الكويت.. صوت الاعتدال في المحافل الدولية

نشر في 2026/09/25

خطاب ممثل سمو أمير البلاد سمو ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح -حفظه الله- أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يستمد قيمته من السياق الإقليمي والدولي الراهن ومن منصة إلقائه أمام العالم ومن هندسته الداخلية التي تقوم على معادلة ثلاثية دقيقة، تتمثل في الحزم في الدفاع عن السيادة والانضباط في الاحتكام إلى القانون وأدبيات القرابة في مخاطبة المحيط العربي، وهي ثلاثية فيها تداخل عضوي يصعب فصل أحد أضلاعها عن الآخرين دون أن يفقد الموقف الكويتي توازنه المعهود.

يتجلى الضلع الأول من هذه المعادلة، في تناول الخطاب للعدوان الإيراني بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على الكويت ودول الخليج العربية منذ فبراير الماضي، بعيدًا عن لغة التلطيف الدبلوماسي حين صاغت الكويت الموقف بمفردات حادة لا تهادن في وصف العدوان بصفته آثمًا وغاشمًا، وهنا يتبدّى فارق جوهري في فهم الكويت للاعتدال باعتباره قدرة حقيقية على تسمية الأشياء بأسمائها حين يتعلق الأمر بالأمن والسيادة، فالحزم في مثل هذا المواقف ليس نقيضًا للاعتدال وإنما شرط من شروطه الوجودية، لأن الاعتدال بلا حزم انسحاب من المسؤولية والحزم بلا اعتدال انزلاق إلى التهور.

وبناء عليه فإن هذا الحزم لم يُترك طليقًا من عقاله، بل جاء دائمًا منضبطًا بمرجعية قانونية صارمة ما يشكل الضلع الثاني للمعادلة، فكل اتهام لإيران اقترن فورًا باستدعاء ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني والمادة 51 المتعلقة بحق الدفاع عن النفس وقرار مجلس الأمن رقم 2817، وهذا ما يميز الخطاب الكويتي الذي يجعل الموقف قابلاً للاستدعاء القانوني ووثيقة يمكن الاستناد إليها مستقبلاً.

وينسحب هذا الانضباط ذاته على سائر الملفات، من التأكيد على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 في ملف الحدود البحرية مع العراق، إلى استحضار قرارات مجلس الأمن ذات الصلة في فلسطين واليمن ولبنان، فالقانون الدولي هنا ليس مرجعية تُسرد للذاكرة بل هو اللغة التي اختارت الكويت أن تدير بها مصالحها ومواقفها كافة انعكاسًا لقناعة راسخة بأن الشرعية الدولية هي خط الدفاع الأول عن الدول في نظام دولي تحكمه موازين القوة لا موازين العدل.

أما الضلع الثالث فهو ذلك التحول اللافت في نبرة الخطاب كلما اتجه نحو المحيط العربي، فبينما تُستخدم لغة القانون الجافة في وصف الخصم يستعيض الخطاب عنها بمعجم القرابة والوصال مع "الشقيق"، "الجار"، "الشريك"، حين يتحدث عن العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهذا التقابل في الأسلوب بين لغتين مختلفتين تمامًا يرسم دون تصريح مباشر خريطة كاملة لعلاقات الكويت الإقليمية فتتلون ملامح الدول التي تعتبرها الكويت امتدادا لأمنها القومي، ومن هو الطرف الذي تتعامل معه بمنطق الخصومة القانونية البحتة، إنها دبلوماسية تعرف متى تتحدث بلغة القانون ومتى تخاطب بلغة القرابة وتدرك أن الفصل بين اللغتين ليس ترفًا في الأسلوب بل ضرورة استراتيجية.

وما يمنح هذه المعادلة الثلاثية مصداقيتها أنها تنبع من تجربة وطنية حقيقية مع الاحتلال والحرب، وهو ما استحضره الخطاب في خاتمته حين تحدث عن قسوة الاحتلال ومرارة العدوان التي عرفها الشعب الكويتي، فمن رحم هذه التجربة تستمد الكويت شرعية أخلاقية تخوّلها الحديث عن السلام والقانون الدولي، من موقع من اكتوى بنار النكران ودفع الثمن حقيقةً لا من موقع من يعلم الآخرين دروسًا لم يختبرها.

ولم يقتصر الخطاب على الشأن السياسي والأمني، بل تضمن رؤية تنموية طموحة تجلت في الإشارة إلى الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية الذي أسهم منذ عام 1961 في تمويل مشاريع تنموية في 107 دول حول العالم، إيمانًا بأن معالجة جذور الأزمات لا تقتصر على المقاربات الأمنية، بل تتطلب دعم البرامج التنموية وتوفير مقومات العيش الكريم وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود والاستقرار.

وتجد هذه الرؤية امتدادها الوطني في رؤية الكويت 2035، بما تتضمنه من تسريع للمشاريع التنموية وتنويع للاقتصاد ومصادر الدخل ومواصلة للتحول الرقمي وتمكين للمرأة والشباب وتطوير للمنظومة التشريعية وترسيخ للحوكمة والشفافية، إنها رؤية تدرك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده بل ببناء اقتصادات متنوعة ومجتمعات متماسكة ومؤسسات قادرة على الصمود في وجه الأزمات.

يكشف خطاب ممثل سمو أمير البلاد سمو ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح -حفظه الله- أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الاعتدال الذي تُعرف به الكويت دوليًا ليس صفة موروثة تُلبس الخطاب لغة دبلوماسية مهذبة، بل توليفة دقيقة ومقصودة بين الحزم والقانون والانتماء، توليفة تمنح الكويت صوتًا ناطقًا في المحافل الدولية باسم مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في الأمن والاستقرار.
ففي زمن تتصاعد فيه نبرة القوة وتتراجع فيه لغة القانون، يبقى هذا الخطاب تذكيرًا بأنه لا أمن دون تنمية ولا تنمية دون سلام ولا سلام دون عدالة، وهذه هي المعادلة الصعبة التي تسعى الكويت إلى ترسيخها منذ الاستقلال قد تكون المفتاح الوحيد للخروج من النفق المظلم الذي تعيشه المنطقة والعالم اليوم.

مواضيع مشابهة