عالمنا

غوطة دمشق الشرقية: سيرة الثورة والحصار والحرب

الصورة: Getty/Anadolu Agency

يروي ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» حكاية حصار دمشق الذي وقع أيام الغزو الصليبي عام 1148 من الميلاد، حين حطّت جحافل القوات الصليبية القادمة من بيت المقدس رحالها عند بوابات دمشق لتحاصر حاكمها معين الدين أنر، الذي طلب المدد من الزنكيين في حلب والموصل.

لكن المدد الحقيقي والأسرع أتاه من أبناء غوطة دمشق المحيطة بالمدينة، حين وجّه مقاتلوها وسكانها ضرباتهم إلى الصليبيين مُجبرِين قادتهم على تحريك القوات للقضاء على مقاومة الغوطة، التي عاشت في أربعة أيام حصارًا خانقًا من الحملة الصليبية يشبه ما تعيشه اليوم من حصار مستمر منذ أكثر من أربع سنوات، تفرضه الحرب التي اشتعلت بُعَيد الثورة.

اشتعلت الغوطة التابعة لمحافظة ريف دمشق بكامل مدنها تقريبًا منذ الشهر الأول للثورة، حين خرج أبناؤها معلنين الثورة على النظام، ومطالبين بإسقاطه نصرةً للمدن والمحافظات السورية المنكوبة.

سارع النظام إلى القضاء على ثورة الغوطة، اقتحم مدنها وبلداتها، ارتكبت قواته كثيرًا من المجازر في أنحاء واسعة منها، قبل أن يفرض عليها حصارًا قاسيًا، مغلقًا كل منافذها، تاركًا أهلها تحت رحمة الصواريخ والقذائف والجوع الذي طال المدينة لسنوات.

الآن تمثل الغوطة الشرقية إحدى أهم المناطق القليلة الباقية تحت سيطرة المعارضة السورية. وبقربها من دمشق، يبدو النظام مُصمِّمًا على السيطرة عليها لتأمين العاصمة بشكل كامل.

يحاول هذا الموضوع، بشكل مختصر جدًّا، أن يسرد قصة الغوطة الشرقية من بداية الثورة حتى الآن، القصة المُختَصَرَة التي ستبدو شبيهة بأغلب قصص المدن السورية الأخرى.

«سلمية.. سلمية»

جنازة لقتلى مدينة دوما في الغوطة بعد الهجوم على مظاهرة سلمية

كغيرها من المدن السورية، انطلقت مظاهرات مناطق وبلدات الغوطة الشرقية بشعارات الحرية والكرامة والدعوة إلى إسقاط النظام، وكل ذلك بشكل سلمي تام.

وكغيرها أيضًا، كان الرد على المظاهرات السلمية بالعنف، وهو ما لم يوقفها، بل انطلقت المظاهرات مجددًا ردًّا على حملات الاقتحام والقصف التي أطلقها النظام ضد مدن أخرى، مثل درعا وحمص وجسر الشغور، ليكون الرد على تلك التظاهرات بالقمع والترهيب وحملات الاعتقال التي طالت عددًا كبيرًا من أبناء الغوطة الشرقية، إذ تذكر التقارير أن مدينة دوما خسرت في الأول من شهر إبريل 2011 نحو 13 من أبنائها، حين ردت قوات النظام بإطلاق النار على مظاهرة سلمية خرجت في المدينة.

لم يوقف عنف النظام تلك المظاهرات السلمية التي استمرت في رمضان من العام نفسه، إذ خرج المتظاهرون من مدن وبلدات الغوطة بعد الاعتداء على مسجد في دمشق في أثناء إحياء ليلة القدر عن طريق قوات النظام ومن يسمون «الشبيحة»، وجوبهت التظاهرات كالعادة بالقمع والملاحقات الأمنية، واستمر ذلك حتى أواخر 2011، إذ بدأ الحراك يتجه شيئًا فشيئًا إلى العسكرة، خصوصًا مع ظهور فكرة حماية المظاهرات عن طريق «الجيش الحر»، الذي بدأ يتشكل في مدن وبلدات سوريا تباعًا حتى وصل إلى الغوطة.

قد يعجبك أيضًا: المغامرة الرهيبة للتظاهر في سوريا

صعود الفصائل المسلحة

مظاهرات سلمية في مدينة دوما بالغوطة الشرقية

أفرج النظام عن عشرات المعتقلين الإسلاميين، فأسسوا فور خروجهم كتائب وفيالق إسلامية تدعو إلى تمكين الدين.

