الملعب

رونالدو إلى يوفنتوس: هل يكرر ثورة مارادونا ويعيد مجد «الكالتشيو»؟

الصورة: Getty/ Daniele Badolato

«أومن بأن النادي ورئيسه قدَّما شيئًا غير معتاد إلى يوفنتوس، لكنه فوق كل شيء للكرة الإيطالية ككل» - «ماسيمليانو أليغري»، المدير الفني ليوفنتوس، تعليقًا على ضم «كريستيانو رونالدو» من ريال مدريد.

كريستيانو رونالدو، اسم يعني الذهب في عالم كرة القدم، الأفضل في التاريخ في نظر كثيرين، أسطورة العصر الحديث للنادي الأكبر عالميًّا وأوروبيًّا (ريال مدريد). لكنه اختار أن يخلع القميص الأبيض بعد تسع سنوات داخل «البرنابيو»، ويخوض تجربة جديدة في أرض بور حزينة منذ سنوات، تحمل في طياتها تاريخًا عظيمًا، وتبحث عن من يعيد إليها مجدها القديم، عن بطل يحمل رايتها، ويخوض معاركها، فتعود رافعة رأسها وسط قارة عجوز أصابها ألزهايمر، فنسيت من كان يحكمها قبل عقدين، وركعت مسلِّمةً مفاتيحها إلى الإسبان.

لكن الأمور ستتغير الآن حتمًا، فها قد وصل البطل ليفتح الأبواب، ويُدخِل شعاع الأمل، ليعيد النور إلى الأرض التي كانت يومًا تسمى «جنة الكالتشيو».

في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، كان هذا اللقب يُطلَق على الدوري الإيطالي بسبب احتوائه أفضل لاعبي العالم، ما جعله يحظى بقوة اقتصادية عالية.

كان اللعب في إيطاليا حلمًا يراود كل لاعبي العالم. لكن كل هذا تبخَّر مع مرور السنوات، وانهار مع «فضيحة الكالتشيوبولي» عام 2006، حين اكتشفت الشرطة تلاعب عدد من الأندية بنتائج المباريات، وعلى رأسها يوفنتوس وميلان وفيورنتينا ولاتسيو، ما ترتب عليه هبوط «السيدة العجوز» إلى الدرجة الثانية، وسحب بطولتَي دوري من رصيده، وخصم عدد مختلف من النقاط من الأندية الثلاثة الأخرى، بجانب ريجينا.

رغم فوز «الآتزوري» بالمونديال في العام ذاته، لم يتعافَ الدوري الإيطالي قط من تلك الفضيحة، وفَقَد بريقه على مدار السنوات، لتمر أنديته بأزمات مالية كبيرة تتسبب في بيع عدد منها، أبرزها ميلان الذي كان يمتلكه «سيلفيو بيرلسكوني» رئيس الوزراء السابق.

تحولت الجنة إلى جحيم: أندية دون نجوم، ودوري لا يرقى إلى المتابعة. لكن مع هذا يأمل الإيطاليون أن يتغير الأمر بحضور كريستيانو رونالدو الذي سيحمل انتقاله تبعات سلبية كبيرة على النمو العالمي للدوري الإسباني، بحسب تصريحات «خافيير تيباس»، رئيس رابطة أندية الدوري الإسباني. لكن ربما سيكون الانتقال أفضل ما يحدث في تاريخ إيطاليا الكروي منذ سنوات طوال.

قد لا يتذكر مواليد أواخر تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة تلك الأيام. لكن من سبقوهم يعرفون حتمًا ماذا كانت تعني إيطاليا لكرة القدم.

تلك الدولة الصغيرة حجمًا، والكبيرة مقامًا في عالم الكرة، كانت يومًا الحاضنة لأكبر النجوم في العالم، فمن يفكر في مونديال 1998 سيدرك حجم الدوري الإيطالي حينها: زين الدين زيدان، أفضل لاعبي البطولة، كان في يوفنتوس، وساحر البرازيل رونالدو كان نجم إنتر، وقائد المنتخب الكرواتي الحصان الذهبي «زفونيمير بوبان» كان نجم ميلان، بجانب كثير من نجوم الكالتشيو، مثل «باتيستوتا» و«ديشامب» و«مالديني» وآخرين.

