الشاشة

«بن مهيدي» ليس على مقاس «المجاهدين»: ازدهار الرقابة وتدهور سينما الجزائر

لقطة من فيلم «العربي بن مهيدي»

 لا يعلم المخرج بشير درايس حتى اليوم، إن كان في إمكانه عرض فيلمه الجديد الذي يحكي قصة المناضل الجزائري العربي بن مهيدي في قاعات السينما، أم لا، بعد اعتراض وزارة المجاهدين الجزائرية على مَشاهد في الفيلم، ما أثار ضجة كبيرة وسط السينمائيين الذين رأوا ذلك تضييقًا ورقابة على العمل الإبداعي والثقافي، الذي تضمن حريته مواد الدستور الجزائري، ورأوه أيضًا تكريسًا للفكر الواحد في ميدان أساسه الاختلاف والرؤى المتباينة.

حالة فيلم «العربي بن مهيدي» ليست الأولى في تاريخ الرقابة على الأفلام السينمائية في الجزائر، وبخاصة منذ أن دخلت البلاد عهد التعددية مع دستور 1989، في مشهد معاكس لما كان منتظَرًا، فالسينما الجزائرية عاشت أزهى أيامها في مرحلة الاشتراكية (1965-1988)، واستطاعت وقتها الفوز بالسعفة الذهبية من مهرجان «كان» السينمائي الدولي، الوحيدة عام 1975، عن فيلم «وقائع سنين الجمر» للمخرج محمد لخضر حامينا.

أما الآن، فما زال فيلم «سنوات الإشهار»، إخراج وتمثيل عثمان عريوات، ممنوعًا من العرض (بدأ تصويره عام 2002، وتوقف مرات عدة، وانتهى تصويره في 2008) بسبب تضمنه انتقادات للوضع السياسي الذي عاشته البلاد في السنوات الأخيرة. مع ظهور بصيص أمل مؤخرًا، عندما أعلن وزير الثقافة عز الدين ميهوبي، إمكانية رفع الحصار المفروض على الفيلم وتقديمه للجمهور مستقبَلًا.

يعاب على مواد الرقابة السينمائية أنها فضفاضة، فهي لم تحدد متى يكون الفيلم «مسيئًا للأديان أو الثورة التحريرية أو يمس بالنظام العام».

رغم نقص الإنتاج السينمائي في الجزائر السنوات الأخيرة، فإن حالات منع الأفلام مستمرة. إذ منعت وزارة الثقافة عرض فيلم «شظايا الأحلام» للمخرجه بهية بن الشيخ، من المشاركة في فعاليات اللقاءات السينمائية لبجاية (شرق الجزائر) بحجة أنه يتضمن ترويجًا لمدونين صدرت ضدهم أحكام قضائية.

واستشهدت الوزارة بالمادة السادسة من المرسوم التنفيذي رقم 13-277، المؤرخ في 29 يوليو 2013، والذي جاء فيه أنه «لا يمكن أن تحصل على الموافقة الأفلام السينمائية التي تسيء إلى الأديان، أو ثورة التحرير الوطني ورموزها وتاريخها، أو تمجد الاستعمار، أو تحرض على الكراهية والعنف والتمييز العنصري، وتتضمن المساس بالنظام العام أو الوحدة الوطنية أو حسن الآداب».

يعاب على مواد الرقابة السينمائية أنها فضفاضة لا تتضمن تفاصيل محددة. فهي لم تحدد على سبيل المثال، متى يكون الفيلم «مسيئًا للأديان أو الثورة التحريرية أو يمس بالنظام العام».

كاد فيلم «الوهراني» أن يُمنع من العرض بعد انتقادات لتضمنه مَشاهد تظهر مجاهدين في حالة سكر ويؤسسون مخامر بعد الاستقلال.

ووقع 16 مخرجًا سنيمائيًّا بيانًا نددوا فيه بالرقابة السينمائية، التي تمثلت في رفض السلطات منح التأشيرة الثقافية لفيلمي «فوط أوف» إخراج فيصل حموم و«شظايا الأحلام» إخراج بهية بن شيخ الفقون، في اللقاءات السينمائية ببجاية في 2016 و2018، وفي 2015، رُفِض منح تأشيرة استغلال فيلم «القوى المضادة» إخراج مالك بن اسماعيل.

