عالمنا

سياحة مظلمة: انظروا كيف انتهى الخلق

الصورة: Getty/Athit Perawongmetha

هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويرها، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.


في إبريل من عام 1975، انطلقت جماعة «الخمير الحمر» في كمبوديا نحو العاصمة «بنوم بنه» محدثين ضجة عالمية، في رد فعل على انتشار الدمار في البلاد إثر القصف الأمريكي في عصر الرئيس «ريتشارد نيكسون».

كانت تلك الجماعة تريد العودة بكمبوديا إلى «المدينة الزراعية الفاضلة»، وفي سعيهم إلى هذا خلَّفوا وراءهم واحدة من أكبر مجازر العصر الحديث، فقتلوا نحو مليوني مواطن كمبودي، وتخلصوا من كل المثقفين والمتنورين، حتى وصل بهم الأمر إلى قتل أي فرد يلبس نظارة طبية، ومنعت قوات الجماعة تداول الأموال في منطقة سيطرتهم، وقمعت الحريات، فمنعوا السكان من ممارسة أي شعائر دينية، بل حاولوا فرض فكرة إسقاط عبادات الإله والديانات من الأساس.

كان في كمبوديا وقت قدوم «الخمير الحمر» ما يقرب من 40 ألف مسلم، وعند رحيلهم لم يتبقَّ سوى أربعة أفراد، وظلت كمبوديا غارقة في ظلام دامٍ لمدة أربع سنوات، حتى جاء الجيش الفيتنامي عام 1979 وخلصها من جلاديها.

لكن لم ينتهِ المطاف بذلك بالنسبة إلى ضحايا الفاجعة، المليوني قتيل، بل صار هناك مزار سياحي تُعرض فيه جثثهم، أو ما تبقى منها من جماجم وعظام، وصور فوتوغرافية وثائقية لهم خلال تعذيبهم. خُلِّدت ذكراهم الدرامية وأُعيد فتح السجون التي عُذبوا فيها والأماكن التي كانت شاهدة على الإبادة، وذلك من أجل أولئك الأشخاص الذين يجوبون الأرض بحرًا وجوًّا وبرًّا، بحثًا عن الموت والمآسي الدرامية باسم ما يعرف بـ«السياحة المظلمة» أو السياحة السوداء.

السياحة المظلمة: لماذا نحب الموت؟

السياحة داخل الأهرامات - الصورة: Ricardo Liberato

السياحة المظلمة مستمدة من الكلمة اليونانية القديمة «تاناتوس»، التي تعني تجسيد الموت، وتعني السياحة المظلمة «الذهاب إلى أماكن الموت والكوارث الطبيعية بغرض السياحة».

ربما تكون قد استنتجت أن السياحة المظلمة ترتبط بأشياء مخيفة ويفعلها أشخاص مظلمون مثلها، لكن هذا سوء فهم لا أكثر، فذلك النوع من السياحة يحدث بشكل مختلف وبعيد عن النوع الكلاسيكي للسياحة المتعارف عليها بين الناس، مثل الذهاب إلى الشاطئ أو السفر لدولة أخرى لمشاهدة الطبيعة أو السياحة العلاجية أو الدينية أو غيرها.

على العكس تمامًا، فهؤلاء يذهبون لمشاهدة ما تبقى من آثار التعذيب والقتل والإبادات الجماعية، وحبذا لو كانت هناك كوارث طبيعية، وسيجذبهم أكثر إذا كانت هناك قصص خيالية حول المكان عن أشباح للمقتولين أو أشياء غريبة تحدث بعد رحيل الجميع.

كان الناس يسافرون إلى روما قديمًا لمشاهدة المصارعين في الحلبات الرومانية، في مباريات تنتهي بموت أحد المصارعين.

قد لا تدرك أننا جميعنا بشكل أو بآخر مارسنا أو نرغب في ممارسة السياحة المظلمة، ففكرة الاستمتاع  برؤية الموت لازمت الإنسان وتطورت وانتشرت بوجوده. مثلًا، أنا كمصرية قمت بهذه السياحة أكثر من مرة دون علم، فذهابي إلى أهرامات الجيزة يعني أني مارست السياحة المظلمة.

