عالمنا

«القلوب مليانة»: إضراب الأردن من ضريبة الدخل وحتى إسقاط الحكومة

الصورة: Getty/Salah Malkawi

طيلة الـ69 عامًا من عمره، استند الحاج أبو خلدون إلى المثل الشعبي المتداوَل في بلاد الشام: «امشي الحيط الحيط ويا رب الستر». كان حريصًا طوال تلك الأعوام على أن يخفت صوته عندما ينتقد الحكومة، فـ«الحيطان لها ودان»، وهذا ما ورَّثه لأبنائه وأحفاده.

لم يكن الحاج أبو خلدون يدري أنه سيأتي يوم ويُجبِر أولاده وأحفاده، ويتقدمهم كذلك، للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها محافظات الأردن. ليرمي بعكازه على الأرض، ويستند على يد حفيده طلال ذي الـ11 عامًا، ويخرج إلى شوارع عمَّان ويصرخ بصوت أعلى من نداءات أوجاع مفاصله: «تسقط حكومة الملقي».

كان الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات المهنية، وشارك فيه آلاف الأردنيين، كفيلًا بأن يطلق شرارة الحراك الذي تشهده محافظات الأردن.

قرارات متسارعة اتخذتها الحكومة الأردنية مؤخرًا أرهقت الأردنيين، وطالت أمنهم المعيشي. هذه القرارات لم تسهم في صحوة المواطنين فقط، بل سبقتها صحوة للنقابات المهنية الأردنية التي بدا عملها في السنوات الماضية، يغلب عليه الطابع المهني وغير الوطني، سواء في تقصير المجالس النقابية السابقة، أو التكميم الأمني لأفواههم.

من بين القرارات الأخيرة التي خرجت بها الحكومة الأردنية رفع الدعم عن الخبز، ومشروع قانون نظام الخدمة المدنية، ومشروع قانون ضريبة الدخل.

لم تحسب الحكومة حساب أنه هذه القرار قد يقف ضدها الناس في لحظة ما، إذ سارع مجلس النقابات المهنية الى عقد اجتماعات متتالية بعد تلك القرارات، وكانت أهم نتائجها الدعوة إلى إضراب عام، وشكلت المشاركة الضخمة فيه سابقة في تاريخ العمل النقابي الأردني.

الطريف في الأمر، أنه صبيحة يوم الإضراب اتبعت الحكومة الأردنية أسلوب التحدي، أو كما يقول الأردنيون: «الحماي والكنة». وخرجت بقرار رفع أسعار المحروقات، وهو ما تعرَّض للإحباط بعد ساعات قصيرة من جراء الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي المتسارعة، والتي دعت الأردنيين الى الخروج في الشارع، والصراخ بـ«كفى».

بالرغم من العدول الحكومي السريع عن قرار رفع أسعار المحروقات، فإن الأردنيين استمروا بالخروج بالآلاف إلى الشوارع في مختلف محافظات المملكة لإيصال رسالة واضحة مفادها أن «الأردني عقله مش صغير».

مستمرون.. الأزمة في النهج، وليس في الأشخاص

نقيب المحامين وعضو مجلس النقابات المهنية مازن أرشيدات يقول لـ«منشور»: «شرارة النقابات سبقتها قرارات حكومية تستهدف جيوب الأردنيين، أهمها مشروع قانون الخدمة المدنية الذي شكَّل لنا صدمة، خصوصًا أن الحكومة كانت قد وعدتنا بأنها قبل إقراره ستكون هناك مشاورات بيننا وبينها، فكانت هذه الخطوة بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير».

أضاف أرشيدات: «تهميش الحكومة لنا وتوجهها لإقرار مشروع قانون ضريبة الدخل جعلنا كمجلس نقباء ندعو إلى إضراب عام، والذي كانت نتائجه فوق المتوقَّع».

وعن ما إذا كان الإضراب المقبل الذي دعا إليه مجلس النقباء مستمرًّا رغم إسقاط حكومة الملقي، قال أرشيدات: «بالطبع الإضراب ما يزال قائمًا، فمشكلتنا ليست في الشخوص، بل في النهج، وحتى الآن لم تتحقق مطالبنا التي خرجنا لأجلها».

