النداء الأخير

كيف عرف المصريون الانتحار؟

لوحة «انتحار كليوباترا» للرسام «بيير مينارد» - الصورة: Khole

هذا الموضوع ضمن هاجس «النداء الأخير». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


قبل آلاف السنين، حاول مواطن مصري يُدعى «إيبور» الانتحار. لم يفشل إيبور في محاولته، لكنه بدلًا من الفناء نال الخلود، إذ ما زالت قِصته تُروى حتى الآن تحت عنوان «اليائس من الحياة»، وتَحكي أحداثها عن مواطن حاول الانتحار بدلًا من أن يُقدس الحياة.

لأن «من يَقتل نفسه لن يحيا مرة أخرى في العالَم الآخر، وسيصبح فناء»، لم تعرف الحضارة المصرية القديمة الانتحار الاختياري، وكان المصري القديم يُقدس العَيْش.

يقول الدكتور علي عبد الحميد، الأستاذ المساعد بقسم الآثار المصرية في كلية الآداب جامعة عين شمس، إن إيبور أقْدَم على إزهاق روحه بعد أن عَمت الفوضى والمجاعة في عصر الانتقال الأول أو «الضعف الأول»، ووُجد في برديته حوارًا أجراه مع نفسه ليبرر تفكيره في الانتحار.

بداية معرفة المصريين القدماء بالانتحار كانت بعد فرضه كعقوبة قسرية، بحسب الدكتورة حنان إسماعيل، مدرسة التاريخ اليوناني الروماني في كلية الآداب بجامعة عين شمس.

انتحار قسري

اطَّلَع المصريون على ثقافة ترى في الانتحار «عزةً وكرامة»، ففضلت كليوباترا الانتحار على الوقوع في أسر الرومان الذين لا يقدسون الحياة.

تقول حنان إسماعيل إن الوثائق التاريخية تُسجِّل عدة حالات انتحار جبري في مصر، ففي عصر الملك رمسيس الثالث كانت واقعة «مؤامرة حريم القصر»، وورد في بردية «لي ورولن ونورين» القضائية، بعد سرد أعداد المتآمرين وأسمائهم وسبب العقوبة التي وُقعت على كل واحد فيهم، ما يلي:

«المتآمرون عددهم ستة رجال وست نساء لتورطهم في مؤامرة لقتل الملك، وحُكم عليهم بالإعدام، وعلى من ساعدهم بقطع أنوفهم وآذانهم (كي يذوقوا المهانة والخزي إلى الممات)، وعلى كبير الخدم أن يُترك وحده ليأخذ روحه بنفسه». وكان بين المتآمرين الأمير «بنتا أور»، ابن الملكة «تي تم»، الذي خُير بين الانتحار أو قطع أنفه وأذنيه.

عرف المصريون الانتحار كذلك من اليونان والرومان وبعدهم المماليك، راقبوه عن كثب وتشبع بحوادثه وجدانُهم، ومارسوه حتى الإتقان في العصر الحديث.

الانتحار: عزة وكرامة

انتحار الفيلسوف الروماني «سينيكا» - الصورة: Galería online

عبَّر الفيلسوف الروماني «سينيكا» عن ثقافة الانتحار قائلًا: «انتحار الرجل الحر جنة تقيه رَزَايَا الحياة، وينأى بكرامته من أن يمسها عسفُ الطغاة المستبدين».

بانتهاء عصر الفراعنة ومجيء الإسكندر الأكبر سنة 332 قبل الميلاد، اطَّلَع المصريون على ثقافة ترى في الانتحار «عزةً وكرامة»، إذ تتفق الحضارتان، المصرية القديمة واليونانية، على إعلاء قيمة الحياة، لكن الرومان يختلفون، فبعد الهزيمة أمامهم في موقعة «أكتيوم البحرية»، فضلت الملكة البطلمية «كليوباترا» الانتحار على الوقوع في أسر الرومان الذين لا يقدسون الحياة.