بسبب تضمن معظم مواد الرقابة بنودًا تشير إلى سينما الثورة التحريرية، كانت الأفلام التاريخية دومًا محل جدل بسبب حساسيتها، واختلاف رؤية الأجيال والتيارات للأحداث التاريخية، فهناك من يرى في رجال الثورة قديسين لا يمكن أن يخطئوا، ولا يجوز النبش في أخطائهم، وهناك من يشدد على تناول تاريخ الجزائر بسلبياته وإيجابياته.

لذلك كاد فيلم «الوهراني» إنتاج 2014، للمخرج إلياس سالم، أن يُمنع من العرض بعد الانتقادات التي وُجهت إليه لتضمنه مَشاهد تظهر مجاهدين في حالة سكر ويؤسسون مخامر (بارات) بعد الاستقلال.

بشير درايس يعلق على منع عرض فيلمه «العربي بن مهيدي»

بعد مرور عاصفة «الوهراني» اندلعت أخرى هذه الأيام، عقب تدخل الحكومة عبر وزارة المجاهدين في تفاصيل فيلم «العربي بن مهيدي»، إخراج بشير درايس، الأمر الذي أحدث استهجانًا واسعًا لدى المدونين على مواقع التواصل وبين المواطنين، وبخاصة أن القصة تتعلق بواحد من رموز الثورة الجزائرية.

العربي بن مهيدي (1923- 1957) أحد أيقونات الثورة الجزائرية ومفجريها، وعُرف بمقولة «ارموا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب». ظل تحت التعذيب حتى قُتِل شنقًا. وله مواقف بارزة في مسار الثورة الجزائرية، مع زملائه المجاهدين ضد الاحتلال الفرنسي، ومنها خلافاته مع بعض قادة الثورة، مثل الرئيس الأسبق أحمد بن بلة.

بعد انتهاء المخرج بشير درايس من تصوير الفيلم الذي بلغت تكلفته نحو 700 مليون دينار (5.8 ملايين دولار)، اصطدم بقرار من لجنة المشاهدة التابعة لوزارة المجاهدين، يطالبه بحذف مَشاهد في الفيلم تراها تحمل مغالطات، ولا تتماشى مع السيناريو المقدَّم إلى الوزارة، وهي أحد أبرز الممولين للفيلم، والتي هددت بمنعه حال بقي على نسخته الحالية.

يقول بشير درايس لـ«منشور»: «من بين التحفظات التي قدمتها الوزارة، حذف مَشاهد تتعلق بالخلاف الذي وقع بين الرئيس الراحل أحمد بن بلة والشهيد العربي بن مهيدي، لأن الوزارة تريد فيلمًا على المقاس»، حسب وصفه.

لمست ملاحظات وزارة المجاهدين الرؤية السينمائية للمخرج، فاعترضت على عدم وجود مَشاهد للمواجهات المسلحة في الفيلم، وعدم الحديث عن جرائم الاستعمار الفرنسي في أحداث الثامن من مايو 1945، التي ذهب ضحيتها نحو 45 ألف جزائري في مدن سطيف وخراطة وقالمة شرق الجزائر، إضافة إلى عدم موافقتها على افتقار الفيلم لمَشاهد تعذيب كثيرة تَعرَّض لها البطل بن مهيدي. وتضمنت ملاحظات الوزارة أيضًا حذف نشيد «قسمًا» (السلام الوطني الجزائري) ونشيد «من جبالنا»، بما يخالف النص الأصلي للسيناريو الذي سبق ووافقت عليه الوزارة.

تستمد وزارة المجاهدين مشروعية تدخُّلِها في منع الأفلام من قانون السينما رقم 17 فبراير 2011 الذي يعطيها حق تحديد محتوى المنتَج السينمائي التاريخي.

