مع توالي دوي صافرات الإنذار المرافقة لموجات الصواريخ والمسيّرات وتعاقب أيام الحرب العدوانية على دول مجلس التعاون الخليجي، يتكشف الوجه الحقيقي للنظام الإيراني وتتساقط المساحيق الدبلوماسية التي دأبت طهران طيلة عقود على التجمل بها في ثنايا البيانات والخطابات السياسية والإعلامية، فاللحظة المفصلية الراهنة التي تجتازها العلاقات الإيرانية الخليجية تظهر بوضوح جلي لا لبس فيه أن طهران حين توضع على محك الاختبار وتوزن نواياها بميزان الأفعال فإنها تختار الجوار الإقليمي ساحة مفتوحة للانتقام الأعمى، بدلًا من أن تكون شريكًا في صيانة الاستقرار وبناء السلام.
إن ما تمارسه إيران اليوم إزاء الكويت وباقي دول الخليج والأردن يتجاوز حدود التصعيد العسكري العابر أو ردود الفعل اللحظية ليعبر عن عقيدة استراتيجية راسخة ترتكز على إخضاع الجوار الجغرافي القريب لحسابات صراعها المفتوح مع الولايات المتحدة، وهي معادلة قديمة جديدة، فحين تعجز طهران عن مواجهة خصومها الدوليين بشكل مباشر تحول الجار الآمن إلى رهينة، والمواطن الخليجي إلى ثمن مؤجل، والبنية التحتية المدنية في الكويت والخليج إلى ورقة ضغط، تُدار بمنطق الابتزاز السياسي الذي يتجرد تمامًا من قيم النخوة وأخلاق الجيرة.
وعندما تتبجح قيادات عسكرية وسياسية إيرانية باستهداف محطات تحلية المياه ومنظومات الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الأمر لا يقف عند حدود التهديد العسكري بمفهومه التقليدي، إنما يمتد ليكون تجريمًا متعمدًا للحياة اليومية لملايين البشر الذين لا ناقة لهم ولا جمل في صراعات طهران الإيديولوجية، غير أن الأخطر من سقف التهديد المعلن هو الفعل المتحقق ميدانيًا بأن تمتد يد الاعتداء الإيراني لتطال المرافق المدنية الحيوية والمنازل الآمنة للمواطنين والمقيمين في الكويت وباقي دول المجلس، فتتحول الأزمة إلى جريمة مكتملة الأركان بالمقاييس الأخلاقية والقانونية وتشكل دليلًا دامغًا على طغيان منطق الغطرسة وتهاوي الاعتبارات الإنسانية لقيم الجوار.
إن هذا السلوك الإيراني المبيت والمقيت يعكس نهجًا متجذرًا يستغل الجوار الجغرافي كساحة للتفاوض بالوكالة ويسعى لتحويل الدول الخليجية من أطراف حرصت على الحياد إلى رهينة في صراع ثنائي لا تملك زمام قراره، فتراهن طهران على أن التهديد المستمر لركائز الاستقرار سيمنحها مكاسب تفاوضية على طاولات الدول الكبرى، متجاهلة أن هذا الرهان المحفوف بالمخاطر يحمل في طياته ارتدادات استراتيجية قد تجرف أي مكسب تكتيكي مؤقت، لأن رصيد الثقة بين الشعوب والأمم هو أثمن رأس مال استراتيجي، ولا يمكن استنزافه دون دفع تكلفة باهظة، وكل استهداف لمنشأة حيوية أو تهديد لمقومات الحياة الأساسية في الكويت وباقي دول مجلس التعاون يدمي جرحًا عميقًا ويفتح ندوبًا في ذاكرة جمعية إقليمية لن تُمحى أثارها بسهولة مما يكرس صورة إيران كفاعل أرعن غير قابل للتنبؤ، لا يُعول على تعهداته ولا يُؤتمن على ضوابطه الأخلاقية في إدارة الأزمات.
إن الإصرار على هذا النهج التصعيدي والعدواني يعتبر بمثابة إعلان صريح عن سعي خبيث لتقويض أسس التعايش السلمي في المنطقة، ومهما توهم البعض في مراكز القرار الإيراني أن هذه الشدة تحقق نفوذًا آنيًا فإنها تقود حتمًا إلى عزلة استراتيجية غير مسبوقة وتآكل كامل لرصيد طهران لدى دول الجوار، فكل خطوة عدوانية تتخذها تجاه دول الخليج العربية والأردن هي بالضرورة خطوة إضافية تُسرع بها نحو عزلتها الذاتية وبناء جدار فاصل بينها وبين محيطها الجواري ممتدًا إلى أمد بعيد.