تقول الدكتورة كريستين ناجي، مدرسة قسم الآثار اليونانية والرومانية في جامعة عين شمس، إن كليوباترا لم تَرضْ أن تقع أسيرة في أيدي الرومان وتتعرض للذل والمهانة، فكان انتحارها من أجل العزة والكرامة. وحين تولى الرومان الحكم، حدث العديد من حوادث الانتحار بين القادة والجنود العسكريين، سواء على أرض مصر أو في الممالك الرومانية الأخرى.

لم يكن الانتحار في روما عملًا مشينًا، بل كان وسيلة للتخلص من القهر والظلم والاستبداد، إذ كان جوهر الفلسفة «الرواقية» أن الانتحار آخر معقل لحرية الفرد، فإذا حدثت لأحد أمور شنيعة تقلق راحته، ما عليه إلا أن يحرر نفسه منها. وعبَّر الفيلسوف الروماني «سينيكا» عن تلك الثقافة قائلًا إن «انتحار الرجل الحر جنة تقيه رَزَايَا الحياة، وينأى بكرامته من أن يمسها عسفُ الطغاة المستبدين».

اقرأ أيضًا: 6 أسباب يشرحها مختص نفسي قد تدفع الناس للانتحار

لم تنتهِ حوادث الانتحار في مصر بنهاية حكم الرومان وبداية العصر المملوكي «الشركسي»، لكن المصريين عرفوا أسبابًا أخرى للانتحار.

سجلت المصادر التاريخية عددًا كبيرًا من حوادث الانتحار بين السلاطين المماليك والرعية في مصر، ومن أشهرها إقدام سجين يُدعى «بيدرا» على أكل أجزاء من جسده بعد يأسه من تمضية حياته سجينًا، حتى انتهى به الأمر إلى الموت، بحسب الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ الآثار الإسلامية.

شهد القرن التاسع عشر واحدة من أشهر حوادث الانتحار في مصر بعد عصر التدوين، وفقًا للكاتب الصحفي والمؤرخ صلاح عيسى، حين انتحرت ابنة أحد رؤساء الوزراء بعد ضبطها في وضع غير لائق مع الوزير إسماعيل فكري على متن عوامة في النيل.

يقول عيسى لـ«منشور» إن من الممكن أن تكون قد سبقت هذه الحادثة، التي وقعت عام 1910، حوادث انتحار أكثر أهمية، لكنها لم تدوَّن.

لا تعلَن أرقام رسمية حديثة عن معدلات الانتحار في مصر، إلا أنه في عام 2009، سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره السنوي 104 آلاف محاولة انتحار، نجح منها خمسة آلاف.

يرى الدكتور أحمد أنور، أستاذ علم الاجتماع المساعد في كلية التربية بجامعة عين شمس، أن ذلك الرقم لا يبدو مفزعًا، وأن النسبة معقولة ولا تمثل ظاهرة في المجتمع المصري، موضحًا أن «النسب تقاس مقارنةً بالعدد الكلي للسكان، وتلك الأرقام لا يمكن اعتبارها ظاهرة بالنسبة إلى عدد سكان مصر وقتها (76 مليونًا)».

أنواع الانتحار

لوحة «موت سقراط» لـ«Jacques Louis David»

يؤدي ضعف الإيمان إلى تحلل النسق الاجتماعي، فتصبح العلاقات هشة ومُتفسِّخة، ما يؤدي إلى الاكتئاب والانتحار.

يشير أنور إلى دراسة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي «إميل دور كايم» عن ظاهرة الانتحار في فرنسا في بداية القرن التاسع عشر، إذ وَجَد الفيلسوف أن تحلل النسق القيمي والبُعد عن الدين سببان رئيسيان في زيادة معدلات الانتحار في فرنسا في تلك الفترة، وقسَّم أنواع الانتحار إلى ثلاثة أقسام هي:

  1. الانتحار الأناني: يلجأ إليه من يُحب نفسه بقوة، ولا تكون لديه القدرة على العطاء للآخرين، فيكرهه المجتمع وتَضيق الحلقات عليه ويفقد علاقاته الاجتماعية.
  2. الانتحار الإيثاري: أن يعطي الشخص نفسه فداءً لغيره، كما قال الفيلسوف اليوناني سقراط عند انتحاره: «أنا فداء للآخرين».
  3. الانتحار اللامعياري: يحدث نتيجة خلل قِيمي في معايير وأخلاق المجتمع، وفساد اقتصادي، وينتشر ذلك النوع في فترات الحروب والأوبئة والأمراض.

