ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية؟

الاكتئاب في زمن الصحوة: حكاية السيدة نون والكلب

الصورة: Getty/Ahmed Mandoub

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر سبتمبر حول «ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


القاهرة 1987 (*)

السيدة نون في الخامسة والعشرين، سمراء نحيلة، خجول مهذبة، تزوجت قبل عامين من رجل محترم، لا يعنينا هنا أن نعرف عنه الكثير. لديها طفل جميل لا يعنينا هنا سوى معرفة أنها تحبه، كما تحب أي أم طفلها وفق مفهوم الأمومة المستقر.

لا يمكن تحديد نقطة بعينها فنقول إن الحكاية بدأت عندها. حالة من الإنهاك تبدأ على مهل، رغم أنها لا تبذل في البيت مجهودًا إضافيًّا عمَّا اعتادته قبل ذلك، ثم رغبة متزايدة في النوم فسرتها لنفسها بالإنهاك، الذي لا تجد له تفسيرًا.

تقول لنفسها إنها حالة عابرة، لكن التجاهل، لسوء الحظ، لا يصلح حلًّا لكثير من المشاكل. تتزايد ساعات النوم، فتصل إلى 14 ساعة يوميًّا، مع انهيار مذهل في كفاءته: كأنها تمضي فوق سطح النوم ولا تغوص فيه، نوم خفيف تقلق فيه لأقل سبب وتصحو منه كأنها كانت في مشاجرة. يتطور الأمر إلى حالة مستمرة من الضيق وتعكر المزاج، واضحة، حتى يلاحظ زوجها الأمر ويسأل بانزعاج: «مالك يا وليَّة»، لتنفجر في البكاء ولا تجد جوابًا.

السيدة نون تقول لنفسها إنها ابتعدت عن الله، تتذكر أيام الكلية والبكاء في خشوع عند حضور محاضرات وخطب الشيخ كشك.

أدركت السيدة نون بلدها مصر وهي تستعيد هويتها المسلمة، أدركت كلمة الصحوة باعتبارها انتفاضة جسد خامد خُدِّر طويلًا بشعارات كبيرة فارغة، وأفكار مستوردة من الغرب أو الشرق، وآنَ له أن يستيقظ ويعود إلى أصله.

تتذكر السيدة نون، في ما يشبه تأنيبًا للضمير، حين كانت منتظمة في الصلاة وقراءة القرآن، تستقطع من مصروفها الضئيل لتتبرع لدعم المسلمين في أفغانستان. تردد لنفسها في عتاب: ومن أعرض عن ذِكري فإن له معيشة ضنكًا. وتدمع عيناها وهي تقول: صدقت يا رب العالمين، ابتعدتُ عنك وها أنا أدفع الثمن.

النغمة العالية للصحوة، كما أدركتها السيدة نون، خفتت قليلًا، ولم يعد الشيخ كشك يخطب، لكن رب الصحوة والشيخ كشك معًا لا يزال موجودًا، سبحانه. تذهب فتشتري عدة شرائط كاسيت من خُطَب كشك، عن الموت وعن وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم. تنتظم في الصلاة وتصوم يومًا أو اثنين. يتحسن النوم قليلًا، وتتحسن أعراضها الغامضة بشكل طفيف لأيام قليلة، ثم تعود نوبات الكآبة، فتشعر بإحباط وتنهار دفاعاتها تمامًا. تقول لنفسها بوضوح، ربما لأول مرة منذ بدأت هذه الحالة:

- أنا بحاجة إلى مساعدة.

تذكَّر، نحن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. مضادات الاكتئاب ظهرت قبلها بعشرين سنة تقريبًا، هذا صحيح، لكن الأدوية الأهم لم تظهر إلا قبل وقت قصير. تذكَّر أيضًا، لم يكن العالم قد صار قرية صغيرة بعد، وحتى لو كانت هذه الأدوية وصلت مصر فإنها محدودة الاستخدام وغالية الثمن، فضلًا عن أن السياق العام، المشغول بعنق الزجاجة وانفجار السكان وأحداث الأمن المركزي، أبعد ما يكون عن الاهتمام بأدوية مضادات الاكتئاب.

