين تبخرت أحلامهم في احتراف كرة القدم، وجدوا في شخصيات المدربين دورًا محببًا يتيح لهم أن يوقفوا فجأة مباراة بين الأطفال في الشارع لتصحيح بعض الأخطاء.

كان كابتن ماجد صغير الحجم، لكنه امتلك مهارة استثنائية في المراوغة والتسديد، وقدَّر قيمة اللعب الجماعي، وأحبه الجميع.

الآن أصبح هناك جيل بأكمله يتشارك نفس الذكريات، فبمجرد اجتماع عدد من محبي كرة القدم، وبمجرد ذكر كابتن ماجد، تجد سيلًا من الذكريات يتدفق بين الجميع، يكمل الواحد للآخر جملته، كيف انتصر ماجد على وليد بمساعدة ياسين، اللقاء الأول بين ماجد وبسام، كيف اخترقت الكرة شباك وليد بسهولة، المباراة الاستثنائية بين ماجد وبسام التي انتهت بالتعادل واعتبار الفريقان فائزين.

لا تهم جنسيتك، بل يكفي أن تكون متحدثًا باللغة العربية كي تتقاسم تلك الذكريات مع جيلك بأكمله.

اقرأ أيضًا: «الأنيمي»: لمحات من تاريخ الرسوم المتحركة في اليابان

ماجد وبسام، ميسي ورونالدو

هناك من يفضل ماجد ومن يفضل بسام، فهل تلك المقارنة بين طريقتي اللعب تذكرك بشيء؟ نعم بالطبع: ميسي ورونالدو.

كي تَبرز قوة ماجد الكبيرة، كان لا بد أن يظهر له منافسون أقوياء، وهكذا قدم لنا مؤلف المسلسل «يوتشي تاكاهاشي» عددًا من الشخصيات التي تخلق نوعًا من الصراع الدرامي بين ماجد، كلاعب كرة قدم موهوب، وعدد من الشخصيات تأتي تباعًا في الحلقات بخلفيات مختلفة.

إلا أن أهم تلك الشخصيات كان بسام صاحب القوة المفرطة، الذي يرى في كرة القدم لعبة فردية تعتمد على القوة والتدريب المستمر.

«هل يُعقل أن هذا الطفل الصغير هو من سدد الكرة؟»، قيلت هذه الجملة على لسان الحارس الاستثنائي وليد عندما رأي ماجد لأول مرة.

هكذا كان كابتن ماجد، صغير الحجم لكنه يمتلك مهارة استثنائية في المراوغة والتسديد، يقدِّر قيمة اللعب الجماعي، يحبه الجميع، الوحيد القادر على تغيير مجريات المباراة بمهاراته المتنوعة، أنقذت الكرة حياته وهو طفل فالتصق بها واعتبرها صديقته الوحيدة، لديه دومًا حلم الاحتراف في البرازيل والحصول على كأس العالم مع المنتخب الوطني.

على الجانب الآخر هناك بسام، الذي فقد أبيه مبكرًا فقرر احتراف كرة القدم كمصدر للمال حتى يستطيع أن يعول أسرته.

بسام هو خصم ماجد اللدود، لا يعترف أبدًا بأفضلية ماجد عليه، يرى أن كرة القدم تعتمد دومًا على القوة المفرطة، وهذا أهم ما يميزه. يتسم بالأنانية في اللعب، ويرى نفسه أهم لاعبي الفريق، بل هو أفضل لاعب في العالم، يترك الفريق كي يشعر بحاجتهم إليه، يُستبعد من المباريات فيقرر أن يتدرب وحيدًا ويطور من تسديدته فلا يقف أمامها أحد، ومع توالي الأحداث تكتشف أن خلف هذا كله قلب طيب.

دومًا كانت تُعقد المقارنات بين البطلين، فهناك من يفضل ماجد ومن يفضل بسام. هل تلك المقارنة بين طريقتي اللعب تذكرك بشيء؟ نعم بالطبع: ميسي ورونالدو.

ميسي، الذي عانى صغيرًا من نقص هرمون النمو وأنقذته الكرة بعد أن ضمن له نادي برشلونة الإسباني تكاليف العلاج الباهظة بمجرد الانضمام إليه، اللاعب الفذ صغير الحجم صاحب المراوغات الاستثنائية والتسديدات المتقنة، المحبوب من الفريق ككل، الذي تبرز موهبته عبر العمل الجماعي بجانب مهاراته الفردية، يستطيع دومًا أن يغير مجريات أي مباراة بمهاراته المتعددة.

على الجانب الآخر هناك رونالدو، الرجل الذي صنع أسطورته بنفسه، صاحب القوة المفرطة والجسم المثالي، صاحب التسديدات القوية.

رونالدو أيضًا دومًا ما يواجه انتقادات من نوعية أنه يتسم بالأنانية، يرفض وجود لاعبين كبار في فريقه حتى يظل النجم الأوحد للفريق، يؤمن كثيرًا بالتدريبات، يتطور دومًا في مواجهة الزمن، كما أنه الغريم التقليدي لميسي.

نعم، كل ميسي ماجد وكل رونالدو بسام، فالتشابه كبير بين شخصيات الأنيمي والواقع، لكن المقارنة كانت أبسط كثيرًا عند الأطفال، فالطفل كان يقرر ببساطة أنه يفضل ماجد لأنه أكثر مهارة، والآخر يفضل بسام لأنه أقوى، هكذا دون مبررات أو تقليل من إمكانيات الآخر، عكس مقارنات الكبار، الذين ربما تجد أحدهم يعلن أنه يفضل ميسي لأن رونالدو ليس لديه إمكانيات تُذكر، لكنه لم يفعل ذلك صغيرًا مع بسام.

البرازيل نموذجًا لكرة القدم

«يجب أن أذهب إلى البرازيل»، هكذا كان يردد ماجد كثيرًا محدثًا نفسه أو الآخرين، فالبرازيل أرض كرة القدم وجنَّتها، هناك تُلعب كرة القدم الحقيقة، ولكي تذهب إلى البرازيل يجب أن تكون لاعبًا فذًّا.

تلقى ماجد تدريبه الخاص على يد المدرب فواز، لاعب كرة القدم السابق في المنتخب البرازيلي وصديق أبيه، الذي توقف عن ممارسة الكرة لإصابة في عينيه اليسرى.

هكذا، وقع كثير من أبناء جيلي في حب البرازيل كنموذج لكرة القدم. ومع حديث الآباء عن «بيليه» وجيله، ومع مشاهدة الأجيال المتعاقبة للبرازيل خلال الطفولة، صارت البرازيل معشوقة جيل بأكمله، وما زلت أذكر أن أول قميص رياضي أرتديه كان قميصًا لمنتخب البرازيل محلي الصنع، وعلى ظهره حروف باللغة الإنجليزية كوَّنت اسم أسطورة طفولتي: «روماريو».

أحببت كرة القدم مع كابتن ماجد، وكنت أفضِّل بسام في أثناء طفولتي لأنه نموذج قابل للتحقق، وعند المقارنة بين ميسي ورونالدو أحمل كثيرًا من الاحترام للطرفين، ولا زلت أشجع منتخب البرازيل بحرارة، ونعم، إلى الآن أتحدث عن كابتن ماجد وأشاهده.