يري درايس أن ملاحظات الوزارة تدخل رسميًّا في جوهر العمل الابداعي. بل يصف لجنة وزارة المجاهدين بأنها لم تشاهد الفيلم، وتفتقر للأهلية للحكم على مضمونه، قائلًا: «بخصوص أحداث الثامن من مايو، كان بن مهيدي وقتها في ولاية بسكرة (جنوب الجزائر) التي لم تشهد مقتل أي شخص. لذلك، فمن غير الممكن أن يناقض فيلمه الحقائق التاريخية الموثقة في مختلف المؤلفات».

أما بشأن عدم تضمُّن الفيلم مَشاهد قتالية ومعارك، فيوضح درايس أن رؤيته الفنية تحاول أن تبرز العربي بن مهيدي المفكر ذا الفلسفة النضالية، لأنه كان رجلًا مثقفًا تنقَّل في عدة مدن داخل الجزائر وخارجها مرتديًا لباسًا أنيقًا، على عكس باقي المناضلين الميدانيين الذين كانوا في الشوارع والجبال. وبخاصة أن بن مهيدي كان يحمل هويات إسبانية وإيطالية وبرتغالية، وكل تحركاته كانت في الخفاء.

يضيف درايس: «أنتجنا نحو 200 فيلم أو أكثر حول الثورة الجزائرية، ركزت على الجانب القتالي والمواجهات مع المستعمر الفرنسي، وتكرار هذه المَشاهد لن يحمل أي إضافة».

اقرأ أيضًا: 3 أفلام وثائقية من الجزائر: مكان مفتوح على هامش العشرية السوداء

جلسات

لم يحصل درايس بعدُ على الورقة الخضراء النهائية لعرض فيلمه، إذ يقول: «لأن الطرفين لم يتوصلا إلى قرار نهائي بشأن مصير الفيلم، ورتبنا خمس جلسات لتقريب وجهات النظر، فالفيلم يعتمد على مراجع وشهادات لقادة الثورة الجزائرية، مثل يوسف بن خدة، رئيس الحكومة المؤقتة، ومحمد خيضر وأحمد آيت أحمد وغيرهم، والوزارة اعتمدت هي الأخرى على مؤلفات لآخرين، ترى أن ما ورد في كتبهم فقط هو الحقيقة».

خروج فيلم «العربي بن مهيدي» إلى دور العرض لن يكون بالسهولة المنتظَرة حتى لو أجازته وزارة المجاهدين، لأنه سيُعرَض بعدها على وزارة الثقافة التي تقرر السماح بتوزيعه على دور العرض وقاعات السينما من عدمه، بما أن ملكية هذه القاعات تعود إليها فقط.

 ويبدو إقناع وزارة الثقافة بتوزيع الفيلم أمرًا صعبًا، وبخاصة بعد الحرب التي اندلعت بين المخرج ووزير الثقافة عز الدين ميهوبي، الذي يترقب نتائج اللجنة التابعة لوزارة المجاهدين، بصفته طرفًا أساسيًّا مشاركًا في إنتاج الفيلم  بنسبة تخول له صلاحية إصدار قرار السماح بعرضه أو التحفظ عليه.

تضييق قانوني

رغم أن أي عمل سينمائي يحتاج إلى ترخيص مسبق، فإن القانون يشدد على الأفلام المتعلقة بحرب التحرير الوطني ورموزها بشكل خاص.

تستمد وزارة المجاهدين مشروعية تدخُّلِها في منع الأفلام، من قانون السينما رقم 17 فبراير 2011 الذي يعطيها حق تحديد محتوى المنتَج السينمائي التاريخي.

تنص المادة الثالثة من القانون على أن النشاط السينمائي يهدف بشكل خاص إلى «إبراز تراثنا التاريخي، وكذلك بطولات المقاومة الوطنية عبر التاريخ».

أما المادة الرابعة، فتؤكد أنه «يخضع إنتاج الأفلام وتوزيعها واستغلالها ونشرها وتصويرها إلى تصريح مسبَق يصدره الوزير المسؤول عن الثقافة».