قد يعجبك أيضًا: ربما يكون الاكتئاب مفيدًا للإنسان

رغم كل شيء فإن السيدة نون، النحيلة الخجول المهذبة، تدرك بذكائها الفطري أن المساعدة ربما تكون عند طبيب نفسي. تذهب إلى طبيب شهير وأستاذ في جامعة الأزهر فيكرر لها قول الله عن المعيشة الضنك والابتعاد عن طاعة الله ورحمته. تخبره أنها فعلت ذلك بالفعل لكنه لا يبدو مقتنعًا. تذهب إلى طبيب آخر، أستاذ في قصر العيني هذه المرة، فلا يقترح دواءً بل يستفيض معها في جلسات مطولة عن تاريخها الشخصي، علاقتها بأمها وأبيها، طفولتها، كيف تعرَّفت بزوجها، يسأل بعض الأسئلة المحرجة التي لم تتصور أن طبيبًا قد يسألها، فتقول ببراءة:

- ما علاقة كل هذه الأسئلة بما أعانيه؟

يستفيض الرجل في شرح ما هو الاكتئاب، يحدثها عن فرويد وعن الفارق بين الحزن العادي والاكتئاب المَرَضي. يعطيها أوراقًا بخط اليد لترجمته لمقال فرويد المعروف «عن الحزن والملانخوليا»، وتقرأ ولا تعرف بالضبط إن كانت فهمت شيئًا ما، غير أن الفائدة الوحيدة من تلك الجلسات كانت ظهور كلمة اكتئاب في حياة السيدة نون، فأحيانًا يكون مفيدًا أن نعطي مشكلتنا اسمًا واحدًا مفردًا، حتى إن كان غامضًا، فنُحسِن على الأقل الشكوى منه.

تتعايش السيدة نون مع هذه الحال، تصبح بمرور الوقت أكثر خبرةً مع نوبات الكآبة القاسية، تنفرد بنفسها وتنفصل عن كل ما يمكن أن يؤدي بها إلى انهيار حقيقي.

يُثبِت زوجها أنه رجل متفهم ومسؤول، بل ويدرك أنه يحبها فعلًا، وأنها لم تكن مجرد زوجة اختارتها له أمه وخالته. يسألها قبل النوم، بعد تردد: ماذا حدث؟

تأخذ نفسا عميقًا، فيظن أنها ستنفجر فيه، لكنها تقول على مهل:

- هل تعرف، أشعر كأن كلبًا أسود على بعد خطوة مني. لا أراه، لكني أعرف تمامًا أنه موجود. كلب أسود ثقيل ضخم. أحيانًا يرقد فوقي فأكاد أختنق، وأحيانًا يتركني ويجلس في ركن فأشعر بالخوف. ماذا يريد؟ لماذا أنا بالذات؟ وإن كان يريد قتلي فلماذا لا أفعل أنا ذلك فأريح نفسي على الأقل من هذا الخوف؟ هل تفهم شيئًا؟

يهز رأسه، فتقول بضحكة يائسة:

- وحياتك عندي أبدًا، لكنك رجل طيب.

اقرأ أيضًا: مساعدة الآخرين تعينك في التغلب على اكتئابك

تمضي الحياة، تردد لنفسها كثيرًا مطمئِنةً: الحمد لله، لديّ بيتي وزوجي وابنتي. تزداد خبرة السيدة نون في التعامل مع نوبات كلبها الأسود، تصلي وتقرأ القرآن، وتقول لنفسها إنه وإن لم يساعد في الدنيا فإنه ثوابٌ في الآخرة. وحين تشتد النوبة وتدرك أنها على مقربة من انهيار حقيقي، تنفصل عن كل شيء، وتلجأ إلى شريطَيْ كاسيت كانت تسمعهما قديمًا فتبكي في هدوء:

سورة «الأنبياء» للمنشاوي، و«فات الميعاد» للست أم كلثوم.

القاهرة 2017 (*)

الآنسة نون في السابعة والعشرين، نحيلة مهذبة هادئة، تحب القراءة والمناقشات الفكرية وسماع الفرق الموسيقية الأجنبية ومشاهدة الأفلام الأوروبية، خاضت حربًا مدوِّية مع أمها لتعيش وحدها، مستقلة، وانتصرت في النهاية.

