المنظومة

علامات قيام الثورات: متى ينفجر بركان الشعوب؟

ميدان التحرير - الصورة: Jonathan Rashad

أجرت مجموعة اقتصاديين وعلماء سياسة بعض الدراسات التي سعت للتنبؤ بالاضطرابات السياسية، ووضع عوامل موضوعية تستطيع توقعها واستشراف حركتها، وحاول أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في جامعة ماربورج الألمانية، محمد رضا فرزانه جان، في مقاله المنشور على موقع «ذا كونفرزيشن»، مناقشة هذه العوامل بتسليط الضوء على عدة دراسات أُجريت في أكثر من دولة.

دراسات الاقتصاديين: السودان مثالًا

تحذيرات عام 2012 من ثورة في السودان

يشير رضا إلى عديد من الدراسات التي أجراها اقتصاديون مثل «بول كولير» و«أنكه هوفلر» في عامي 1998 و2002، والتي دلت على ارتباط المؤشرات الاقتصادية بالاضطرابات السياسية، خاصةً حينما ينخفض نصيب الفرد من الدخل، فيصبح هذا الانخفاض سببًا لكثير من الاضطرابات السياسية.

تابع اقتصاديون آخرون مثل «جيمس فيرون» و«ديفيد ليتين» أيضًا هذه الفرضية، مشيرين إلى عدة عوامل لعبت دورًا مهمًّا في تفشي العنف السياسي في تشاد والسودان والصومال.

وفقًا لمؤشرات «الدليل الدولي للمخاطر القُطرية»، تزعزع الاستقرار السياسي الداخلي للسودان بنسبة 15٪ عام 2014 مقارنةً بالعام السابق، وكان ذلك عقب انخفاض معدل نمو دخل الفرد من 12٪ عام 2012 إلى 2٪ عام 2013.

على النقيض من ذلك، وعقب ارتفاع معدل نمو دخل الفرد عام 1997 مقارنةً بعام 1996، زادت نسبة الاستقرار السياسي في السودان بأكثر من 100٪ في عام 1998، وترجح هذه الأرقام أن نسبة الاستقرار السياسي في أي عام ترتبط بمعدل دخل الفرد في العام السابق عليه.

لكن بحسب شهادة البنك الدولي، فقد فشلت العوامل الاقتصادية وحدها تمامًا في التنبؤ بما أُطلق عليه ثورات «الربيع العربي»، لذا كان من الضروري البحث عن مؤشرات أخرى.

عوامل حدوث الاضطرابات: الديموغرافيا

نتائج الثورة المصرية تخون طموح الشباب

يشير رضا إلى دراسته التي أجراها عام 2016، واستخدم فيها بيانات أكثر من مائة دولة في الفترة بين عامي 1984 و2012، فوجد أن عوامل أخرى غير الاقتصاد تسببت في حدوث اضطرابات سياسية، منها مثلًا كون الفساد عاملًا مؤثرًا في زعزعة الاستقرار، عندما يتجاوز الشباب (15-24 سنة) نسبة 20٪ من السكان البالغين، لذا استندت الدراسة إلى مكونين أساسيين: الديموغرافيا والفساد.

اقرأ أيضًا: 7 أسئلة تشرح أثر التحولات الثقافية في المجتمع

يعود رضا إلى الأكاديمي الأمريكي الشهير «صموئيل هنتنغتون» في كتابه «صراع الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي»، للإشارة إلى أهمية الديموغرافيا وأثرها في الاستقرار السياسي، إذ كان هنتنغتون قد أشار إلى أن الشباب أهم عوامل التغيير.

يستشهد رضا كذلك بعدة أمثلة من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد لعب الشباب أدوارًا مهمة في ثورة «البلدوزر» اليوغوسلافية عام 2000، وثورة الزهور في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية الأوكرانية عام 2004، والحركة الخضراء الإيرانية في فترة ما بعد عام 2009، وأخيرًا في الربيع العربي منذ عام 2011.

بالطبع لا تؤدي زيادة السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة في بلدٍ ما بالضرورة إلى ثورة، لكن اجتماع هذا العامل بفساد قادة هذا البلد يزيد من نسبة حدوث الاضطرابات السياسية.

عوامل حدوث الاضطرابات: الفساد

تظاهرات في بيروت ضد فساد الحكومة اللبنانية

تخصص الدول الفاسدة جزءًا من ميزانيتها لأهداف أمنية وتقلل الإنفاق على التعليم والصحة، ممَّا يحفز الاضطراب السياسي.

يتيح الفساد السياسي للقادة غير الديمقراطيين بناء دعم سياسي عن طريق الموالين لهم، وتمديد مدة حكمهم.

يورد محمد رضا نتائج دراسة أجريت عام 2014 وأشارت إلى الآثار الاجتماعية للفساد، إذ تزيد دخول المستفيدين منه وتُشعِر جزءًا كبيرًا من السكان بعدم المساواة مع ركود النمو الاقتصادي والاستثمار، ويؤثر ذلك خصوصًا على السكان الشباب الذين تكون فرصهم الاقتصادية أضعف.

تُخصص الدول الفاسدة كذلك جزءًا كبيرًا من ميزانيتها لأهداف عسكرية وأمنية، بالإضافة إلى قلة الإنفاق على التعليم والصحة، ممَّا يحفز انضمام الشباب إلى الحركات المناهضة للنظام، بما في ذلك الحركات الراديكالية، بحسب رضا.

