لطالما كان أمنُ المملكة العربية السعودية الشقيقة عقيدة استراتيجية راسخة، وخطًا أحمر في كل الأدبيات السياسية الخليجية والعربية، غير أن محاولة المساس بحرمة سماء وأرض مكة المكرمة، قفزت بالمسألة من مساحة الدبلوماسية الهادئة وصياغة التنديدات المهذبة إلى مرحلة الحسم الذي لا يداري ولا يداهن، لتشكيل جبهة حازمة في وجه عدوان ميليشياوي حوثي تحركه طهران كبيدق في شطرنج إقليمي تتجاوز رقعته اليمن لتستهدف شريان الأمن الخليجي بأكمله.
إن هذه الوقاحة العمياء والجرأة الخرقاء باستهداف مكة المكرمة، تعتبر طعنة في وجدان الأمة، قبل أن تكون تهديدًا للأرض، فالميليشيا التي اتخذت من شعارات "نصرة القدس" و"قضايا الأمة" ستارة لتغطية عدوانيتها تخلع اليوم آخر أقنعتها، فمن يجرؤ على توجيه صواريخه ومسيّراته نحو قبلة أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، صاغرًا لأجندة ولي نعمته في طهران، لا يمكن أن يحمل همًا عربيًا أو إسلاميًا، بل هو مجرد أداة وظيفية تتذرع بالمقدسات للتضليل وتستبيح حرمتها متى ما انهالت عليها الإملاءات الخارجية لحسابات تفاوضية.
لم يعد الدعم والتبني الإيراني لهذه الذراع مجرد أداة لزعزعة استقرار المملكة أو تهديدًا خبيثًا للملاحة البحرية الدولية عبر خنق باب المندب ومضيق هرمز، بل استحال استهتارًا صارخًا بأقدس بقاع الأرض وازدراءً لمشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
لقد تجاوز الخطر مرحلة المواجهة بالبيانات الدبلوماسية، فالمساس بمكة المكرمة ليس نزاعًا حدوديًا يُدار بالمفاوضات ولا خلافًا سياسيًا يُعالج بدبلوماسية "ضبط النفس"، إنه عدوان مباشر على ثوابت العقيدة ومقدسات الأمة الإسلامية، وإن اكتفاء المجتمع الدولي بالإدانات الروتينية قد يجنح إلى اعتباره تواطؤا ضمنيًا يغري الميليشيا وداعميها بالتمادي ويرسخ وهمًا خطيرًا بأن المقدسات أضحت ضمن "قواعد الاشتباك"، وهو ما لا يمكن قبوله أو السكوت عنه.
إن حماية أرض الحرمين الشريفين وصون أمن ملايين المسلمين من ضيوف الرحمن في بيته العتيق، ليس شأنًا سعوديًا خالصًا، إنما هو واجب خليجي وعربي وإسلامي جامع، يفرض الانتقال فورًا من موقف التضامن اللفظي إلى الفعل الرادع الذي يقطع الأيادي العابثة ويضع حدًا نهائيًا للمغامرات الإيرانية المتكررة عبر أذرعها في المنطقة.
هذه ليست رغبة عابرة أو دعوة حماسية سرعان ما يفتر فوارها، إنما هي جرس إنذار يستنفر الهمم ويستعجل القمم لبلورة الفعل الجماعي القادر على تفكيك وإفشال المؤامرة التي تحاك ضد المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربية، في توقيت تضع فيه إيران وأدوات شرورها المنطقة والعالم على "كف عفريت".. يومها سيقال لمن وعى وسعى "كفيت ووفيت"، وسيقال لمن سهى عن ساحة الوغى "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"