ثمة مفارقة لافتة في الجغرافيا السياسية للخليج العربي، فالكويت أصغر دول شبه الجزيرة العربية مساحة وعددًا، تشكل منذ عقود أحد أكثر النماذج الدبلوماسية نضجًا وتماسكًا في منطقة تعج بالتوترات وتغلي بالصراعات.
وحين توضع هذه الدولة وجها لوجه أمام العدوان الإيراني المتجدد بأشكاله المتعددة وأساليبه المتقلبة، تتجلى في أبهى صورها تلك الحكمة الدبلوماسية الفذة التي صاغها المؤسسون بعقل بارد وبصيرة ثاقبة، وصانها الخلف بإرادة صلبة وقناعة راسخة لتقف شاهدًا حيًا على أن المبادئ لا تحسم في أوقات الرخاء بل في أشد اللحظات احتدامًا.
لم تكن الاستفزازات والاعتداءات الإيرانية وليدة اليوم، ولم تنبع من سوء تقدير عابر أو توتر ظرفي عارض، إنما هي سلوك ممنهج ذو جذور عميقة تضرب في تاريخ متشعب من العداء المقصود مع سبق الإصرار والترصد، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي دعمت طهران تنظيمات مسلحة نفذت تفجيرات استهدفت زعزعة أمن دولة الكويت واستقرارها، بل تجاوز الأمر ذلك حين وصلت الاعتداءات إلى استهداف موكب الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح -طيب الله ثراه- في محاولة اغتيال آثمة كشفت عن عمق الحقد وخبث النية، فضلاً عن قصف طهران للمنشآت النفطية الكويتية واستهداف ناقلات النفط في مياه الخليج العربي، وصولا إلى ضرب المنشآت المدنية الحيوية التي ارتقى على إثرها شهداء وخلفت عشرات المصابين بجروح وعاهات دائمة.
وتكشفت قضايا موثقة أمام القضاء الكويتي عن خلايا تجسس وتخريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، تعمل في الخفاء على الأراضي الكويتية على استهداف الرموز والقيادات والمنشآت الكويتية، فضلاً عن كوماندوز الحرس الثوري الذي اخترق الحدود، لولا أن تفطنت له العيون الساهرة على أمن البلاد فأفشلت مخططاته الدنيئة وسيقت عناصره إلى القضاء الكويتي، والأخطر من الاستفزاز الأمني المباشر كان الاختراق الناعم، حين سعت طهران مرارًا إلى توظيف التنوع المجتمعي الكويتي في مخطط يستهدف تحويل النسيج الاجتماعي المتماسك إلى ساحة استنزاف داخلية بلا رصاصة واحدة، غير أن هذه المساعي جميعها اصطدمت دومًا بجدار الهوية الوطنية الكويتية الصلب وارتدت خائبة على أصحابها.
إن ما يميز الموقف الكويتي في مواجهة هذا كله لم يكن نابعًا من ردات فعل ظرفية تتبدل مع تبدل الحكومات وتتغير بتغير الأشخاص، بل عقيدة دبلوماسية مقننة تتوارثها الأجيال وتحكمها التجارب التي تأسست على محددات راسخة، أسهمت في بلورة تلك المعادلة الصعبة القائمة على الصلابة في الحقوق والمرونة في الأساليب، وحين واجهت الكويت الاستفزازات الإيرانية المتكررة كان ردها في كل مرة يجمع بين ثلاثة عناصر جوهرية، أولها الوضوح التام في إعلان الموقف فلم تصمت الكويت قط على انتهاك موثق، وكانت تستدعي السفراء وتطلق البيانات بلغة حازمة خالية من اللبس، وثانيها التعقل الرصين في اختيار الأدوات، إذ لم تنزلق إلى خطاب التصعيد الذي يطعم العدوانية بدلاً من كبحها، وثالثها الصبر الاستراتيجي في انتظار نضوج اللحظة الدبلوماسية المناسبة للضغط عبر القنوات الإقليمية والدولية، إدراكًا منها أن توقيت الهبة الدبلوماسية لا يقل أهمية عن ثقلها.
هذا الثبات المبدئي المتراكم عبر العقود منح السياسة الخارجية الكويتية مصداقية دولية استثنائية، تجعل المجتمع الدولي ينظر إلى أي رفض كويتي للسلوك الإيراني العدواني بوصفه موقفًا مبنيًا على صرح القانون الدولي ومنطق العدالة لا نابعًا من صراع أيديولوجي أو حسابات ضيقة.
وفي عالم يغري كثيرًا بالحلول الانتقامية والخطاب الحماسي الانفعالي، تقدم الكويت درسًا بالغ العمق والأثر، فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس بما تملكه من عتاد وعدد، وإنما بما تحمله من مبادئ وما تبديه من اتساق وما تتسلح به من حكمة، وإن الثبات على عقيدة دبلوماسية راسخة في مواجهة العدوان الآثم هو الشكل الأرقى والأذكى من أشكال الدفاع عن النفس، دفاع يحول الاستفزاز إلى فرصة للتعريف بالذات والاعتداء إلى مناسبة لتوطيد التضامن الدولي والمحنة إلى منحة تصقل الإرادة وترسخ الهوية.
وهنا تحديدًا تكمن عبقرية الدبلوماسية الكويتية التي لم تستنسخ من كتب ولم تُحفظ من نظريات، فقد صيغت على مدى أجيال متعاقبة في خضم أعتى التحديات وأشرس الاختبارات، لتثبت الكويت مرة بعد مرة أن القناعات الراسخة والسياسة المتزنة هما الدرع الحقيقي الذي يحمي الأوطان ويصون سيادتها ويرفع قامتها بين الأمم.