المغامرة

لماذا لم يهربوا: المغامرة الرهيبة للتظاهر في سوريا

الصورة: Getty/Antonio Bolfo

هذا الموضوع ضمن هاجس «المغامرة». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


«إنهم يتجمعون الآن في نهاية الشارع الذي يعتبر المخرج الوحيد من الحي، أسلحتهم جاهزة، يصوبونها تجاهنا مباشرةً في محاولة لإخافتنا لنعود إلى بيوتنا دون أن نفعل ما نفعله كل جمعة».

«تقليديًّا، يبدأ السباق بعد الصلاة مباشرة، ولا ينتهي إلا في ساعات الغروب، يموت من انتهت مغامرته في هذه اللعبة، ويبقى من كُتب له الاستمرار أسبوعًا آخر، ليقارع الموت الذي يهطل كالمطر مع أول صوت يصدح في تظاهراتنا التي بدأت قبل شهر من الآن. كنا الأقوى رغم سلاحهم، كانوا يخافوننا فيطلقون النار، الذي تحول من رصاص إلى مدفعية فدبابة ثم طائرة وبراميل، تقتل كل أحد وتدمر كل شيء حلمنا به في تلك اللحظات التي بدأنا فيها هتافنا الأول: الشعب يريد إسقاط النظام».

مرت ست سنوات على البداية، كما يقول السوري أحمد الذي شارك في أوائل تظاهرات سوريا، تحديدًا في مدينة حمص، التي تعرضت للدمار الأكبر في أحيائها الثائرة، وخسرت كثيرًا من أهلها ومعالمها بسبب الحرب التي نتجت عن الثورة.

يؤكد أحمد أنه رغم كل ما حدث، لو عاد به الزمن مرةً أخرى إلى 2011، لن يتوانى عن خوض معركته السلمية في التظاهر ضد أجهزة الأمن السورية وخلفها النظام، الذي كان إسقاطه مغامرة لا يزال يؤمن بها رغم مرور كل تلك السنوات.

سوريا: المغامرة المميتة  

متظاهرون سوريون في مدينة عربيل

بمجرد بداية المظاهرات بدأ القتل، وطالت الاعتقالات كل من يقع في قبضة الأمن، لكن التظاهرات لم تتوقف، بل زاد انتشارها وحجمها.

«اعتقدنا أنهم مجانين، كنا واثقين أن أحدًا منهم لن يعود إلى بيته بعد هذا التجرأ الذي أقدموا عليه بحق أجهزة الدولة»، هكذا يصف أحمد شعوره وبقية أقرانه من العائلة في قريتهم القريبة من حمص، حين شاهدوا عبر إحدى القنوات الفضائية سوريين يتظاهرون في دمشق لأجل «العدالة والمساواة والحرية»، وتلك الأشياء التي كان يُمنَع على السوريين حتى الهمس بها.

كانت القنوات الفضائية تؤكد أن سوريا دخلت في معترك ما أُطلِق عليه «الربيع العربي»، إلا أن أحمد لم يكن يعتقد ذلك حينها، وكان يرى أن القبضة الأمنية في سوريا كفيلة بمنع أي شيء من هذا القبيل ولو كلفها ذلك دمار مدينة أو حرق مليون سوري في يوم واحد، وهو ما عبّر عنه شعار أنصار النظام: «الأسد أو نحرق البلد».

اقرأ أيضًا: كيف يسير بشار على سياسة أبيه حافظ؟

بمجرد بداية التظاهرات بدأ القتل، وطالت الاعتقالات كل من يقع في قبضة الأمن، لكن التظاهرات لم تتوقف، بل، على عكس المتوقع، زاد انتشارها وحجمها في البلاد، مثلما يؤكد الشاب السوري الذي شارك في اعتصام ساعة مدينة حمص الشهير، وشهد في نهايته مجزرة عُرفت بـ«مجزرة الساعة».

سنظل نتظاهر: لماذا لم يهربوا؟

مواجهات بين متظاهرين في دمشق وقوات الأمن

علاء نعيم كان شاهدًا على مظاهرة حمص الكبيرة يوم اعتصام الساعة، لكنه غادر الاعتصام الذي انتهى بالمجزرة.