اختار النظام طريق العنف، واختار شعب سوريا، ومنهم الغوطة الشرقية، طريق الثورة، التي كان لا بد من حمايتها من آلة الحرب، الأمر الذي أدى إلى ظهور كتائب الجيش الحر لحماية المظاهرات ومناوءة النظام في معارك كثيرة، تطورت مع الأيام في بداية 2012 لتصبح «معارك تحرير».

بدأت عمليات «التحرير» باقتحام الثكنات العسكرية ومراكز الشرطة في الغوطة، ثم تطورت إلى درجة تحرير مدن وبلدات كاملة، لتصبح الغوطة مع نهاية عام 2012 وبداية عام 2013 محررة بشكل شبه كامل من جيش النظام وقواته.

حاول النظام استغلال «عسكرة الثورة» لتثبيت روايته للأحداث، واعتبرها تأكيدًا لوجود مجموعات مسلحة «إرهابية» تعمل على زعزعة الأمن، ما استدعى تحوُّل معركة الأرض التي يخوضها إلى معركة استخدم فيها السلاح الثقيل في قصف منازل المدنيين في مدن الغوطة وبلداتها.

إضافةً إلى ذلك، بدأت الثورة تأخذ طابعًا إسلاميًّا يزيد مع الوقت بمساعدة عاملين:

  1. ازياد خطورة المظاهرات السلمية بسبب الفض الوحشي الذي تتعرض له على يد النظام، وانهيار جاذبيتها مقابل المعارضة المسلحة التي بدأت بالتضخم على حساب المظاهرات
  2. إفراج النظام عن عشرات المعتقلين الإسلاميين من السجون، الذين عملوا فور خروجهم على تأسيس كتائب وفيالق إسلامية الطابع، بدأت بأهداف الثورة التي أعلنها الشعب السوري حول الحرية وإسقاط النظام، وتحولت مع الأيام إلى كتائب تدعو إلى إقامة شرعية الدين الإسلامي، والحكم وفق أحكامه بعيدًا عن المطالب الديمقراطية الأولى للثورة

هكذا أصبحت الغوطة مع بداية 2013 تحت سيطرة كثير من الكتائب الإسلامية، على رأسها «لواء الإسلام»، الذي أسسه السجين الإسلامي السابق زهران علوش، الذي اعتُقِلَ في 2010 بتهمة الدعوة الإسلامية السلفية، وأُفرِجَ عنه في 2011 بعفو رئاسي.

استمر «لواء الإسلام» في التمدد، ليصبح مع نهاية 2013 «جيش الإسلام»، مع انضمام كثير من الفصائل المتمردة الأصغر إليه.

استهدف الجيش الفصائل الأخرى في محاولة ليكون القوة الرئيسية الوحيدة في الغوطة. كان تنظيم «داعش» على رأس المناوئين لجيش زهران علوش، لكن الأخير قضى عليه وطرد عناصره من آخر معاقلهم في بلدة ميدعا التابعة لمدينة دوما، لتصبح الغوطة بعد ذلك تحت سيطرة جيش الإسلام وبعض الفصائل القليلة الأخرى التي تعمل تحت وصايته، خصوصًا بعد تشكيل القيادة الموحدة في الغوطة الشرقية بزعامة زهران علوش، القائد العام لجيش الإسلام، في نهاية 2014.

بهذا تحولت الغوطة في بداية 2014 إلى ما يشبه إمارة يحكمها جيش الإسلام، الذي فرض نفسه حاكمًا على المنطقة وثوارها، مكتفيًا بصد هجمات النظام المتتالية المدعومة بقوات ميليشيا حزب الله والحرس الثوري الإيراني، والضربات الجوية الروسية، دون محاولة جادة للتقدم على جبهات دمشق التي كانت مطمح الثوار في بداية حمل السلاح، لأنها العاصمة والغلبة لمن يسيطر عليها.

لا يعني ذلك أن جيش الإسلام يسيطر بشكل كامل على الغوطة، فهناك فصيل رئيسي ثانٍ هو «فيلق الرحمن»، الذي أنشئ في أواخر 2013 من اتحاد فصائل أصغر كانت تنتمي إلى «الجيش الحر»، ويُعد حي جوبر على أطراف مدينة دمشق أحد المناطق الأكثر الأهمية التي يسيطر عليها الفيلق.

الحصار والكيماوي

 أصبح الحصار حالة مستمرة في الغوطة، ما أدى إلى انتشار تجارة الحرب وإدخال البضائع بصفقات مشبوهة لتباع بأسعار باهظة.