من السهل أن ينحرف الحديث بنا ونحن نحكي عن الآنسة نون إلى السياسة والثورة والدين وكل هذا الكلام الكبير الذي أثبت بالدليل والتجربة أنه كلام فارغ، لذا سنكتفي بتفاصيل عامة قبل الولوج إلى الحكاية الأساسية.

كانت نون في آخر سنة بالجامعة حين قامت الثورة، خلعت الحجاب قبل حتى أن يحكم الإخوان. رغم ذلك انتخبت عبد المنعم أبو الفتوح، والأهم أنها ظلت تؤمن بإله قادر يراها ويعرف أفعالها. صحيح أن الآن لم يعد يشغل بالها تمامًا ما إذا كان سيحاسبها أم لا، إنها تخوض يوميًّا معركة طاحنة في البيت والشارع والعمل الذي لا تحبه ولا تقدر أن تستغني عنه، ولا تستطيع تصور فكرة أن تكون مصرية ثم تدخل النار بعد كل ذلك، كما تقول كثيرًا ضاحكةً.

قد يهمك أيضًا: لم يفهمنا أحد: ما لا تعرفه عن جيل الألفية العجوز

في حياة الآنسة نون علاقة واحدة مؤلمة، لا تحب الحديث عنها، تؤكد لنفسها أنها تجاوزتها، تلاها عدة علاقات عابرة لم ينجح أيٌّ منها أن ينتهي إلى زواج أو حتى علاقة مستقرة. لا يمكن القول إن الآنسة نون سعيدة لكنها كذلك ليست تعيسة. في حياتها لحظات من البهجة ولحظات أخرى شديدة المرارة. الفتاة المهذبة الهادئة تراقب عبور الأيام دون مبالاة حقيقية وإن اكتست بشيء من المرارة. كثيرًا ما تقول إنها مكتئبة، أحيانًا بالجد وأحيانًا بالهزل، تكتب على فيسبوك كثيرًا عن غضبها من الجميع وعن اكتئابها، غير أنها تتعرف إلى الاكتئاب الحقيقي حين يداهمها بنوبته الثقيلة الجسيمة.

هذا شيء لم تعهده من قبل، كاسح، قاسٍ، مثل كلب أسود ثقيل يهوي على وجهها بلطمة لا ترحم. تقرأ كثيرًا على الإنترنت، وتعرف مما عندها من أعراض: اضطراب النوم، وفقدان الشهية والوزن، وعدم الرغبة في فعل أي شيء، والفكرة المتكررة بإلحاح أنها لا تريد أن تعيش.

يستولي عليها أحيانًا شعور بالذنب لأسباب تعرف هي نفسها أنها مضحكة وتافهة. تتذكر، مثلًا، حين ادَّعت أنها نائمة لتتهرب من طلب والدها أن تحضر له كوب ماء، أو حين صرخت في وجه أمها وهي في السادسة من العمر وألقت بالساندوتشات في القمامة ولم تأكلها، لتجد نفسها تبكي، مثل البَلْهاء، كما تقول لنفسها، يومًا كاملًا. تقرأ مجددًا، وتعرف من الإنترنت أن هذا أيضًا ضمن أعراض الاكتئاب.

من المثير للتأمل، مثلما كتبت ذات مرة في أوراقها، أن الاكتئاب جعلها ذات دم خفيف، تلك التعليقات العدمية التي تُفلت منها ويضحك لها الجميع. في أعماقها يستقر شعور صلب بأنها في اكتئابها أدركت معنى كل شيء، وأنها تعيش وسط مجموعة بهائم لا تفهم ولا تحس. لعلها كان يمكن أن تطمئن قليلًا إلى هذه القناعة، لكنها حين تقرأ تعرف أن حتى ذلك التفكير ضمن الأعراض، فتصاب بما يشبه خيبة الأمل.