رأى دور كايم أن الانحلال القيمي والبُعد عن الدين كانا سببًا رئيسيًّا للانتحار في فرنسا آنذاك، ودعم نظريته بارتفاع نسبة الانتحار بين طائفة البروتستانت المنفتحة بعيدًا عن الكنيسة، في مقابل الكاثوليك الملتزمة دينيًّا هناك.

يوضح أنور لـ«منشور» أن ضعف الإيمان يؤدي إلى تحلل النسق الاجتماعي، فتصبح العلاقات الاجتماعية هشة ومُتفسِّخة، وهو ما يؤدي إلى الاكتئاب وبالتالي الانتحار.

قد يعجبك أيضًا: كيف يبدو اﻻنتحار من وجهة نظر القوانين العربية؟

«الضغوط الاقتصادية الخانقة إذا احتواها إطار اجتماعي قوي يمكن تجاوزها»، هكذا يقول أنور، موضحًا أنه لا يمكن اعتبار الضغوط الاقتصادية في المطلق سببًا للانتحار: «لو لجأj إلى ربك وتحصنت بعلاقات اجتماعية قوية، ستنجو من تلك الفكرة».

تشهد المدن معدلات انتحار أعلى من الريف، فحياة المدن معقدة كما يشير أنور، لكن الريف يوجد به نوع من التضامن الاجتماعي يجعل إنهاء الفرد لحياته فكرة مستبعدة.

الانتحار بعد ثورة يناير

الصورة: Alisdare Hickson

يرتبط الانتحار عند الشرائح العمرية الكبرى بالأوضاع المادية، أما المرأة فتحيا مقهورة في مجتمع ذكوري ضاغط نفسيًّا عليها، فلا تجد مخرجًا سوى الموت.

بعد عام واحد من الثورة المصرية في يناير 2011، أصدرت مصلحة الأمن العام تقريرًا عن الانتحار، جاء فيه أن إجمالي وقائع الانتحار والشروع فيه وصل إلى 310 عام 2012، في مقابل 253 عام 2011.

يجد الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ الطب النفسي، تلك الأرقام منطقية: «أعمل حاليًّا على بحث مقارن حول أعداد المنتحرين في عامي 2010 و2011، مستعينًا بالأخبار المنشورة في الجرائد، وما اكتشفته حتى الآن أنه ما بين يناير 2010 ويناير 2011 لم يمر يوم دون حادث انتحار واحد على الأقل، بينما بعد يناير 2011 مرت عدة أيام دون حوادث انتحار».

يمكن اختصار دلالات تلك الأرقام في «الإحباط» و«الأمل»، فقبل ثورة 2011 سادت حالة من الإحباط أدت إلى ارتفاع أعداد المنتحرين، وبعدها طغى الأمل وارتفع سقف الطموحات فانخفضت المعدلات، بحسب عبد الله، الذي يؤكد أن عدم القدرة على احتواء الإحباطات هو ما يؤدي إلى الرغبة في الانتحار، وليس الإحباطات في حد ذاتها، مشيرًا إلى أن هناك رسائل مجتمعية وحكومية تصل إلى المصريين، شبابًا وكبارًا، تؤكد لهم أن حياتهم لا قيمة لها.

من بين تلك الرسائل الإهمال في الطرق والسكك الحديدية والبطالة والفقر وتدهور الصحة والتعليم والظلم والقهر، كما حدث مع الشاب عبد الحميد شتا، الذي انتحر في 2003 بعد أن رسب في امتحانات وزارة الخارجية، رغم تفوقه العلمي، بزعم أنه «غير لائق اجتماعيًّا» لأن والده فلاح بسيط، فكل ذلك يجعل الفرد يشعر بهشاشة الحياة وأن قيمتها منعدمة، فيقرر إنهاءها بنفسه.

