الملعب

مارادونا: المتعة في وجه الصناعة

مارادونا في مباراة الأرجنتين في كأس العالم 2018 - الصورة: Getty/Ian MacNicol

هو أحد أنبياء المتعة ونجم سطع ضوؤه في عصر كانت تتحول فيه كرة القدم بطريقة منظمة إلى صناعة ضخمة، تُزدَرى المتعة لصالح الانضباط الآلي، وتُزدَرى مفاهيم «اللعب» ذاتها، التي خلقت كرة القدم، لصالح الصرامة أو الفوز. لكن ما الذي يعنيه الفوز بالنسبة إلى دييغو أرماندو مارادونا؟

الفوز أن تتخطى فريقًا بأكمله وتُسجل هدفًا، أو تمنح تمريرة سحرية تُجبر الكسيح على تسجيل هدف، أو أن تسجل هدفًا بيدك وتركض بعيدًا لتحتفل، «كانت يد الله»، تقول مُشيرًا إلى العالَم المتحضر مُصدِّقًا على قوانينه. ما المانع من سرقة هدف «من مَحافظ الإنجليز» إذا كانت سرقة ما هو أغلى من ذلك مضمونة ما لم تكن ضعيفًا؟

يسرق دييغو المباراة من الإنجليز، ولا يمنحهم فرصة للتذمر بداعي الغش. دقائق تمر، ثم يَخيطُ الكرة في يُسراه، ويركض محطمًا ثقل أحلامه بعيدة المنال في طفولته. يُخلِّف وراءه ستة لاعبين والحارس ملقًى على الأرض، يهز الشبكة ويهرع إلى ركن الملعب وحيدًا يحتفل، ينضم إليه زملاؤه بعد استيعابهم المفاجأة.

إذا كان احتساب هدف باليد في ملعب كرة القدم صدفة لا تحدث غير مرة واحدة في العمر، فإن مارادونا قادر على تسجيل هدفه الثاني 10 مرات بنفس الطريقة، ولن يفلح الفريق الإنجليزي بأكمله في تغيير ذلك.

يفعل مارادونا (متعمدًا أم لا) كل ما هو ممكن لازدراء صناعة اللعب مقابل متعة اللعب، يضع أخلاق العالم الحديث على الطاولة ويحطمها.

خلال مباراة الأرجنتين الأخيرة، في دور المجموعات لكأس العالم في روسيا 2018، رفع يديه مشيرًا بأصابعه ببذاءة في الهواء. الأغلبية تراه مجرد «مسطول»، عجوز غائب عن الوعي يحاول من جديد جذب الأضواء، لكنه يفعل ذلك بتلقائية لا تشبه استعراض العالم المعاصر. يرفع إصبعيه في وجه الجمهور المحبَط، أو في وجه المدرب العاجز عن خلق أي متعة جديرة بالمتابعة. يمل الرجل إلى درجة تعيد إليه الرغبة في اللعب، رغبة لم يفقدها يومًا، وتثيرها أكثر بداخله المباريات المملة والاستراتيجيات المعاصرة لدهس المتعة.

حين يشير مارادونا سينتفض إداريو الكرة المهذبون، بيروقراطيو المتعة سيُلوِّحون بأيديهم مهددين بالعقوبات. إشارة دييغو غير مقبولة، وتغطي على الإعلانات التي تحاصر الملعب، فلم يشاهدها الجمهور المتحلق حول التلفزيون. تسببت لقطة أرماندو في خسارتنا مئة ألف زبون.

تبقى حكاية مارادونا الأكثر ملحميةً خارج بطولته المفضلة (كأس العالم)، حين يصل إلى إيطاليا، فيجد في انتظاره 70 ألف «نابوليتاني» جاهز لتسميته قديسًا.

اختارهم مارادونا من بين مدن أوروبا والعالم، جاء من برشلونة التي لم تقتنع بأسلوبه في اللعب ربما بعدما نسيت أيام «كرويف». حضر شبه مطرود بعد إثارته الشغب أمام الملك «خوان كارلوس» في مباراة نهائي الكأس أمام أتلتيك بيلباو، والتي تعرَّض خلالها لكل أشكال الضرب والعرقلة في أثناء اللعب. نتيجة لخطأ ارتُكب ضده، دخل مارادونا في عراك شوارع. قصير القامة كان يركل بطون لاعبي بيلباو بقدمه. انتهت المباراة بهزيمة برشلونة وخسارة اللقب، وبمغادرة خجولة للملك.

