من نراقب؟ من يراقبنا؟

أحدهم ينظر إلي: هل يراقبنا الغرباء أم نجذب انتباههم؟

لقطة من فيلم «Short Film About Killing» - الصورة: Zespol Filmowy

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمبر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


تجلس في المقهى، فينتابك ذلك الشعور المزعج بأن أحدهم يُحدق إليك، يتتبع حركاتك والتفاتاتك، بل هو يأكلك بعينيه وينخر جسدك بهما نخرًا. من فرط ضيقك، تلتفت، فتلتقي أعينكما. لقد كان حقًّا يلاحظك ويراقبك، أو هكذا تظن ظنًّا يشبه اليقين.

تجلس وحدك في الشرفة في ساعة متأخرة من الليل، فتلمح بطرف عينك طيفًا يقف وراءك، تكاد تشعر بأنفاسه، تتسارع دقات قلبك ويتعرق جبينك، فتهب واقفًا لتمسك به، فلا تجد شيئًا هنالك.

ما سر ذلك الشعور الذي ينتابك في كثير من الأوقات بأن أحدهم يتطلع إليك ويراقبك بإصرار؟ لماذا ترى هؤلاء، حقيقيين كانوا أو أشباحًا من نسج الخيال؟

1. لأنك ترى أكثر مما تراه عيناك

الصورة: Staecker

في المخ البشري نظام وظيفته رصد نظرات الآخرين، يتميز بحساسية كبيرة في رصد الأعين التي تتطلع مباشرة في اتجاهك. وتشير دراسات إلى أن خلايا بعينها في المخ يزداد نشاطها إذا تطلع إليك شخص مباشرة، في الوقت الذي تنشط فيه خلايا أخرى حال كانت نظرة الشخص تنحرف إلى يمينك أو يسارك قليلًا. فكأن المخ لديه كتالوج لتصنيف النظرات، بل إن الأبحاث تُظهر أننا لا نستطيع إيقاف تلك الآلية، فهي تعمل بصورة سريعة وأوتوماتيكية.

في عام 1974، أطلق أحد الباحثين اسم «Blindsight» على الظاهرة التي يظل فيها المريض المصاب بالعمى القشري (Cortical Blindness)، أي العمى بمعناه التقليدي، قادرًا على الاستجابة لمحفزات بصرية رغم فقدانه الرؤية الواعية، فهو لا يستطيع مشاهدة فيلم أو قراءة كتاب، لكنه قادر على تحديد مكان الأضواء المبهرة أمامه إلى حد كبير، ويُعتقد أن هؤلاء المرضى يستطيعون رصد بعض الحركات والمشاعر المرتسمة على الوجوه.

يرصد الدماغ البشري أكثر مما نعيه أو نعتقد أننا نراه، فالشخص الذي رصدته بطرف عينك يتطلع إليك، التقطه نظام رصد النظرات في دماغك رغم أنك لم تلحظ وجوده بشكل واعٍ.

هذا ما أكدته دراسة حالة أُجريت عام 2013 على مريض مصاب بالعمى. فرغم عجزه عن الرؤية، يظل الدماغ يتلقى مُدخلات من العينين عبر مناطق أخرى ما زالت تعمل بشكل طبيعي، فيظل قادرًا على الاستجابة للمعلومات التي تستقبلها العينان، وتعالجها مناطق أخرى من المخ غير القشرة البصرية المصابة.

في الدراسة تلك، عُرضت صور لوجوه عدة على المريض، كان بعضها يتطلع بعينيه مباشرةً إليه، والآخر إلى اليمين أو اليسار. ورغم عدم قدرة المريض على التعبير عما يراه، لوحظ ارتفاع نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي الجزء من الدماغ المسؤول عن التعامل مع التهديدات والإثارة، عندما عُرضت عليه صور لأشخاص ينظرون في اتجاهه، فكأنه كان يشعر أنهم يتطلعون إليه.

عندما تغادر المعلومات البصرية العين، تذهب إلى ما لا يقل عن 10 مناطق مختلفة في المخ. فإذا كانت القشرة البصرية تدعم الرؤية الواعية، فتُحلل الألوان والتفاصيل لنرى العالم كما نراه، فإن أجزاء أخرى في المخ تعالج معلومات أخرى، وتعمل حتى إن لم نكن واعين لما تفعله.

يرصد المخ البشري أكثر مما نعيه أو نعتقد أننا نراه، فذلك الشخص الذي رصدته من طرف عينك يتطلع إليك التقطه نظام رصد النظرات في مخك، رغم أنك لم تلحظ وجوده بشكل واعٍ.

قد يعجبك أيضًا: التطور والواقع: هل نرى ما نرى فعلًا؟

2. لأنك تعتقد أن أحدهم ينظر إليك

الصورة: Tim Gouw

قد يرجع سبب شعورك بأن أحدهم يتطلع إليك بإصرار إلى تفكيرك. كان العالِم النفسي «إدوارد تيتشنر» من أوائل من تحدثوا عن هذا في مطلع القرن العشرين، حين كتب مقالًا طويلًا عنوانه «الشعور بأن أحدهم يحدق إليك»، زعم فيه أن تفكيرك في قدمك مثلًا يجعلك تشعر بشكل مكثف ومُلِح بذلك العضو، وبالمثل، رأى أنك تزرع ذلك الشعور بالمراقبة في خيالك بيديك.