بمجرد انتشار الأخبار عن انتقال رونالدو إلى يوفنتوس، ارتفعت أسهم النادي في البورصة وتضاعفت أعداد المتابعين لصفحات النادي على مواقع التواصل.

لا ننسى أن أحد أهم من صنعوا «جنة الكالتشيو» كان مارادونا، أعظم لاعب في القرن العشرين بحسب رأي كثيرين، وربما في التاريخ كله، والذي انضم إلى نابولي عام 1984 ليصنع ثورة اقتصادية وكروية في إيطاليا، قاد فيها الفريق للنجاح داخل الملعب، وأصبح أسطورة لا تُمَس خارجه، وتعلق محلات المدينة صورته حتى يومنا هذا. إنها ثورة ربما تقارَن قريبًا بتلك التي قد يصنعها كريستيانو.

يسعى يوفنتوس للنجاح أوروبيًّا بانتداب رونالدو، بعد فشله في حمل كأس دوري الأبطال رغم بلوغه النهائي في أكثر من مناسبة، إلا أن تلك الصفقة ربما تكمن أهميتها الكبرى خارج الملعب.

فبمجرد انتشار أخبار عن احتمال انتقال أفضل لاعب في العالم إلى يوفنتوس، ارتفعت أسهم النادي في البورصة بنسبة تقارب 40%، ومع تأكد الصفقة تراصَّت الجماهير في طوابير أمام شبابيك التذاكر الموسمية، تلك التي كان من المتوقع أن تنخفض مبيعاتها بنسبة 30%، وارتفعت متابعة الجماهير لصفحات يوفنتوس على مواقع التواصل الاجتماعي في أقل من 48 ساعة أكثر من 1.5 مليون متابعة. وفي يوم واحد، باع النادي نصف مليون قميص للبرتغالي، ليحقق أرباحًا تصل إلى نصف قيمة الصفقة.

«أندريه أنييلي»، رئيس يوفنتوس، سبق أن قال لحَمَلَة الأسهم، في نوفمبر 2018، إن هناك «ثماني أندية يمكنها تحقيق ربح أكثر من 400 مليون يورو سنويًّا. نحن نحقق بين 300 و400 مليون، مثل ليفربول. أربعة أندية تحقق بين 200 و300 مليون، و10 تحقق بين 150 و200 مليون يورو. نقف على أرض صعبة، نصفنا في العربة الأخيرة من الدرجة الأولى، ونصفنا في العربة الأولى من الدرجة الثانية، والمخاطرة هي البقاء عالقين في المنتصف».

هذا تحديدًا ما سعى إليه يوفنتوس حين تعاقد مع البرتغالي: «الخروج من المنتصف».

بعيدًا عن الملعب، يمثل رونالدو الدجاجة التي تبيض ذهبًا للنادي الإيطالي، ويمكنه أن يحمل «البيانكونيري» للخروج من المنتصف، والدخول بكامل قوته إلى الدرجة الأولى بحسب وصف أنييلي. يتوقع رئيس يوفنتوس أن «الدون» سيجذب فرصًا إعلانية جديدة، ويعطي قيمة أكبر لقميص النادي، ويكون سببًا يسمح للنادي بالتفاوض مع رعاته (أديداس وجيب) من أجل عقود أفضل، عطفًا على نجومية اللاعب.

تشير تقديرات صحيفة «Calcio e Finanza» الإيطالية الاقتصادية، إلى زيادة العائد الإعلاني للنادي الإيطالي بنسبة 30% بعد ضم اللاعب، دون إضافة التذاكر التي ستُباع لمشاهدته، وربما التفاوض مع الراعين على عقود أكبر، أو الوصول إلى نهائي دوري الأبطال.

ستمتد مكاسب يوفنتوس الاقتصادية من رونالدو إلى المدينة كلها، ويمكن لكريستيانو أن يعيد تجربة مارادونا في نابولي. ازدهرت السياحة في المدينة عقب انتقال الأرجنتيني إليها، وتظل صوره ورسومات الغرافيتي لوجهه منتشرة في شوارع المدينة حتى الآن مزارًا لمحبي كرة القدم من كل دول العالم.

