وجدنا عليه آباءنا

ما قبل اختراع الحب: رحلة تطور الزواج عبر التاريخ

الصورة: Getty/Anadolu Agency

فكرة اقتران الحب بالزواج نراها بدهية، أو يُفترض ذلك، لكن الحب لم يدخل في المعادلة إلا متأخرًا. الزواج عن حب اختراع حديث جدًّا منذ مئتي عام فقط، ولو سمع أسلافنا الأوائل بهذا الاختراع لاتهموننا بالعبثية.

يُعتقد أن الزواج نشأ في الفترة من 1.8 مليون إلى 23 ألف سنة، لكن ليس بنفس الطريقة التي نتزوج بها الآن، بل بفكرة تبادل المنفعة: الحماية في مقابل الطهي. وكان الزوجان يمكثان ثلاث أو أربع سنوات معًا، ثم يرحلان ليؤسس كل واحد أسرة جديدة.

كان الإنسان في حالة ترحال دائم. استقراره وتمسكه بالأرض جاء عندما بدأ الزراعة، ثم اخترع المحراث الزراعي منذ أربعة آلاف عام. نشأ عن ذلك تقسيم العمل بين الرجل والمرأة: المرأة في المنزل ترعى الأطفال، والرجل في الأرض يزرع. لم يعد الترحال ممكنًا بسبب وجود أرض يملكونها.

بدأ الزواج لأسباب عملية بحتة، فقد كان المجتمع يحتاج إلى شكل وهيكل منظم. أفضل الدلائل التي وصلنا إليها تشير إلى أن مؤسسة الزواج انطلقت قبل 4350 عامًا.

يعتقد معظم الأنثروبولوجيين أن العائلات كانت تتكون من مجموعات منظمة من 30 فردًا، يقود العائلة عدة رجال ويشتركون في عدة نساء وأطفال. الأنثى تنتج بيضة واحدة شهريًّا، بينما ينتج الرجل ملايين الحيوانات المنوية. الأنثى تضع مولودًا بعد تسعة أشهر، والرجل يمكنه إنجاب أكثر من طفل في الفترة ذاتها. الرجل يريد تمدد العائلة، فلا سبيل إلا الزواج من عدة نسوة.

لم يكن الزواج في البدء إلا للتحالف وتمديد المصالح بين العائلات المختلفة، أو داخل العائلة الواحدة حتى. هذا ما تؤكده أستاذة التاريخ والباحثة في أصول العائلات «ستيفاني كونتز»، في كتابها «تاريخ الزواج». قصة الحب الشهيرة بين أنطونيو وكليوباترا مثلًا لم تكن إلا تحالفًا بين مصر وإيطاليا. تقول ستيفاني إن الطبقة العليا استخدمت الزواج لتنظيم تحالفات عسكرية ودمج الثروات. كانت الحروب تنتهي عندما يتزوج رجل من أحد الطرفين امرأة من الطرف الآخر.

زوجة، أم اثنتان، أم عصبة؟

الأصبع الذي يوضع فيه خاتم الزواج يصل منه عصب إلى القلب مباشرةً. كثير من التقاليد التي تُتبع الآن لها أصول تاريخية، مثلا مصطلح «شهر العسل» (Honeymoon)، كان يُقدم مشروب من العسل في ليالي قمرية معينة لتزيد معدل الخصوبة.

لم يكن الزواج كما هو متعارف عليه الآن. تعدد الأزواج والزوجات كان شائعًا في عدة أماكن في العالم لقرون.

في اليهودية كان على الأخ الزواج من أرملة أخيه. هذا النظام كان معهودًا في المجتمعات ذات البنية العشائرية التي تمنع الزواج من خارج العشيرة. وبعض الأقاويل ترجح أن الصين القديمة عرفته أيضًا، وكان معروفًا بشكل متقطع بين الأمريكان الأصليين، وفي غرب إفريقيا، وفي بولينيزيا، والهند واليونان القديمة.

في الصين، كانت العلاقات الجنسية مشاعية دون تمييز، وكان الصينيون يعيشون في جماعات دون وجود زوجين ثابتين.

كان «تعدد الزوجات» (Polygamy) مقبولًا حتى عهد الامبراطورية الرومانية، حين وضعت الكنيسة الرومانية قوانين بحصر عدد الزوجات في واحدة فقط. وُضعت قوانين ضد الزنا، وضد العلاقات خارج «الزواج الأحادي» (Monogamy).

في أمريكا كان تعدد الزوجات معروفًا لدى طائفة مسيحية واحدة فقط هي كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، وانتهى ذلك رسميًّا عندما تولى «ويلفورد وودروف» رئاسة الكنيسة في 1890، لكن أعضاء الكنيسة بدؤوا فعليًّا في التخلي عن تعدد الزوجات في عام 1899. بعض الطوائف التي انفصلت عن كنيسة الأيام الأخيرة استمروا في جمع الزوجات بشكل غير شرعي، لأنها كانت محرمة في الولايات المتحدة الأمريكية بالكامل.

