عالمنا

الحراك الشعبي الأردني: أين أنت يا عزيزي؟

الصورة: Getty\Jordan Pix

بينما يمر الأردن بوضع سياسي واقتصادي حَرِج جدًّا، بسبب القرارات الحكومية برفع الأسعار، يعود سؤال في الوسط الحقوقي ليتردد: أين الحراك الشعبي الأردني من كل هذه القرارات؟

يتزامن هذا السؤال مع اعتصامات ومسيرات خرجت في شوارع أردنية تنديدًا بقرارات الحكومة، احتجاجات وُصِفَت بـ«الخجولة» بسبب قلة أعداد المشاركين، فهل فعلًا تلاشى الحراك الشعبي في الأردن، أم أنه في سُبات مؤقت؟

أين أنت يا عزيزي؟

بداية الحراك الشعبي الأدرني في عمان عام 2011

كان الحراك الشعبي ظاهرة مرافقة لحراك أوسع في المنطقة العربية، وبخفوت هذا الحراك الأوسع خفت الحراك الأردني بدوره.

ظهر الحراك الشعبي على الساحة الأردنية بعد اجتياح رياح التغيير التي عصفت بالمنطقة العربية ووصلت إلى الأردن، وأبرز ما كان يميز هذا الحراك عفويته وخروجه عن عباءة الأحزاب السياسية الأردنية، وتنوع أيديولوجيات المشاركين، فقد كنت تجد في الاعتصامات والمسيرات مختلف الأطياف السياسية، هناك الشاب الذي يؤمن بأيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين يشبك يده بيد شابة يسارية تشبك يدها بيد آخر بعثي، إضافة إلى المستقلين غير المحسوبين على أي طيف سياسي.

أول شعار انطلق منذ بدء الحراك الشعبي الأردني في 2011 هو «أين أنت يا عزيزي؟»، كرسالة موجهة إلى العاهل الأردني، إضافة إلى شعارات أخرى مثل «خبز، حرية، عدالة اجتماعية». واستطاع الحراك عبر سلسلة النشاطات الحية أن يحجز مقعدًا في المشهد السياسي الأردني، لدرجة أنه لفت أنظار المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية، مثل «هيومان رايتس ووتش» التي كانت تخرج ببيانات تطالب الحكومة بالإفراج عن المعتقلين.

بدأ الحراك يتلاشى في 2015 شيئًا فشيئًا، فلماذا؟

الخبير الحقوقي فادي القاضي، ضمن سلسلة مقابلات أجراها «منشور» مع مختصين، أكد أن هناك أسبابًا وعوامل داخلية وخارجية أدت إلى هدوء الحراك الشعبي الأردني، أهمها نقص آليات التنظيم، وخلل العمل الجماعي، وتوسعة العضوية، وعدم وضوح الأهداف والخطط، إضافة إلى الافتقار للقيادات الجادة والملتزمة بالأهداف، التي تصنع من الهدف السياسي محورًا، ونشاطها ليس من أجل البحث عن منصب حكومي.

يوضح القاضي أن الضغوط والقيود الحكومية تزايدت إلى درجة لم تعد أشكال الحراك ممكنة، مثل التجمع والتظاهر، إضافة إلى أن الحراك الشعبي كان ظاهرة مرافقة لحراك أوسع في المنطقة العربية، وبخفوت هذا الحراك الأوسع خفت الحراك الأردني بدوره. وهناك عامل لا يقل أهمية، هو انصراف المجتمع الدولي عن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان لصالح التركيز على الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب.

وبحسب المحامية والناشطة الحقوقية نور الإمام، فإن من أسباب عدم استمرار الحراك، رغم سياسات الإفقار التي تمارسها الحكومة، عدم وجود تنظيم سياسي يتمثل بأحزاب مؤسسة تقود هذا الحراك. أيضًا، عدم وجود أسباب لدعم الحراك من قيادة وتنظيم يؤدي إلى التوقف. وهناك حالة من اليأس العام تخيم على المشهد السياسي في الأردن، وفقدان الأمل في التغيير، إضافة إلى ترقب يسيطر على المشهد الإقليمي الذي يعتقد أغلب الاْردنيين بأنهم مرتبطون به.

يضاف إلى كل ذلك، وفقًا لنور، تقديم الحكومة ترضيات مؤقتة لبعض المطالب الآنية بهدف إنهاء التحركات والعودة إلى مشهد السكون العام، وهو ما يبدو أنه تحقق بدرجة أو أخرى.

قد يهمك أيضًا: الفرار من الربيع العربي: تجارب الجزائر وعمان والأردن

إبراهيم الجمزاوي، أحد مؤسسي الحراك الشبابي الأردني، يشرح أن الحراك ليس منفصلًا عن حالة المد السياسي التي حدثت في المنطقة، لكنه انتهى، وتقيَّد العمل السياسي بعده، وعادت الحريات إلى مرحلة ما قبل 2010.

يضيف الجمزاوي أن القوى السياسية التي شاركت في الحراك تتحمل جزءًا كبيرًا من انحدار العمل السياسي وتَشتُّت أهدافه لأنها لم تطور أدواتها وشكل التعبير عن ذاتها، فنتج عنها حراك هزيل لا يجذب الشباب، وذلك على عكس النظام الأردني الذي طور نفسه واستقطب مجموعات جديدة.

في النهاية، وبعد سنوات من الحراك، لدينا حق السؤال: ما فائدة وجود هذا النمط من القوى السياسية التقليدي التي حولت الحراك من مد جماهيري إلى نشاطات نخبوية؟ وما الشكل المناسب للقوى والنشاطات التي ستنهض بالعمل السياسي من جديد؟

«تعزيز الخوف»

المظاهرات في العاصمة الأردنية عام 2012

تمرَّد الحراك الشعبي الأردني على القيود كلها في وقت ما، لكنه بات الآن خائفًا.

تؤكد هبة أبو طه، الصحفية والناشطة الحقوقية، أن تلاشي الحراك الشعبي الأردني يرجع إلى عدة أسباب، منها ما حدث بعد «هَبَّة تشرين»، التي خرجت تنديدًا بقرارات ارتفاع الأسعار في عهد حكومة الدكتور عبد الله النسور في 2012، والاعتقالات التي لحقت بناشطين ومواطنين شاركوا في الهبة، ووصل عددهم إلى أكثر من 200 شخص.

الاتهامات التي كانت تُنسَب إلى معتقلي الحراك كانت خطيرة وتندرج تحت بنود قانون الإرهاب، مثل تقويض نظام الحكم، وإطالة اللسان، والتحريض على النعرات، وغيرها من التهم التي عززت الخوف من النزول إلى الشارع.

«تعزيز الخوف خطوة لخلق العبودية». تقول هبة، ثم تستدرك موضحةً أن الحراك الشعبي تمرد على القيود كلها في وقت ما، لكنه بات الآن خائفًا من فقدان لقمة العيش بسبب التعبير عن رأيه، ناهيك بالدور الذي لعبه الإعلام المحسوب على النظام، وسياسة ترويج شعارات الأمن والأمان ومحاربة الإرهاب، ومقارنة وضع الأردن بسوريا والعراق.

رغم التباين في الأسباب، فإن الحراك الأردني لا يبدو مختلفًا عن نظائره في الدول العربية، فقد كان جزءًا من حركة تأمل في التغيير والإصلاح، صعد بصعودها، وخفت بخفوتها، على الأقل إلى حين.