يظهر بشكل جلي تدخُّل الحكومة في مضمون العمل السينمائي، في المادة الخامسة من القانون، التي تنص على أنه «يُحظَر تمويل وإنتاج واستغلال أي إنتاج سينمائي يسيء للأديان أو لحرب التحرير الوطنية، رموزها وتاريخها، أو يمجد الاستعمار أو يُعرِّض النظام العام أو الوحدة الوطنية للخطر، أو يحرض على الكراهية والعنف والعنصرية».

لا يحدد القانون طبيعة هذه الإساءة. فالرواية في فيلم تاريخي تختلف عن النسخة المقدَّمة من طرف السلطة، قد تكون إساءة حتى لو كانت حقيقة تاريخية، ما قد ينطبق على فيلم «العربي بن مهيدي».

قد يعجبك أيضًا: الوصاية والأدب: «من أين لنا بهذا الرقيب الرائع؟»

رغم أن أي عمل سينمائي يحتاج إلى ترخيص مسبق، فإن القانون يشدد في المادة السادسة على فترة التحرير بالخصوص، وذلك بالقول: «يخضع إنتاج الأفلام المتعلقة بحرب التحرير الوطني ورموزها، لموافقة مسبقة من الحكومة».

هذا الاحتكار لكل ما له علاقة بالتاريخ، يظهر بشكل جلي في فيلم درايس الذي تَقدَّم في البداية لإنتاج الفيلم بأمواله الخاصة مع شريك إسباني، إلا أن الوزارة لم تعطه الرخصة، وعرضت عليه أن تكون شريكًا في إنتاج الفيلم بدلًا من الإسباني، وهو ما كان لها.

أما المادة السابعة من هذا القانون الذي كان محل انتقاد، فجاء فيها «تخضع أنشطة الإنتاج والنشر ونسخ وتوزيع تسجيلات الفيديو الموجهة للاستخدام الخاص للجمهور، لتصريح مسبق يمنحه الوزير المسؤول عن الثقافة».

رقابة ذاتية

العربي بن مهيدي - الصورة: Mouh2jijel

لم يسبق لوزارة المجاهدين أو الثقافة أن منعت فيلمًا تاريخيًّا من العرض. لكن ذلك لا يعني أنها سمحت بما تراه محظورًا في الأفلام التاريخية، إنما عدم وصولها إلى مرحلة المنع يعود لسببين: أولاهما أن غالبية تلك الأفلام نُفِّذَت بطلب من وزارة المجاهدين، ما يعني أن السيناريو كان مُعَدًّا وفق نظرة الحكومة، على عكس فيلم «العربي بن مهيدي» الذي انضمت فيه وزارة المجاهدين لسيناريو أعدَّه المخرج، ودخلت معه شريكًا في الإنتاج والتمويل.

أما السبب الثاني، فيعود إلى أن المخرجين يقدمون سيناريوهات تتضمن رقابة ذاتية مسبَقة تراعي الخطوط الحمراء للوزارة، المتمثلة أساسًا في الاختلاف الذي كان بين قادة الثورة، ويتجنبون مَشاهد المراحل التي قد تشكل منطقة محظورة من وجهة الحكومة، وهو ما طبقه المخرج أحمد راشدي في فيلمه عن القائد الثوري «كريم بلقاسم» 2015، والذي توقف عند مرحلة «مفاوضات إيفيان» التي خاضتها الجزائر لنيل استقلالها، وأهمل مرحلة نشاط بلقاسم بعد الاستقلال، بسبب خلافه مع الحكومة وتعرُّضه للاغتيال.

قد يهمك أيضًا: كيف تجعلنا الدولة نراقب أنفسنا؟

هذه الرقابة المنقسمة بين حكومية وذاتية، جعلت غالبية الأفلام التاريخية التي أُنتِجت في الفترة الأخيرة، لا تحقق نجاحًا لافتًا لدى مشاركتها في المهرجانات السينمائية، بل بعضها لم يتلق حتى دعوة للمشاركة في المهرجانات العربية والإفريقية.

, , , , , ,