في الصين القديمة، قبل نحو خمسة آلاف عام، كان الأمر أكثر طرافة. كانت العلاقات الجنسية مشاعية دون تمييز، وكان الصينيون يعيشون في جماعات دون وجود زوجين ثابتين. كان للطفل أكثر من أم، وأحيانًا أربع أمهات: واحدة رئيسية (اسمها الأم الكبيرة باللغة الصينية)، وأمهات غير رئيسية يُطلق عليهن الأم الصغرى أو الخالة. أم تسمى الملكة، وزوجات فرعيات. استغرق الأمر خمسة آلاف عام من الزواج المشاعي حتى وصلت الصين إلى الزواج الأحادي.

قد يهمك أيضًا: الزواج أم العزوبية: أيهما طريقنا للسعادة؟

هل تعدد الأزواج يناسب المجتمعات الحديثة؟

«بونغي نغيما»، السيدة الأولى لجنوب إفريقيا وواحدة من زوجات «جاكوب زوما» - الصورة: GovernmentZA

كان تعدد الزوجات عاديًّا أو شائعًا خلال فترات كبيرة من التاريخ الإنساني.

في عام 2010، تزوج «جاكوب زوما»، رئيس جنوب إفريقيا، للمرة الخامسة من امرأة ثلاثينية، وكانت زوجته الأولى (تزوجها في 1973) حاضرة في العرس، وزوجته الثانية تعد مكان الاستقبال. كان لزوما زوجتان أخريان، طلَّق واحدة في عام 1998 والأخرى انتحرت في 2000.

أثار الأمر حينها سؤالًا: هل الزواج المتعدد يناسب عصرنا الحالي؟ وهل يناسب، بالتحديد، بلدًا مثل جنوب إفريقيا، ترتفع فيها نسبة الإصابة بالإيدز؟ تعجب كثيرون: لماذا ينجب أحدهم 19 طفلًا؟ كيف ستوفر الدولة احتياجاتهم؟

كان الرد حينها أنه من الأفضل أن يكون للمرء زوجة وليس عشيقات، وبالتالي أبناء غير شرعيين، وهو أمر جيد لا يفعله السياسيون الغربيون، وأن تعدد الزوجات منصوص عليه في دستور جنوب إفريقيا.

أجرت جامعة ويسكونسن الأمريكية بحثًا عام 1998 عن طبيعة الزواج في نحو ألف مجتمع تاريخي، ووجدت أن 186 مجتمعًا كان يشيع فيها الزواج الأحادي، و453 مجتمعًا كان فيها تعدد الزوجات بشكل عَرَضي، في حين كان 588 مجتمعًا يشيع فيها تعدد الزوجات بشكل كبير، وأربع مجتمعات فقط عرفت تعدد الأزواج.

يعتقد الأنثروبولوجيون، بناء على ذلك، أن تعدد الزوجات كان عاديًّا أو شائعًا خلال فترات كبيرة من التاريخ الإنساني.

قد يهمك أيضًا: الزواج كصفقة: هاتوا ما عندكم، نعطِكم ما عندنا

هل كان من حق المرأة الزواج بعدة رجال؟

قد ترى هذه الفكرة غريبة، لكنها وُجدت لأسباب خاصة، جغرافية واقتصادية، وفي مجتمعات بسيطة البنية. فكما اتخذ الرجال أكثر من زوجة، هناك مجتمعات اتخذت فيها المرأة أكثر من زوج (Polyandry).

وُجد تعدد الأزواج في التبت، وعند قبائل «الشيربا» و«التودا» في الهند، ولدى سكان جزر ماركيساس شرق بولينيزيا.

في قرى منعزلة ومنسية في الهيمالايا، لا تقيم وزنًا للعالم الخارجي، يتشارك عدد من الإخوة الذكور زوجةً واحدة، والزواج بهم جميعًا في احتفال واتفاق واحد (Fraternal Polyandry). يعيش كل الأزواج مع المرأة بطريقة عادية، ويتشاركون المسؤوليات: يطبخون ويطعمون الصغار.

يتشارك الإخوة امرأة واحدة بسبب ندرة الموارد البيئية وضآلة الأراضي الزراعي، كشكل من التكيف مع الطبيعة، ولعدم رغبة الأسرة في تقسيم أرض العائلة في ما بينهم. ويفعلون ذلك أيضًا لتنظيم الأسرة وتحديد عدد المواليد، لأنه إذا تزوج كل رجل امرأة يزداد عدد المواليد عما لو تزوجت امرأة واحدة عدة رجال.

هناك نوع آخر من تعدد الأزواج لا يشترط إتمام الزفاف على الأزواج جميعًا، ويكون الزوج الثاني «مساعدًا»، لأن الأول مريض أو لا يستطيع إشباع زوجته جنسيًّا، وهو ما يحدث عند سكان جزر ماركيساس.

أما في بعض ثقافات أمريكا الجنوبية، فيسود اعتقاد باقتران تعدد الأزواج بالأبوة المشتركة، حين ترتبط المرأة بزوج واحد وتتخذ عدة شركاء جنسيين، بسبب اعتقاد في إمكانية أن يكون للابن عدة آباء بيولوجيين.