أما في وقت تألقه، فقد كانت المدينة «مدينة مارادونا»، ولا حديث في الشوارع إلا عنه، ومن يعشق الأرجنتيني وكرة القدم عليه أن يذهب إلى نابولي. ففي المدينة «ارتفع شأن مارادونا إلى مكانة أشبه بالآلهة».

قد يهمك أيضًا: ماذا يدور في عقول لاعبي الكرة خلال المباريات؟

غرافيتي مارادونا في مدينة نابولي - الصورة: MARIANO DE ANGELIS

ربما يسعى رونالدو إلى تكرار التجربة، بل ربما تأمل تورينو (معقل يوفنتوس) كلها أن يتكرر الأمر مع البرتغالي، وتصبح «مدينة رونالدو» الجاذبة لكل من يحبه ويعشق كرة القدم. فمع كل تاريخ النادي، لم يحضر إلى المدينة من قبل لاعب بهذا الحجم الإعلامي والنجومية العالمية.

لن تعود المكاسب على يوفنتوس ومدينته فحسب، بل سيستفيد الدوري الإيطالي بأكمله: سترتفع دون شك قيمة حقوق بث مبارياته وقيمته السوقية، وسيعيد رونالدو الأنظار إلى الكرة الإيطالية بعد سنوات من عزوف الجماهير عن متابعتها، وهو ما وضَّحه المهاجم الإيطالي المعتزل «كريستيان فييري» بقوله إن الأمر «أشبه بالفوز باليانصيب. الناس لا تتحدث عن الدوري الإيطالي كثيرًا لأنه لا يضم النجوم الكبار، لكن هذا صار من الماضي الآن، رونالدو يمكنه تغيير ذلك».

اقرأ أيضًا: كلاسيكو المتعة والصناعة: من يفوز بـ«كرة القدم»؟

رونالدو يُحرز هدفه الشخصي الثالث، ويؤهل بلاده إلى كأس العالم على حساب السويد التي اضطرت إلى خوض الملحق

كريستيانو رونالدو ليس مجرد لاعب كرة قدم. ففي سن 33 عامًا لا يزال البرتغالي يمثل اقتصادًا في ذاته، قيمة مالية كبيرة ترفع سعر الأرض التي يقف عليها.

بحضور قائد المنتخب البرتغالي إلى الدوري الإيطالي، فإنه سيفتح الباب أيضًا أمام نجوم آخرين من الصف الأول للكرة العالمية، ربما يجدون في الكالتشيو عاملًا جاذبًا، وتدور الأحاديث حاليًّا عن أن مارسيلو، زميله السابق في ريال مدريد، والذي يراه كثيرون أفضل ظهير أيسر في العالم، برونالدو في يوفنتوس. كذلك، انتشرت أخبار عن احتمال انتقال مهاجم مدريد كريم بنزيمة إلى نابولي، وأن النادي السماوي سيستعيد نجم باريس سان جيرمان وهدافه التاريخي «إدينسون كافاني» الذي مثَّله قبل أن يصبح «نجمًا عالميًّا».

يفتح الراتب الكبير الذي سيحصل عليه رونالدو (قرابة 30 مليون يورو سنويًّا) الباب أمام نجوم العالم لطلب رواتب كبيرة لم تكن مطروحة في الأراضي الإيطالية في السنوات الماضية، ما جعلها دائمًا خيارًا مرفوضًا لكبار اللاعبين، فيما سينظر المستثمرون إلى تجربة كريستيانو الاقتصادية مع الوضع في حسبانهم قدرتهم على تكرارها مع نجوم آخرين في الأيام والسنوات القادمة.

سيعيد البرتغالي بنجوميته وقيمته الاقتصادية بناء الحضارة الإيطالية في كرة القدم، كريستيانو رونالدو ليس مجرد لاعب كرة قدم أو رياضي. ففي سن 33 عامًا لا يزال البرتغالي يمثل اقتصادًا في ذاته، قيمة مالية كبيرة ترفع سعر الأرض التي يقف عليها، تلك التي قريبًا ربما يُطلَق عليها مجددًا «جنة الكالتشيو».