تصرفات غير لائقة بالطبع، لكنها تمنح مارادونا نصيبًا مهمًّا من جاذبيته. يعيب كثيرون عليه فعلته تلك بحجة أن الرياضة أحد أشكال ترويض العنف لدى الإنسان، وهي حجة صائبة، لكن ماذا لو كان مارادونا يحاول أن يستخدم لغة مماثلة يضع بها حدًّا لقاتلي المتعة الذين يجيدون الضرب من وراء أعين الحكام، وليس اللعب؟

فعل مارادونا كل الممكنات في كرة القدم والحياة، استباح كل المحظورات، وطغى حضوره على كل ما يحيط به.

ارتحل القديس إذًا إلى إيطاليا كي يلعب «الكالتشيو» مع نادٍ من الجنوب لم يسبق له الفوز بشيء تقريبًا، ازدرى دييغو العالم من جديد متسببًا في إرباك ثوابته. لا إلى ميلان ولا إلى يوفنتوس، وبدلًا من اللعب إلى جانب «مالديني» و«بلاتيني» وفرقهم المكدسة بالنجوم، حيث ذلك الزمان الذي كانت فيه إيطاليا قبلتهم الأولى، سيواجه مارادونا جميع هؤلاء وفي الخلفية، التي ستتحول رفقته إلى واجهة، صرخات نابولي بأكملها، التي وطئها نبي الكرة، ووشم النبوة مخبوء في قدمه اليسرى، بينما لم تكن نُبوَّته سوى «سكوديتو» ملكوت إيطاليا الكروي، لقب الدوري الذي كان حتى تلك اللحظة حكرًا على أغنياء الشمال فقط.

اقرأ أيضًا: رونالدو إلى يوفنتوس: هل يكرر ثورة مارادونا ويعيد مجد «الكالتشيو»؟

في ذلك الزمان، عام 1984، أمام نادي العاصمة لاتسيو، وفي موسمه الأول في إيطاليا، باءت محاولة دييغو الأولى للتسجيل باليد بالفشل بعدما ألغى الحكَم الهدف. وفي ما بعد، سيَعلَق حارس لاتسيو في الشباك مرتين حينما يسدد مارادونا من بعيد كرة مقوسة تستقر في الزاوية التسعين على يسار المرمى، ثم ركنية تستقر عند نفس النقطة.

أجهز مارادونا على لاتسيو خلال ستة دقائق تقريبًا، لتنتهي المباراة بأربعة أهداف مقابل صفر، ثلاثة منها لدييغو، وتبدأ العلامات في الظهور على أن شيئًا مهمًّا سوف يحدث في السنوات القادمة.

في موسمه الثالث، سيحمل مارادونا لقب سكوديتو للمرة الأولى في تاريخ الجنوب الإيطالي، بينما سيحمل النابوليتانيون نعوشًا عليها أَعلام ميلان ويوفي، ويطوفون بها المدينة. هناك، سيعتاد الأبناء الصغار رؤية الفتى الأرجنتيني المتورط في صداقات مشبوهة، ويحب المخدرات، محاطًا بهالة قديس فوق جدران المباني وفي مدرجات ملعب سان باولو.

يشبه مارادونا أحد سرياليِّي القرن العشرين، محاولًا استعادة المرح والسلام للإنسان الذي أكلته الحرب.

فعل مارادونا كل الممكنات في كرة القدم والحياة، واستباح كل المحظورات، طغى حضوره على كل ما يحيط به. إنه عملاق أرجنتيني طوله متر وخمسة وستون سنتميترًا، ويحمل فوق كتفه وشمًا لأرجنتيني آخر مات في بوليفيا.

تنهار الادعاءات عند قدمي دييغو كما التحفظ والاستهتار الموجه لمفهوم «اللعب»، يقارب بتلقائية وبساطة فريدة مذاهب فلاسفة كبار وجدوا في المتعة واللعب تحققًا مكتملًا للإنسان. تتحكم العادة، التي يُلقبها بعض هؤلاء الفلاسفة بالأيديولوجيا أو البِنى، في طريقة حكمنا على الأشياء، وما نراه فعلًا أحمق لدى مارادونا ربما يكون الفعل الوحيد اللائق في عصرنا الذي نحياه الآن.

قد يشبه مارادونا أحد سرياليِّي أو دادائيِّي القرن العشرين، وهو يحاول استعادة روح الإنسان المُستَلبة، بإشاعة المرح واللعب، وبالتالي السلام لدى الإنسان الذي أكلته الحرب. دييغو ملك اللعبة الشعبية الأقرب إلى عالم مثالي يوتوبي متحقق، فيه «تُمارَس مملكة الوفاء البشري في الهواء الطلق».