لماذا نشأ تعدد الزوجات؟

إذا كان تعدد الأزواج قد نشأ لأسباب خاصة، فما سبب تعدد الزوجات؟

جزء منه يعود إلى الدين. تقول الأسطورة إن «كريشنا»، الإله الهندوسي، كان لديه أكثر من 16 ألف زوجة. تعدد الزوجات عرفه المجتمع الإسلامي، خصوصًا في غرب إفريقيا. في السنغال على سبيل المثال، نحو 50%  من الرجال لديهم أكثر من زوجة. التعدد موجود في غالبية الدول العربية كذلك، وفي إريتريا وماليزيا والنيجر ومالي وإيران، بشرط إعلام الزوجة بالطبع، لكن رجالًا كثيرين يتحايلون على هذا الشرط.

التعدد محظور تمامًا في أوروبا وأمريكا وأستراليا. حين زادت تعقيدات المجتمعات صار الزواج ضرورة من منطلق اقتصادي وسياسي، فوقعت حرب طويلة بين الكنيسة والدولة في أوروبا، أو على حد قول ستيفاني كونتز: بين الكنيسة من ناحية، والملوك والنبلاء الذين يريدون أن يتخذوا زوجة ثانية من ناحية أخرى. من يبت في أمر هذا الزواج؟

الكنيسة الكاثوليكية خاضت حربًا شرسة حتى حددت شروط الزواج بأن يكون أحاديًّا. وزيادة في تأكيد الزواج الأحادي قررت إلغاء الطلاق. وفي 1215، تقرر أن يكون إعلان الزواج في الكنيسة فقط، للحد من الزيجات غير الشرعية. صمد هذا القرار أكثر من سبعة قرون حتى ألغته الكنيسة الكاثوليكية في الثمانينيات.

اختراع الحب

توضح ستيفاني أن بعض البشر اعتقدوا أن الحب ضد عادات المجتمع، مثل الهند القديمة. كلمة حب باللغة الصينية القديمة تعني علاقة مرفوضة اجتماعيًّا، والأطفال الذين كانوا يولدون خارج مؤسسة الزواج كانوا يسمون «أطفال الحب».

في مجتمعات أوروبية، مثل إنجلترا العصر الفيكتوري، لم يكن الناس يعترفون بأن المرأة لها رغبات جنسية من الأساس، ولم تكن فكرة ارتباط الزواج بالحب والرغبة مطروحة أصلًا.

اقرأ أيضًا: ما بعد أسطورة «الأورغازم»: لماذا تتظاهر المرأة بالوصول إلى الذروة؟

التحول من المجتمع الزراعي إلى الاقتصاد الحر، وفقًا لستيفاني، لعب دورًا في الاعتراف بزواج مبني على علاقة واختيار حر، وليس خطوة في سبيل تحالف عائلي. فالابن لم يعد ينتظر أرضًا يرثها عن أبيه، فصارت لديه القدرة على القول: «حسنٌ، سأتزوج ممن أريد»

في الستينيات كان الأنثروبولوجيون يؤمنون بأن الزواج لحماية المرأة والأولاد، ثم جاءت النسويات في السبعينيات لتؤكدن أن هدفه السيطرة على النساء والأطفال.

دخلت المساواة إلى العلاقة عندما عرف العالم شيئًا اسمه المساواة بين الجنسين وحقوق النساء، حين استقلت المرأة اقتصاديًا، وذلك منذ 50 عامًا فقط. بلد مثل أمريكا لم تكن تحرِّم الاغتصاب الزوجي حتى السبعينيات، وكانت تمنع الزوجة من امتلاك حساب بنكي باسمها.

ولأن الزواج لم يعد صفقة بين العائلات في المجتمعات الصحية، فمن الطبيعي أن ينشأ زواج نفس الجنس.

في 18 مايو 1970، قدَّم طالبان من جامعة مينيسوتا الأمريكية طلبًا للمحكمة للزواج، مبنيًّا على أن قانون مينيسوتا لم يحدد الجنس في عقد الزواج. قوبل الطلب بالرفض طبعًا لأن الطالبين من الجنس ذاته. وفي العام التالي، حددت المحكمة أن الزواج عقد بين رجل وامرأة، لمنع هذه المحاولات مجددًا.

بعد حرب طويلة، قررت المحكمة العليا تقنيين الزواج من نفس الجنس في كل الولايات، وهو أمر شرعي الآن في 25 دولة حول العالم.

مازحةً، تقول ستيفاني كونتز إنه في الستينيات كان الأنثروبولوجيون يؤمنون بأن الزواج اختراع من أجل حماية المرأة والأولاد، ثم جاءت النسويات في السبعينيات لتؤكدن أن هدفه سيطرة الرجال على النساء والأطفال، بينما ليس للزواج فائدة تبدو إلا أنه يجعل الناس أصهارًا فحسب.