عندما دخلت إلى الهرم الأكبر لأرى غرفة دفن الملك خوفو، كنت واحدة من محبي السياحة المظلمة، فالأهرامات ما هي إلا مقابر ملكية عالية المكانة عظيمة التصميم. وأنت كذلك لست بعيدًا عن ممارسة أو الانجذاب إلى ممارسة السياحة المظلمة، فكم من مرة انبهرت عند رؤيتك صورًا أو مقاطع فيديو لـ«تاج محل» في الهند على الإنترنت وودت أن تسافر إلى هناك، حينها ستكون قد أصبحت «سائحًا مظلمًا» يا صديقي، فتاج محل مقبرة ملكية.

قد يهمك أيضًا: كيف يساعدك السفر على إعادة النظر للعالم؟

من المصارعة الرومانية إلى فوكوشيما

مسرح الكولوسيوم في مدينة روما الإيطالية - الصورة: Bjf

السياحة المظلمة في العصر الحديث في مواقع مثل ساحات القتال أو معسكرات الاعتقال، أو أماكن الانفجارات النووية والتفجيرات الإرهابية.

انجذاب السياح لرؤية المأساة أو الموت ليس جديدًا، فقديمًا كان الناس يسافرون إلى روما من أجل مشاهدة المصارعين في الحلبات الرومانية يخوضون صراعًا ينتهي بموت أحد المصارعين على يد الآخر، وكانت تلك المصارعة من الطقوس الدينية في حضارة المايا.

وفي أوروبا العصور الوسطى، كان الناس يسافرون إلى المقابر ويُوَلُّون وجههم شطر مواقع استشهاد من حاربوا باسم الدين، أو أُعدموا. وازداد هذا الاهتمام بالموت خلال الفترة الرومانسية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، فكانت قرية «واترلو» محل اهتمام الزوار بعد المعركة التي شاهدتها في عام 1815، حين هُزمت قوات نابليون أمام قوات التحالف بقيادة «ولنجتون»، وكذلك أطلال «بومبي» بالقرب من خليج نابولي في إيطاليا عند اكتشافها في القرن الثامن عشر، بعد أن ظلت مطمورة لمدة 1600 سنة تقريبًا، إثر البركان الذي غمرها في عام 79.

ينصب التركيز الرئيسي في العصر الحديث على المواقع التي حدثت فيها حالات الموت أو المعاناة أو خُلِّدت كتذكار، مثل ساحات القتال أو معسكرات الاعتقال أو الأبراج المحصنة أو السجون أو المقابر أو أماكن الانفجارات النووية والذرية أو أماكن التفجيرات الإرهابية، مثل برجي التجارة العالمي في الولايات المتحدة، الحادث الذي راح ضحيته أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وصار أحد أهم الأماكن التي يتجه صوبها السياح لمشاهدة الموت في أفجع صوره.

السياحة المظلمة تعيش الآن فترة من الازدهار والانتعاش المتزايد بشكل كبير، فمعسكر أوشفيتز الألماني، الذي استخدمته النازية لاعتقال وتعذيب اليهود، أصبح من أكبر المزارات السياحية السوداوية في العالم، وزاد الإقبال عليه بنسبة 40% خلال عام 2015، طبقًا للإحصائية التي تشير إلى النمو المتزايد لأعداد السياح، إذ سجل في عام 2005 نحو ثمانمئة ألف سائح، ويستمر هذا النمو حتى يصل في عام 2015 إلى مليون وثلاثمئة ألف سائح سنويًّا.

سر جاذبية السياحة المظلمة

غرف غاز محطمة في معسكر أوشفيتز الألماني - الصورة: Fish and karate

قد يذهب الناس إلى مواقع السياحة المظلمة لرؤية الأوضاع على حقيقتها: كيف عاش الناس؟ كيف مر الموت من هنا؟ ما خلَّف وراءه من حكايات وقصص؟

ما الذي يدفع شخصًا مثلي أو مثلك لدفع مال وتخصيص وقت وجهد من أجل الذهاب إلى أماكن الموت و المأساة، في الوقت الذي يُفترض أن يقضيه في الاستجمام واستعادة نشاطه؟ تعددت الأسباب التي قد تدفع شخصًا إلى قضاء إجازته في أماكن سيطر عليها الموت، لكن أغلبها أسباب نفسية وعقلية تتعلق بالحقيقة والأساطير.