ذلك الشعور بالمراقبة يمكن تفسيره، بحسب تيتشنر، عن طريق «النبوءة التي تحقق ذاتها» (self-fulfilling Prophecy)، فإذا انتابك شعور بأنك مراقب وأنت تقف أمام جمع غفير،  فإن تمَلمُلك أو الحركات العصبية التي قد تصدر عنك ستجذب إليك الانتباه، وبذلك فإن شعورك بالمراقبة يكون قد تحقق فعلًا، لكنك سببه.

تشير دراسة نُشرت عام 2013 إلى أنك إذا كنت غير متأكد إلى أين يتطلع شخص آخر، مثلما هو الحال إن كان يرتدي نظارات داكنة تحجب عينيه، فإنك تميل إلى الاعتقاد بأن ذلك الشخص صاحب النظارات يتطلع إليك. إذا انتابك ذلك الشعور قد تلتفت نحوه، وحينها سينتبه هو إليك، وبالتالي سيكون شعورك بالمراقبة قد تحول إلى نبوءة تحقق ذاتها.

لكن لماذا قد يتملكك ذلك الشعور الطاغي، والمخيف حينها، أن هناك من يراقبك رغم أنك جالس وحدك؟

3. لأن جسمك يلتقط إشارات أكثر مما تعي

عندما تُصفِّر الكلاب تستجيب الكلاب الأخرى، بينما لن يصدر عنك أي رد فعل واعٍ لأن تردد تلك الصافرة خارج نطاق قدرتك السمعية كبشري، التي تمتد من 20 إلى 20 ألف هرتز. ورغم أننا لا نسمع ترددات صافرة الكلاب، فإنها تُصدر ذبذبات نشعر بها، وقد تجعلنا نتصور رؤية أشياء غير موجودة.

كان أحد الباحثين يرى شبحًا يتتبعه في معمله، ثم اكتشف بعدها أن محرك المروحة الموجودة في المعمل كان يصدر ذبذبات منخفضة سببت ذلك الشعور.

يقول عالم الفيزياء الفلكية «نيل ديغراس تايسون» إن هناك ما يسمى «التردد الشبحي»، وهو تردد 18.98 هرتز، ويقل قليلًا عن حدود السمع البشري. تُحدث هذا التردد المحركات والأجهزة الكهربائية، وقد يتسبب في الشعور بوجود أشباح تراقبنا.

التردد الصوتي للعين البشرية هو 18 هرتز، ويمكن أن تخلق الترددات القريبة منه «ذبذبات تحت صوتية» في مُقلة العين، فتتسبب في حدوث زغللة وخدع وتشوهات بصرية، مثل رؤية أشخاص بطرف العين.

لوحظ ذلك التأثير لأول مرة عام 1998، عندما كان أحد الباحثين يرى شبحًا يتتبعه في معمله، ثم اكتشف بعدها أن محرك المروحة الموجودة في المعمل كان يصدر ذبذبات منخفضة هي سبب ذلك الشعور.

اقرأ أيضًا: لا تنظر خلفك، إنه في الغالب هناك، يراقب

4. لأن جسمك قد يرتبك، فيراك شبحًا

الصورة: Steven Lilley

تشير دراسة أجريت عام 2014 إلى أن الشعور بوجود آخرين يراقبونك قد يحدث نتيجة خلل في ثلاث مناطق مختلفة في الدماغ، وينتج عنه قصور حسي/حركي. بعبارة أخرى: ذلك الشعور الوهمي بالمراقبة قد يُعبِّر عن ارتباك في أنظمة جسمك، تؤدي إلى حالة من سوء الإدراك، فلا يعرف جسدك الفرق بينه وبين الآخرين، فينسب حركاتك أو إحساسك إلى شخص آخر غير موجود،  وتصبح أنت نفسك الشبح الذي تراه.

أيًّا كان التفسير وراء ذلك الشعور، فإنه آلية دفاع وتنبيه من خطر قد يكون محدقًا بك، فنظام الإبصار غير الواعي يراقب البيئة من حولك في وقت قد يكون انتباهك معارًا إلى شيء آخر، فكأن لديك جهاز إنذار يعمل بصورة أوتوماتيكية.

اقرأ أيضًا: المقاهي وأماكن التجمعات كمنصات لمراقبة الآخرين؟

شكل العين البشرية يدفع إلى التواصل

الصورة: Steve Evans

هل تأملت يومًا الشكل الذي تتميز به عيناك مقارنةً بالقطط مثلًا؟

يوجد تباين كبير بين لون مركز العين البشرية (القزحية والبؤبؤ) الداكن وبياض العين، في الوقت الذي يصعب فيه التمييز بين تلك المنطقتين في الحيوانات، إذ تغطي القزحية والبؤبؤ أغلب الجزء الظاهر من العينين ويكون البياض داكنًا.