اقرأ أيضًا: تجربة شخصية: الفطر السحري.. علاج الطبيعة للاكتئاب

رغم كل شيء (ورغم أن العبارة قد تبدو مضحكة)، فإن حظ الفتاة نون، في اكتئابها، أفضل من حظ والدتها السيدة نون، المذكورة أعلاه. العالم هنا صار قرية صغيرة وهناك إنترنت ووسائل تواصل اجتماعي. تنفذ النصيحة الأولى وتذهب إلى طبيب نفسي فيكتب لها العقار الذي صار يكتبه الجميع، «ريميرون»، فتستعيد شهيتها وتستطيع أن تنام، حتى رغم الخمول الذي يسيطر عليها باقي اليوم.

تشعر بشيء من التحسن فينضبط مزاجها، غير أن الكلب الأسود الثقيل لا يزال هناك، يطل في هدوء واثقًا بحضوره الطاغي. التحسن الذي شعرت به في الأسابيع الأولى صار دون قيمة حقيقية، فهي تأكل وتنام لكنها لا تشعر بشيء. يخبرها الطبيب أن عليها أن تنتظر، ثم يخبرها أنها متعجلة، ثم يخبرها أنها تحسنت فعليًّا لكن الباقي بحاجة إلى جلسات علاج نفسي كلامي، وتشعر أنه لا يأخذها بجدية فتتوقف عن الذهاب إليه، ثم تتوقف عن تعاطي الدواء فتتدهور مجددًا، فتعود للدواء ولكنها لا تعود إلى الطبيب.

الآنسة نون، الجالسة أمام شاشة فيسبوك ليل نهار لا تفعل شيئًا سوى مشاهدة مقاطع الفيديو المضحكة وقراءة أعراض الاكتئاب وصفحات التنمية الذاتية، يخطر في بالها ذات نوبة أن تلجأ إلى الحل القديم الأصيل، أن تلجأ إلى الله.

تتذكر أشرطة عمرو خالد التي كانت تسمعها طفلةً في بيتها، الخطب القديمة عن الصحابة والأعمال الصالحة، تستمع قليلًا لكنها تنفجر بعد نصف ساعة في ضحك يعقبه بكاء مرير. ذكريات طفولتها وهي تستمع إلى عمرو خالد مع أختها الكبرى، المتزوجة ذات الحياة المستقرة التي لا تعاني من أي شيء، أين ذهبت تلك الطفلة الغافلة عن كل شيء؟ ذهبت إلى حيث ذهب عمرو خالد نفسه.

نسخة باهتة من حضور قديم تكشَّف عن لا شيء. تشغِّل بدلًا من ذلك أغنية قديمة لإيمان البحر درويش كانت تسمعها وهي طفلة، «في البحر سمكة»، وتدمع عيناها. رغم ذلك لا تفقد الأمل في اللجوء إلى باب الله، سبحانه وجلَّ في علاه، فتذهب إلى أحد الدروس في المسجد لتعود وقد أخرجت هذه الفكرة من رأسها نهائيًّا. لا الكلام الذي يُقال ولا نوعية الحوارات التي تدور بين الجالسات هناك صارت تناسبها. حين سمعت القرآن نفسه شعرت بشيء من الاطمئنان، ولكن التجربة لم تكن ذات أثر.

مع الوقت، مع الانتظام في الدواء، مع الجلسات المنتظمة التي تشبه «الفضفضة» مدفوعة الأجر مع إحدى المعالجات النفسيات، تعود لتعيش مع أمها، السيدة نون، وتقول لنفسها إنه توفيرًا لإيجار السكن ليس إلا.

اقرأ أيضًا: من الكولومبيين إلى العرب: هكذا أصبحنا سعداء

رغم كل شيء، يمكن أن نقول إن الآنسة نون صارت أفضل حالًا، إنها تدرك موقع كلبها الأسود ووجوده، تدرك أن هذا الحزن صار سمة أصيلة لحياتها ولا حل إلا أن تتعايش معه، وحين تشعر أنها على وشك السقوط في نوبة حادة أخرى، تنفرد بنفسها وتشغل على يوتيوب ما كانت تسمعه قديمًا في حضن أمها فتنام في هدوء:

سورة «الأنبياء» للمنشاوي، و«فات الميعاد» للست أم كلثوم.


(*) الحكايات الواردة في النص مستوحاة من قصص حقيقية، بعد استئذان أصحابها، مع تغيير شامل للمعلومات والتفاصيل الخاصة بهم حفاظًا على خصوصياتهم.