فالشاب معتصم العبادي مثلًا يبحث عن فرصة عمل «تحلل» الشهادة الجامعية التي حصل عليها بعد ما حُرِمَ أهله من اللقمة طوال أربعة أعوام من دراسته، يخرج كل يوم في احتجاجات الشارع مطالبًا بعدم إقرار قانون ضريبة الدخل ونظام الخدمة المدنية، وإيضا إسقاط حكومة الدكتور هاني الملقي.

الحِراكات التي خرجت إلى شوارع الأردن منذ 2011 مع رياح تغيير الربيع العربي، فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق مطالبها.

يقول العبادي الذي تعرَّض لانتهاكات عدة من قوات الأمن خلال الاحتجاجات: «القصة مش قصة رمانة، القصة قصة قلوب مليانة، نعم استطاعت النقابات المهنية أن تحرك الحس الوطني في داخلنا، والخروج للشارع، لكن القصة قصة ظلم طويلة نتعرض لها كأردنيين ولَّدت الانفجار، وجعلتنا نخرج إلى الشوارع دون سابق تخطيط دفاعًا عن لقمة عيشنا».

يضيف: «مطالبنا ليست مهنية، بل معيشية تمس كل أردني حر، سكتنا كتير بس مش كل مرة بتسلم الجرة»، موضحًا أن القصة ليست قصة حكومة الملقي، بل قصة نهج حكومات متعاقبة «استهدفت جيوب المواطنين، وركبت على ظهورهم، وصمتنا طوال السنوات الماضية منحهم القوة لمزيد من التعسف، لكن جاء الوقت لنواجههم، ونقول بأعلى صوت: لا».

قد يهمك أيضًا: الحراك الشعبي الأردني: أين أنت يا عزيزي؟

يشار إلى أن الحِراكات التي خرجت إلى شوارع الأردن منذ 2011 مع رياح تغيير الربيع العربي، فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق مطالبها، وذلك لعدة أسباب أهمها القبضة الأمنية، وركوب بعض الأحزاب السياسية موجة شعبوية الحِراكات، فضلًا عن الانقسام بين الأحزاب بشأن الحرب السورية.

هذا ما تتفق معه الصحفية والناشطة الحقوقية هبة عبيات قائلة: الاحتجاجات الحالية مختلفة تمامًا عن تلك التي خرجت في 2011. يبدو أن هناك حالة من الوعي زادت، ومن ناحية الاستفادة من أخطاء الماضي، فإن هناك مؤشرات عدة تثبت ذلك، فمثلًا كان هناك ضبط للأعصاب، وتجنب الاحتكاك مع الأجهزة الأمنية.

تضيف: كانت مطالب الشارع واضحة، ولم نشهد تشتتًا في المطالب. كان هناك تركيز على النهج الاقتصادي للحكومة، وأيضًا اتضح أن المواطن الأردني أصبح على علم بأنه قد تكون هناك محاولات لاحتواء هذه الاحتجاجات، أو عدم تنفيذ المطالب، لذلك نجد أن الشارع مع كل اقتراح تطرحه الحكومة للالتفاف على الاحتجاجات، ما زال ثابتًا على موقفه، ويعرف ما يريد، وأن هدفه الذي خرج من أجله هو السياسات الاقتصادية.

ختمت عبيدات: ما شهدناه خلال الأيام الماضية مختلف تمامًا عن السابق، وهي حالة وعي بالمشكلات التي وصل إليها الأردن من جراء سياسات الإفقار التي انتهجتها الحكومات المتتالية، وبالتالي يحاول المواطن الآن أن يتعامل مع الأحداث بحكمة مع الحفاظ على الشعارات التي تلامس كل الأردنيين.

غابت الأعلام الحزبية عن ساحات الاحتجاجات، وغابت استعراضات النخب، بل وغابت كل المحاولات الاستفزازية من بعض وسائل الإعلام، غيابًا كان قادرًا على إثبات أنه عندما يخرج الشعب إلى الشارع، فلتصمت كل الأصوات، ولا صوت يعلو على صوت الشعب.

سقطت حكومة الملقي، وربما وصل صوت الحاج أبو خلدون إلى أذني العاهل الأردني وانحاز إليه. سقط الملقي، لكن طريق إصلاح السياسات الحكومية الأردنية طويلة، طويلة جدًّا.