يُسهِّل الشكل البشري للعين كشف الوجهة التي تتطلع إليها العيون، وييسر كذلك تتبع حركتها. وبينما قد تسبب تلك الخِلقة مشكلة للحيوانات المفترسة التي لا تريد أن تعرف فريستها إلى أين تنظر، فإنها تسمح بتواصل أكبر بين البشر. والأكثر من ذلك أن العلماء يقولون إن بياض العين البشرية تطور إلى تلك الدرجة ناصعة البياض كي يعزز قدرة البشر على التواصل.

إذا كانت العين البشرية صُممت لتُعلي قيمة التواصل، وإذا كانت ترصد النظرة وما حولها، فإن هذا يعني أن الملاحظة الممنهجة أو المراقبة لا بد أن لها تأثيرًا يغير من سلوكنا.

كيف تغير المراقبة سلوكنا؟

في عام 1924، أراد مُلاك مصنع «هوثورن» في ولاية شيكاغو الأمريكية معرفة درجة الإضاءة التي قد تزيد الإنتاجية، لكن تجربتهم كانت لها آثار تفوق ما أرادوه بكثير، فقد تبيّن لاحقًا أن العمال بذلوا جهدًا أكبر عندما شعروا بالملاحظة، فكان أن ظهر مصطلح «تأثير هوثورن» عام 1950، للتعبير عن التأثير الذي تُحدثه المراقبة على السلوك البشري.

تبعت تجربة هوثورن تجارب أخرى كثيرة أظهرت نتائج متفاوتة للملاحظة على السلوك البشري. سعت إحدى تلك التجارب إلى رصد نزوع الأشخاص إلى إلقاء المخلفات في أحد المقاهي قبل وبعد تعليق لوحات مرسوم عليها عيون للإيحاء بالمراقبة، فوجدت أن الناس يكونون أكثر حرصًا على تنظيف المكان عندما تكون اللوحات معلقة، رغم أنه لا يوجد أشخاص حقيقيون يوجهون سلوكهم.

اقرأ أيضًا: هل يمكن لدماغ الإنسان تجاوز المستحيل؟

لوحظ فعلًا أن تعليق صورة عيون كفيل بأن يحد من سرقات الدراجات، ويشجع الناس على التخلص من المخلفات بطريقة صحيحة، فكأن إيهامنا بالمراقبة كفيل بتغيير سلوكنا.

الحدود بين ما هو مسموح رصده بالكاميرات وأجهزة التسجيل، وما هو مساحة شخصية خاصة، يعقِّد الأمر ويثير تساؤلات حول الحق في ممارسة الرقابة.

سعى بحث آخر إلى رصد تأثير استخدام تطبيق لمراقبة عمليات البيع وتتبع سرقات الندلاء في نحو 400 مطعم في الولايات المتحدة. في مجال المطاعم يكون هامش الربح صغيرًا، لذا تكون السرقات ذات تأثير ملحوظ على صافي الأرباح، ويَنْزَع الندلاء أحيانًا إلى السرقة لضعف رواتبهم واعتمادهم بشكل كبير على الإكراميات.

ازداد إجمالي مكاسب كل مطعم بعد تفعيل نظام المراقبة بنسبة 7%، ويعزو الباحثون ذلك الأثر الإيجابي إلى تعديل الندلاء سلوكهم من السرقة إلى تشجيع الزوار على تجربة أطباق إضافية، من أجل زيادة المكاسب والإكراميات.

تُظهر التجارب السالفة التأثير الإيجابي للمراقبة، بينما هناك أبحاث أخرى تشير إلى أن الخضوع للمراقبة في أماكن العمل يقلل إبداع الموظفين، ويزيد من الضغط النفسي ويجعلهم يشعرون بالتهديد.

إضافةً إلى ذلك، فإن تعيين الحدود بين ما هو مسموح أن ترصده الكاميرات وأجهزة التسجيل والمتابعة، وما هو مساحة شخصية عالية الخصوصية، يُعقِّد الأمر ويثير تساؤلات حول الحق في ممارسة الرقابة، فقد تشمل الرقابة رصد المواقع التي يستخدمها الموظف، وتسجيل مكالماته ومُددها.

يعاني مَن هُم في أسفل السلم الوظيفي تحديدًا من تلك الرقابة، ويؤكدون أن ضغط العمل يزداد وقعه بنسبة 10% عندما يكونون تحت الملاحظة.

عيناك مصممتان للحث على التواصل في الأجواء الحميمية، وهما وسيلة تنبيه بالغة الحساسية، إذ تريان أكثر مما تظن، وترسلان كمًّا هائلًا من المعلومات إلى مخك. لكن في المرة المقبلة التي ستلتفت فيها برأسك لتتفقد ذلك الشخص الذي تكاد تجزم أنه اخترق جسدك بنظراته، تأكد أولًا أنه ليس شبحًا من صنع خيالك.