قد يهمك أيضًا: كاتب مصري يحكي عن محاولته الانتحار

يوضح عبد الله لـ«منشور» أن لكل شريحة عمرية، ولكل نوع، أسبابه الخاصة التي تقوده إلى الانتحار، فالشرائح العمرية الكبرى يرتبط الانتحار لديها بالأوضاع المادية، خصوصًا الرجل، لأن ثقافة المجتمع المصري تربط بين الرجولة والإنفاق، أما المرأة فتحيا مقهورة في مجتمع ذكوري ضاغط عليها نفسيًّا، فلا تجد مخرجًا سوى الموت.

في مرحلة الشباب، وفقًا لأحمد عبد الله، يرتفع معدل الانتحار عن كبار السن، وتتنوع الأسباب ما بين الإحباطات المتتالية وعدم قدرة الأسرة والمجتمع على احتوائها، سواء كانت عاطفية أو مادية أو سياسية أو نفسية، وحتى الأطفال يقدمون على الانتحار، إما لخوض التجربة، أو نتيجة معاملة سيئة يتعرضون لها، أو بسبب المذاكرة والامتحانات وإدراكهم أن أُسرهم لن تحتوي إخفاقهم.

«شريف قمر» يتحدث عن أفكاره الانتحارية على فيسبوك

في منتصف سبتمبر 2017، انتحر الطالب في كلية الطب شريف قمر إثر حالة اكتئاب حادة، وبعدها بأيام لقي شاب يُدعى السيد الشرقاوي مصرعه، بعد أن شارك أفكاره في الانتحار مع متابعيه على فيسبوك.

هناك انتحار معنوي يتحول فيه الشخص إلى كائن ميت فاقد لإنسانيته وهو على قيد الحياة، وهذا الانتحار أكثر قسوة.

يؤكد عبد الله أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم من أهم مساحات الحياة، ويجب التعامل بجدية كبيرة في ما يخص الانتحار على صفحاتها.

يحكي أستاذ الطب النفسي عن «حالتين لفتاتين صديقتين، إحداهما قررت أن تنتحر وكتبت ذلك على فيسبوك، فقرأت صديقتها ما كتبته وانطلقت إلى بيتها لتنقذها، بعد أن كانت قد قطعت شرايين يديها في غرفتها، وأهلها في البيت لم يشعروا بشيء، لكن بسبب السوشيال ميديا أنقذوا الفتاة في آخر لحظة، وحاليًّا أعالجها نفسيًّا».

اقرأ أيضًا: لماذا ينتحر شباب العرب؟ حكايات عن محاولات سابقة وأفكار جديَّة في الانتحار

يبدو أن الحساسية المفرطة هي العامل المشترك بين انتحار الشباب المعلَن على مواقع التواصل الاجتماعي وانتحار المثقفين، طبقًا لعبد الله، إذ يعتقد المبدع أن المجتمع لا يفهمه ولا يقدِّر تفكيره وإبداعه، فيصبح عرضة للاكتئاب، ذلك الاكتئاب يدفعه أحيانًا إلى الانتحار، وهو نفس ما يعانيه جيل الشباب اليوم، فأحلامهم تتحطم أمام أعينهم، ويرون أن هناك ثمنًا كبيًرا دُفع مقدمًا في مقابل لا شيء، فليس هناك تقدير مجتمعي لهم، وهو ما يدفعهم إلى الانتحار.

يرى عبد الله أن هناك شكلًا آخر من الانتحار غير الانتحار المعلن (قتل النفس)، هو الانتحار معنويًّا، بمعنى أن يتحول الشخص، وهو على قيد الحياة، إلى كائن ميت، فاقد لإنسانيته: «هذا النموذج موجود اليوم بكثرة، لأن المجتمع غير قادر على إشباع الحاجات الإنسانية الرئيسية من مأكل وملبس ومشرب، وأظن أن ذلك الانتحار أكثر قسوة».

بضحكة ساخرة يكمل عبد الله: «الملفت أن هذا النوع من الانتحار، الذي انتشر بصورة مرعبة في الآونة الأخيرة، تنبأ به المطرب الفيلسوف عمرو دياب حين قال: أنا عايش ومش عايش».