الشاشة

3 أفلام وثائقية من الجزائر: مكان مفتوح على هامش العشرية السوداء

لقطة من فيلم «في رأسي دوار» - الصورة: Centrale Electrique وAllers Retours Films

الجزائر ما بعد العشرية السوداء كانت مجتمعًا عانى من الحرب لمدة 10 سنوات، بين 1992 و2002، مر بكثير من المجازر والمآسي، وكثير من القتلى والمهاجرين. مجتمع دون تاريخ سينمائي كبير ولا صناعة سينما حقيقية، باستثناء فيلم حصل على السعفة الذهبية هو «وقائع سنين الجمر»، واتصال جيد بالسينما الفرنسية.

لا تتوفر الآليات لصناعة سينما ولا للتوزيع، فعدد دور العرض المتبقية ولا تزال تعمل في الجزائر قليل للغاية، ومعظمها يتركز في العاصمة. المجتمع يميل إلى المحافظة والتشدد، ومر بحرب كبيرة وعمليات إرهابية لا تتوقف بعد خروجه من الاحتلال. لكن بين عامي 2015 و2016، أُنتِج ثلاثة أفلام تسجيلية مهمة ولافتة: «أطلال» لـجمال كركار، و«في رأسي دوار» لـحسن فرحاني، و«سمير في الغبار» لـمحمد أوزين.

ثلاثة الأفلام تلك الرابط بينها اختيار الشخصيات وعلاقتهم بالمكان الذي تدور فيه الأحداث، باختلاف تناولها للمجتمع أو الموضوع المصوّر. كلها فيها وجود طاغٍ للمكان كشخصية رئيسية، حتى أن اثنين منها يحملان دلالة عن المكان في اسميهما، «أطلال» و«الغبار».

الأفلام الثلاثة تتابع شخصيات هامشية داخل المجتمع الجزائري، لكن تأثير المجتمع ومشاكله وتبعات الحرب تظهر بقوة فيها. كذلك، فيلمان من الثلاثة هما «في رأسي دوار» و«أطلال» يضمان أغاني للشاب حسني، المطرب الذي قتله الإسلاميون في العشرية السوداء، وهو مغنٍّ ذو مكانة خاصة لدى الجزائريين وجميع شعوب المغرب العربي.

«سمير في الغبار»: حياة ضيقة في مكان شاسع

لقطة من فيلم «سمير في الغبار» - الصورة: Maud Martin

يبدأ الفيلم بشخص يجلس في مكان شبه معتم، ولا يوجد مصدر للضوء سوى ما يأتي من الخارج ويعبر من شق صغير يضيء جزءًا من وجه ذلك الشخص، وآثار سيجارة مشتعلة.

يحكي هذا الشخص عن يوم عادي، نشأت معركة بين حمارين وجرى أحد زملائه في العمل ليحاول منعهما، فقتله أحدهما. أمسك برقبته بين أسنانه، جرى الجميع ليضرب الحمار ويبعده عنه، لكنه لم يتركه حتى انكسرت رقبته ومات. ثم يتحدث أن ما قُدِّر له والحمار هو مجرد سبب لموته بتلك الواقعة الغريبة. بعدها يسكت لثوانٍ ويأخذ نفسًا من السيجارة، ويسأل المخرج لما يريد التصوير في هذا المكان؟ ما الذي يراه مميزًا؟

اختار المخرج لتصوير الفيلم غالبًا أماكن ضيقة بمصادر ضوء قليلة، وكان الضوء يأتي في الأغلب من الخارج أو من مصدر ضعيف داخل المكان.

المخرج هو خال «سمير» بطل الفيلم، عاش معظم حياته في فرنسا، وعاد إلى الجزائر ليجد سمير في هذه الحياة. يعيش في الجبال الحدودية بين الجزائر والمغرب، ويعمل مثما يعمل كثيرون غيره في تهريب الوقود بين البلدين علي ظهر حمار. لا يرى سمير في الحياة شيئًا يستحق أن يذكر. وما يفعله المخرج هو مجرد الاستماع إلى سمير والتعليق البصري بخصوص المكان، يعلق من خلال استخدامه لطريقة التصوير نفسها.

دائمًا ما يستمع الخال إلى سمير، الشخص المتدين المؤمن بالقدر، الذي يعيش في حياة ضيقة ومغلقة، يحكي له عن الفتاة التي لا يستطيع الزواج منها بسبب رفض أبيها، أو عن عصبيته والصداع المستمر في رأسه بسبب كثرة تعرضه للوقود، أو عن الجن الذي يسكن الجبال، وكيف أن الحمير توقفت في أحد الأيام ورفضت الحركة، وفقط تحرك ظلها. يحكي سمير كذلك عن الهجرة مثلما فعل والد المخرج وهو في السابعة عشرة من عمره، حين رحل دون عودة، وهو كذلك يريد أن يفعل، لا فرص له هنا.