خلال حديثه مع «منشور»، يتساءل نعيم بشأن الآلاف الذين اعتصموا في تلك المنطقة رغم عشرات النداءات التي دعتهم إلى إخلاء المكان قبل اقتحامه من الأمن: «لماذا لم يهربوا؟»، قبل أن يعود ليجيب: «من خرج للتظاهر كان يعلم أن الموت أقرب ما يمكن إليه في تلك الساعات، وهناك أشياء وأحاسيس أقوى من أن يتخيلها عقل من لم يحضر تلك اللحظات، كانت الدافع الأبرز للمعتصمين للتخلي عن الهرب أو فض الاعتصام، اعتقدوا أن فرصة كتلك لن تتاح لهم في الأيام القادمة لو فشلت ليلتهم تلك».

لا يرى علاء أن الاعتصام كان مغامرة فاشلة، فرغم الموت، صارت الشجاعة التي أظهرها المعتصمون مثالًا يعتز به كل متظاهر، وهو ما دفع أبناء المدينة إلى عدم التوقف عن المطالبة بحقوقهم وتجذيرها تدريجيًّا، حتى وصلت إلى المطالبة بالتخلص من النظام بكل أركانه.

قد يهمك أيضًا: وحي المعركة: أدباء سوريون يحكون تجربتهم

رصاصة تقتل، وأخرى تُقَوّي

إطلاق النار على المتظاهرين في حي قابون الدمشقي

لا ينكر رمضان أن المتظاهرين كانوا يخافون الأمن في البداية، وكان التظاهر مغامرة تبعث على الرهبة.

«لم أمُت، لكني ازددت إصرارًا على أن هذا النظام يجب أن يرحل حتى نستطيع العيش في بلادنا»، هكذا يؤكد رمضان من ريف دمشق، المحافظة التي ثارت مدنها وقراها ولاقت ما لاقته المدن الأخرى من قتل واعتقال.

يتحدث رمضان عن تلك الرصاصة التي اخترقت أحشاءه، لكنها لم تكن في المنطقة المناسبة لترديه قتيلًا، فأكمل مغامرته مع الثورة، وصار لاحقًا من المراسلين الإعلاميين الأوائل الذين أسهموا في تغطية أحداث الحرب على السوريين، وتصوير القصف والمعارك التي دارت في مدن وبلدات الغوطة الشرقية، أحد أهم أجزاء سوريا المتمردة على حكم نظام الأسد حتى اليوم.

قد يعجبك أيضًا: الأفلام الوثائقية ترسم معالم الحرب في سوريا

سوريا: زادت الحشود فقلت هيبة الأمن

عدد ضخم من المتظاهرين في مدينة حماة

لا ينكر رمضان أن المتظاهرين كانوا يخافون الأمن في البداية. وبالنسبة إليه، كان التظاهر مغامرة تبعث على الرهبة، كان يترقب بداية إطلاق الرصاص الذي يعني بالضرورة تلاشي المتظاهرين.

لكن «زيادة حشود المتظاهرين في الساحات العامة كانت تزيد متعة المغامرة دومًا»، بحسب رمضان، الذي يوضح أن الأمن كان يفقد هيبته وجبروته كلما زادت الأعداد، فيصير من الصعب كسر شوكة المتظاهرين، خصوصًا مع تحولهم إلى مرحلة حماية أنفسهم من القتل عبر مراقبة تجمعات الأمن، الذي بدأ يفقد سيطرته شيئًا فشيئًا على المظاهرات، ما أدى في النهاية إلى الانتقال للمرحلة الثانية من القمع وتدخُّل الجيش، الذي صَيّر البلاد إلى الوضع الذي هي عليه الآن.

«الأمن أقرب إلينا من حبل الوريد»، كما يقول رمضان، «نعرف أنهم سيطلقون النار علينا في النهاية، لكننا لم نكن لنخافهم، نخرج ونتظاهر، نصلي ونخرج، أو ننتظر عند أبواب المسجد إن لم نصلِّ ثم نلتحق بالمظاهرة، نتحين يوم الجمعة وصلاة الجمعة، أضحت عنوانًا لحرية السوريين، ومنطلقًا لمغامرتنا التي لم تنتهِ حتى اللحظة».