وفقًا للباحث في العلوم السياسية «فريدَم سي أونوها»، يقف الفساد السياسي وراء تشكيل ومتانة الجماعات الإرهابية في العراق وسوريا ونيجيريا،  إذ استطاعت هذه الجماعات أن تجتذب القطاعات المهمشة من السكان، وعادةً تنجح بسبب ارتفاع نسبة الشباب.

قد يعجبك أيضًا: بين العدمية وحروب الهاردكور.. هنا ترقد أجيال الربيع العربي

كما هو الأمر مع الشباب، لا يمكن للفساد وحده في رأي رضا أن يخلق اضطرابات سياسية، إذ يتطلب الأمر اجتماع العاملين معًا، كما حدث مثلًا في حالة الثورة الإسلامية في إيران.

الديموغرافيا والفساد في إيران

نتائج انتخابات إيران والتغيرات السياسية

شهدت إيران واحدة من أهم التغييرات السياسية في القرن العشرين، عندما قضت الثورة الإسلامية عام 1979 على النظام الملكي، وازدهرت الدولة الجديدة معتمدةً على عائدات النفط.

كانت عائدات النفط أقل من 1٪ من إجمالي الاقتصاد في الفترة من 1970 إلى 1973 بحسب الكاتب، وأدت الزيادة الكبيرة في أسعاره منذ منتصف السبعينيات إلى زيادة في اعتماد الاقتصاد الإيراني عليه، فزادت عائداته من 0.3٪ في 1973 إلى 31٪ في 1974 وفقًا للبنك الدولي.

تُظهر تقديرات السكان أن حصة الشباب في إيران ستنخفض إلى 11٪ بحلول عام 2050، ممَّا يقلل من مخاطر الديموغرافيا السياسية.

بالنظر إلى حسابات أجراها رضا على إحصائيات الصحة والتغذية السكانية الصادرة عن البنك الدولي، كانت نسبة الشباب بين 15 إلى 24 عامًا أكثر من 20٪ من مجموع السكان البالغين في الفترة بين عامي 1960 و2015.

في هذه الفترة الزمنية، لُوحظت زيادة متصاعدة في أعداد الشباب الإيراني من 33٪ عام 1970 إلى قرابة 36٪ عام 1979، وفقًا لتقديرات البنك الدولي.

خلال الفترة الواقعة بين 1997 و1998، بلغ الإيرانيون الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا نسبة 36٪ من إجمالي السكان البالغين، وشهدت السياسة الإيرانية تغييرًا كبيرًا في أثناء الانتخابات الرئاسية لمحمد خاتمي، فكانت قاعدة دعمه الرئيسية من الشباب.

يشير كاتب المقال إلى أن حكومة خاتمي جاءت في واحدة من أكثر الفترات تأزمًا في إيران، ففي عام 2004، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الرئيس خاتمي اشتكى خلال فترة ولايته من أن حدوث أزمة كل تسعة أيام جعل من الصعب تحقيق أي إنجاز.

اقرأ أيضًا: كيف تستفيد الأنظمة من خوف الشعوب؟

ربما لم يؤدِّ ذلك إلى ثورة، لكن الاضطرابات المدنية أثرت بشكل منتظم في الحياة السياسية، بما في ذلك أحداث عام 2009. وتُظهر تقديرات وتوقعات السكان أن حصة الشباب في إيران ستنخفض إلى 11٪ بحلول عام 2050، ممَّا يقلل من مخاطر الديموغرافيا السياسية في ظل وجود الفساد مستقبلًا، بحسب الكاتب.

عوامل إضافية للاضطرابات

التظاهرات في إيران
الصورة: محمد جعفری

باستخدام حالات مثل إيران، حاول الكاتب تفسير الدور الذي يلعبه الفساد والشباب في حدوث أزمة، آخذًا بعين الاعتبار عوامل أخرى، مثل عدم المساواة والنمو الاقتصادي ومعدل الاستثمار والتضخم والإنفاق الحكومي والإنفاق العسكري والإيجارات النفطية والتجارة والتعليم ومعدل الخصوبة والديمقراطية.

راعى رضا الاختلافات المحددة بين البلدان موضوع الدراسة، مثل الجغرافيا والوضع الجيوسياسي والتراث الثقافي والتاريخي والدين، وأخذ في اعتباره الاهتمام والتدخل الدوليين من القوى الخارجية، بالإضافة إلى أحداث مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وحرب العراق عام 2003.

استنادًا إلى نتائج دراسته، ظهر ارتباط بين الحد الأدنى من الفساد والاستقرار السياسي، بالاقتران مع مستويات متفاوتة من نسبة الشباب، إذ يثق الكاتب بنسبة 90٪ أن زيادة نسبة الشباب أكثر من 20٪ من السكان البالغين، بالإضافة إلى مستويات عالية من الفساد، يمكن أن تزعزع استقرار النظم السياسية في بلدان معينة،  مع أخذ العوامل الأخرى في الاعتبار، وتشير الدراسة إلى أن احتمال حدوث الاضطرابات يزيد بدرجة هائلة إذا زادت نسبة الشباب عن 30٪.

يمكن أن تُسهم دراسات محمد رضا فرزانه في تفسير خطر الصراع الداخلي ووقت حدوثه، وتساعد في توجيه السياسيين والمنظمات الدولية إلى تخصيص ميزانية لمكافحة الفساد بشكل أفضل، مع مراعاة الهيكل الديموغرافي للمجتمعات وتجنب مخاطر عدم الاستقرار السياسي.

, , ,