أغلب أماكن التصوير التي اختارها المخرج محمد أوزين كانت ضيقة بمصادر ضوء قليلة، يأتي الضوء من الخارج أو من مصدر ضعيف داخل المكان، سواءً كان المكان هو المسجد الذي يصلي فيه أو يلتقي الشيخ للاستشفاء، أو مقام الولي، أو البيت الذي حاول بناءه وتوقف لأنه لا يملك ما يكفي من المال، فتركه مهجورًا، مجرد حوائط.

في المقابل، يصور أوزين سمير في حركته في تلك الجبال الشاسعة، على قدميه أو على دراجة بخارية، في مساحات شديدة الاتساع لكنها منعدمة الفرص.

قد يهمك أيضًا: الأفلام الوثائقية ترسم معالم الحرب في سوريا

«في رأسي رومبوان»: أحلام ضائعة في المجزر

مشهد من فيلم «في رأسي دوار»

«في رأسي دوار»، أو «في رأسي رومبوان» مثلما يقول أحد ممثلي الفيلم حرفيًّا وهو يشرح لصديقه أنه لا يعرف أي طريق يريد أن يسلك، وأن في داخل رأسه ذلك الدوار لأنه لا يعلم أي طريق سيسير فيها إلى النهاية. يدور الفيلم داخل أكبر مجزر في الجزائر، ويتحدث مع مجموعة من الأشخاص داخل ذلك المجزر، ويتابع الحياة اليومية في المكان الذي يمثل شخصية رئيسية في الفيلم.

المخرج حسن فرحاني هو أيضًا مدير التصوير، ورافقه في رحلة التصوير مخرج آخر هو جمال كركار ليسجل الصوت، وظل هناك مدة طويلة مستمرًا في تصوير ومراقبة المكان حتى صنع الفيلم.

«في رأسي رومبوان» إنتاج فرنسي مشترك، وهو ما أهله للفوز بجائزة أفضل فيلم فرنسي في مهرجان «مارسيليا» للأفلام الوثائقية.

يتابع فيلم «في رأسي دوار» عالم المجزر والشخصيات التي تتعامل مع ذلك المكان، مثل السائقين الذين ينقلون اللحوم والجلود.

عبر متابعة فرحاني للأحداث داخل المكان لمدة طويلة، تخرج لحظات لا يمكن نسيانها، مثل لقطة تمتد لثلاث دقائق في يوم يجتمع العمال فيه لمشاهدة مباراة كرة قدم. التلفزيون داخل إحدى الغرف، يُخرجه شخص إلى طرف الغرفة ويغلق الباب نصف إغلاق ليستطيع النوم.

في نفس الوقت، تدخل مجموعة تحاول شد ثور إلى داخل المجزر، فيتعاون الجميع للسيطرة عليه دون فائدة، حتى يُدخِل الثور نفسه فيهربون ثم يعودون لسحبه مرة أخرى، وبعد نجاحهم يسجل الفريق هدفًا، فيهرعون لمشاهدة الهدف في التلفزيون. تحمل اللقطة كثيرًا عن هذا العالم الذكوري تمامًا، القائم على الدماء والفقر والقبول بالأمر الواقع.

الفيلم يتابع ذلك العالم مِن داخل المجزر والشخصيات التي تتعامل معه، مثل السائقين الذين ينقلون اللحوم والجلود، وأحدهم يلعب دورًا أساسيًّا في الفيلم، وهو صاحب العبارة التي صارت عنوانه.

يتحرك المخرج مع حياة السائق وأفكاره وعلاقة الحب في حياته. يبدو الرجل كأنه ليست لديه أحلام، يقول له الشاب في النهاية بشكل واضح إنه، كشاب جزائري في العشرينيات من عمره، ليس أمامه أي حياة هنا، أمامه فقط ثلاثة حلول: إما الانتحار، أو الهجرة، أو تعاطي المخدرات والحياة كأنه شخص ميت.

الفيلم مليء بتلك الشخصيات شديدة الاختلاف، كالاختلاف بين ذلك الشاب والعجوز المجذوب الذي يعيش بالقرب من المجزر. كثيرة هي الشخصيات التي عاشت عمرها في ذلك المكان الذي لا مفر منه. وعن تلك الحكايات والمصائر، وبمصاحبة أغاني الشاب حسني حزينة الطابع، يصنع حسن فرحاني هذا العمل شديد التأثير.