قد يهمك أيضًا: الكنز في الرحلة: ﻻ تشترِ السلعة، اشترِ التجربة

1. البحث عن المغامرة والإثارة

أن تجد نفسك تائهًا وسط الصحاري، أو تحصل على فرصة للمشي بين حطام طائرة منكوبة، أو ترى بعينك آثار قنبلة نووية، كل هذا الأشياء هي ما تدفع «بيتر هونهوس»، مؤسس موقع إلكتروني مختص فقط في السياحة المظلمة، إلى العمل على نشر هذه السياحة.

يقول هونهوس إن المغامرة والإثارة وعدم توقع ما سيحدث هي الأسباب التي دفعته للاستمرار في الذهاب إلى أماكن سياحية مظلمة، بل على العكس، أصبح ممن يكرسون حياتهم لها، فقد أنفق أموالًا ووقتًا وجهدًا من أجل نشرها عبر موقعه الإلكتروني.

2. معرفة الحقيقة

آثار المدينة الرومانية «بومبي» - الصورة: bogles

قد يذهب الناس إلى مواقع السياحة المظلمة من أجل رؤية الأوضاع على حقيقتها ومعرفة كيف جرت الأمور؟ كيف عاش الناس من قبل؟ كيف مر الموت من هنا؟ ماذا فعل؟ ما خلَّف وراءه من حكايات وقصص؟ ولمعرفة حقيقة روايات التاريخ من أهل البلد أنفسهم، ومقارنتها بروايات التاريخ والوصول إلى حقيقة تقتنع بها عقولهم، فالسياحة المظلمة مثل تاريخ البشرية المظلم، يجب أن نتذكره كي نفهم ماهيتنا كبشر.

لكن نفسيًّا، ما الذي يجعل الشخص ينجذب نحو رؤية الموت بكامل إرادته، بل يستمتع بذلك؟ قد تكون الإجابة بسيطة: إدراكنا نحن البشر حقيقة الموت وتقدسيه كشيء عظيم.

قد يهمك أيضًا: ماذا سترى عند الموت؟

3. الاتصال بالموت

قرية يابانية هجرها أهلها بعد حادث مدينة فوكوشيما

الاتصال بالموت أو رؤيته تدفع الناس إلى تحدٍّ جديد، يغرس في الناس رسالة رمزية هي الولادة مجددًا في كل مرة يرون الموت.

يتحدث «جون لينون»، الدكتور بمعهد بحوث السياحة المظلمة في جامعة سنترال لانكشاير الإنجليزية، عن أن الإنسان المعاصر ليس لديه اتصال قوي بالموت والمأساة، لهذا قد يذهب إلى تلك الأماكن من أجل الشعور بالقرب من الموت، وحتى يحس بقيمة الحياة.

إذا ذهبت إلى أحد أماكن الكوارث السياحية، مثل فوكوشيما التي حدث فيها تسرب نووي إثر إعصار تسونامي اليابان 2011، والتي صارت وجهة سياحية مظلمة بعد التأكد من خُلُوِّ المنطقة من أي إشعاعات نووية، فلن ينتابك سوى شعور واحد هو الامتنان لعدم إصابتك أنت أو من تحب بمثل هذه الفاجعة النووية.

يوضح لينون أن الاتصال بالموت أو رؤيته تدفع الناس إلى تحدٍّ جديد، يغرس فيهم رسالة رمزية هي الولادة مجددًا في كل مرة يرون الموت، كأن السياح بدخولهم إلى الأماكن المظلمة يهدفون إلى العودة للنور.

مدينة فوكوشيما اليابانية - الصورة: Steven L. Herman

يظل الجدل قائمًا بين كون هذا النوع من السياحة أخلاقيًّا أم لا، لكن إذا قررت أن تجرب هذا النوع من السياحة فهناك آداب عليك مراعاتها، تحديدًا في أماكن الموت مثل كمبوديا، مثل عدم التحدث بصوت عالٍ، وأن لا تكون ملابسك ذات ألوان ملفتة، وإظهار الاحترام لمن قضوا نحبهم. وتذكر، السياحة المظلمة ليست بالضرورة لأشخاص مظلمين، فيمكن لأي شخص أن يفعلها بقصد أو دون قصد. 

, , , , ,