ضرب النظام حصاره على الغوطة الشرقية في عام 2013، مانعًا دخول أي نوع من الأغذية والأدوية إليها، إضافةً إلى حرب ممنهَجَة شهدتها المدينة، كان أبرز معالمها مجزرة الكيماوي التي وقعت في 21 أغسطس 2013، حين استخدم النظام غاز السارين المحرم دوليًّا في قصف المدينة، ما تسبب، بحسب المعارضة، في قتل أكثر من 1500 شخص اختناقًا، في واحدة من أكبر المجازر التي وقعت في الحرب السورية، خصوصًا أن أغلب الضحايا كانوا من الأطفال.

بعد الهجوم الدولي، انتقدت الدول الغربية النظام بحدة، وهدد بعضها بالتدخل العسكري، وكان أبرزها تهديد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قبل أن ينتهي الأمر باتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا، يقضي بوضع الأسلحة الكيماوية للنظام السوري تحت رقابة دولية، ثم تدميرها كحل يمنع التدخل ضد النظام. وهو الاتفاق الذي شكّل، بحسب مراقبين، نقطة فاصلة في الحرب السورية لصالح الأسد، إذ عرف أنه سينجو من أي مأزق بتنازلات ضئيلة.

قد يهمك أيضًا: الدرس الذي يتعلمه النظام السوري من أمريكا

أما بالنسبة إلى الغوطة، فقد استمر الحصار والتدمير والقصف المستمر عليها بشكل متواصل. أصبح الحصار حالة مستمرة في المنطقة، وعائقًا أمام استمرار الحياة فيها من ناحية إدخال الطعام والأدوية، ما أدى إلى انتشار تجارة الحرب التي تمتهنها عناصر الحواجز المحاصِرة للمدينة بالتعاون مع بعض التجار داخلها، فتدخل البضائع بصفقات مشبوهة لتُباع في الداخل بأسعار باهظة، ناهيك بالاحتكار وندرة السلع أساسًا.

رغم انضمام الغوطة الشرقية إلى اتفاقية وقف التصعيد منتصف 2017، فإن ذلك لم يمنع النظام من الاستمرار في قصف المدينة مدعومًا بميليشيات حزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني، فضلًا عن اشتراك المقاتلات الروسية في العملية.

الغوطة الشرقية: أنين الجوع والحرب

الصورة: Jordi Bernabeu Farrús

يتقدم النظام يوميًّا في قرى الغوطة بشكل بطيء جدًّا تحت غطاء القصف المستمر.

«#الأسد_يحاصر_الغوطة». كان هذا هاشتاغ أطلقه ناشطون لمناشدة العالم فك الحصار عن المدينة، التي يؤكد تقرير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عام 2017 أن سكانها يعانون نقصًا حادًّا في الغذاء، ما دفعهم إلى البحث في القمامة عما يسد رمقهم.

رغم الأحاديث الكثيرة عن تسويات مرتقبة، تزامنت مع انعقاد الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف الخاص بسوريا، فإن النظام استمر في قصفه الغوطة وحصاره لها، مع محاولات مستمرة لاقتحام المدينة، كان آخرها في الخامس من فبراير 2018 بحرب «الأرض المحروقة»،  إذ تضطر الغوطة للتعامل قصف عنيف بشكل يومي، ما يخلِّف مئات الضحايا معظمهم من المدنيين.

يعتقد محللون أن النظام يسعى إلى فرض سيطرته على المنطقة بعد نجاحه في السيطرة على مدينة حلب أواخر 2016، ليقضي بذلك على أحد أهم الأماكن الحيوية التي تسيطر عليها المعارضة، ويوقف تهديدها لسيطرته على العاصمة.

إضافةً إلى أن المنطقة مهمة استراتيجيًّا في معاركه القادمة، وبخاصة تلك التي تتعلق بجنوب البلاد، وسيطرته عليها سيعني سحب ورقة تفاوضية مهمة من المعارضة، التي لن يبقى تحت سيطرتها سوى بعض المناطق في الجنوب، وإدلب التي تشهد تصعيدات متوالية من الجانب التركي ضد الأكراد، وقتال مستمر متبادَل بين الفصائل الإسلامية.

بحسب التطورات الأخيرة، يتقدم النظام يوميًّا في قرى الغوطة الشرقية بشكل بطيء جدًّا تحت غطاء القصف المستمر، ويشير المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى ارتفاع عدد ضحايا العملية الأخير، المستمرة منذ شهر تقريبًا، إلى أكثر من 600 قتيل وآلاف الجرحى، ما دعا منظمة العفو الدولية إلى إطلاق حملة «أوقفوا قصف سكان الغوطة الشرقية في سوريا».