«أطلال»: ما تبقى من مدينة «ولاد علال»

مشهد من فيلم «أطلال»

تحضر الموسيقى في فيلم «أطلال» بصورة مؤثرة بأغاني الشاب حسني، إحداها أغنيته التي كتبها بعد شائعة قتله، التي صارت حقيقة بعد فترة قصيرة.

«أطلال» هو الفيلم الذي يصور قرية، أو بالأحرى ما تبقى من قرية «ولاد علال» إحدى القرى المنكوبة بعد العشرية السوداء. الفيلم هو الأكثر قربًا بين الثلاثة أفلام تلك من السياسة، بنقاش واضح حول الحرب وتبعاتها، وهو الفيلم الذي مُنِع عرضه حتى في مهرجانات الجزائر.

لـ«أطلال» أسلوب سينمائي راديكالي، فيبدأ بلقطات مصورة بكاميرا قليلة الجودة، تنقل بصورة قليلة التشبع في الألوان ومهتزة لقطات لمبانٍ مهدمة، يصورها شخص يمشي ونسمع خطوات قدميه، ثم لقطات لمنطقة كاملة مهدمة تظهر عبر زجاج سيارة.

ثم يظهر اسم الفيلم، ليستمر المخرج جمال كركار في تصوير المكان أيضًا، تلك الأطلال للمباني والمساحات الخضراء المحروقة والأراضي المهجورة.

تبدأ أول شخصية في التحدث بعد 17 دقيقة من بدء الفيلم، خلال تصوير الأشجار المحروقة وبقاياها، فيحكي عن أرضه وكيف كانت زراعتها وما كان يملكه من محاصيل.

يصور الفيلم مع كثير من الأفراد، ولا ينسى المكان أبدًا، فيعود لتصوير آثار الهدم، أو يضع الشخصيات داخل تلك الأماكن المهدمة.

في الفيلم حضور موسيقي مؤثر، فواحد من شخصياته تغني الراب في الشارع مع مجموعة من أصدقائه في الليل حول النار، بالإضافة إلى حضور مكثف لأغاني الشاب حسني، واحدة منها هي أغنيته الشهيرة التي كتبها بعد شائعة قتله، التي صارت حقيقة بعد فترة قصيرة.

يتحدث كركار مع كثير من الشخصيات من مراحل عمرية مختلفة، بعضهم عاصروا الحرب وصاروا الآن شيوخًا، وبعضهم شباب وُلدوا خلال الحرب ويلومون الجميع، بدايةً من عائلاتهم لإنجابهم في تلك الظروف، والدولة التي بالتأكيد يحاولون الهرب منها.

المرحلة العمرية الثالثة هم من عاشوا الحرب شبابًا أو شاركوا فيها، مثل ذلك الذي يحكي عن رعبه الشديد خلال مشاركته في الحرب كمجند، ويصف لمجموعة من الشباب ما رآه من دماء وأشلاء، وكيف حمل أشلاء طفل عمره سبعة أشهر فقط، ويروي أن ذلك الطفل ظل يظهر في كوابيسه لمدة طويلة بعدها، ثم يصور لهم كيف أصيب هو بعدها بالرصاص.

يبدو أثر الحرب على الجميع، خصوصًا في تلك القرية الصغيرة المنكوبة حرفيًّا، كل من فيها يعني من صدمة ما بعد الحرب، بغض النظر عن عمره وقتها.

اقرأ أيضًا: أفلام آدم كيرتس تكشف حقيقة التحكم في الشعوب

مآلات السينما العربية وخياراتها

السينما العربية تواجهها أسئلة كثيرة منها «الهوية»، خصوصًا في حالة الإنتاج المشترك مع دولة أوروبية مثل فرنسا، أو حتى مع دول عربية مثل الإمارات. تواجهها كذلك مشاكل في عرض الفيلم بشكل جيد عالميًّا، ثم في صعوبة توزيع هذا النوع من الأفلام في بلادهم.

لكن تلك الأفلام الجزائرية الثلاثة، «أطلال» و«في رأسي دوار» و«سمير في الغبار»، وأفلام أخرى من دول عربية مختلفة، تنجح في أن تجد طريقة صنعها المختلفة، وينفذها مخرجوها بالميل إلى الجهود الفردية، وباختيارات سينمائية واضحة وقوية، ويظل الأهم هو استمرار خروج منتَج ليدور حوله النقاش.