الأقل حظًّا

الاغتصاب المباح: حكايات الجنس القسري بين الأزواج

الصورة: Getty/Jasmin Merdan 

تنويه: الأسماء الواردة في الموضوع مستعارة للحفاظ على خصوصية أصحابها.


في السادسة عشرة من عمرها أُجبرت السودانية نورا حسين على الزواج. لم تكن تريد هذه الحياة، كانت تحلم بأن تكمل تعليمها وتصير مدرِّسة. وبعد ثلاث سنوات من محاولات الهرب ورفض معاشرة زوج لا ترغب به، أحضر زوجها مجموعة من أقاربه للإمساك بها واغتصبها أمامهم. في اليوم التالي أراد تكرار فعلته، إلا أنها غرست سكينًا في صدره، ليلقى حتفه.

هربت نورا إلى بيت أهلها، لكنهم سلموها إلى الشرطة. وبوصول قضيتها إلى المحكمة حُكم عليها بالإعدام بتهمة القتل العمد. رفضت عائلة القتيل أي دية حتى لا يشجعوا النساء على رفض الرجال، ولأنها بحسب قولهم «جرحت كبرياءهم بقتل ابنهم».

تدخلت المنظمات الدولية للدفاع عن نورا، وأدى هذا إلى تخفيف الحكم من الإعدام إلى السجن خمس سنوات. لكنه أعاد إلى الواجهة سؤالًا مهمًّا، لا في السودان وحده، بل في المنطقة العربية كلها: هل يحق للزوج ممارسة الجنس مع زوجته رغمًا عنها؟

الجنس المرفوض من الزوجة، هل هو اغتصاب؟

الصورة: Airman st Class Victoria H.

تُعرِّف الأمم المتحدة الاغتصاب الزوجي بأنه: «العنف الذي يمارسه الشريك المعاشِر. وهو سلوك ضمن العلاقة الحميمية بين الزوجين، يتسبب في ضرر جسدي أو جنسي أو نفسي، بما في ذلك الاعتداء الجسدي والعلاقات الجنسية القسرية والإيذاء النفسي وسلوكيات السيطرة».

تقول لطيفة من السعودية: «حين أرفض المعاشرة، يقول لي أنتِ زوجتي وأفعل بك ما أشاء، ويقفل فمي حتى لا أصرخ. أحاول الدفاع عن نفسي، لكن بِنيتي الصغيرة في مقابل بنيته لا تعينني على الهرب. كان يغتصبني وينهض كأن شيئًا لم يكن».

لطيفة كانت تعاني من عنف جسدي. تذكر أنها في صباح اليوم التالي لكل اغتصاب، تذهب إلى عملها وآلام الجسد تغزوها. وبسبب وضع كهذا فضلت النوم في غرفة منفصلة عن زوجها لرفضه الحديث معها حول الأمر وحله. أما عائلتها، فلم تكن على علم بما يحدث.

تقول لطيفة: «لم أشكُه لهم. أعرف أن ردهم سيكون: من لا تعطي زوجها حقه الشرعي، تلعنها الملائكة. جربت ذلك بطريقة غير مباشرة». لكن في زواج دام ثلاثة سنوات، تحكي لطيفة عن أوقات تكون فيها المعاشرة بالرضا، إلا أن المتعة تنعدم بسبب تراكم الكراهية والخوف.

لطيفة كانت تبكي خلال حديثنا. تتذكر لحظات انتهاك جسدها، واللحظات التي رفضت فيها وجود ابنتها التي ولدت نتيجة جنس قسري، وتبكي أكثر لأنها أخيرًا استطاعت النجاة من هذا الزواج والطلاق لأسباب ابتدعتها لعائلتها دون ذكر السبب الحقيقي حتى لا يعيدوها إلى مغتصبها، باسم ممارسته حقه الشرعي. تقول: «أنا أفضل بكثير الآن، حتى إنني صرت أتقبل وجود ابنتي».

اقرأ أيضًا: شهادات الإجهاض: ماذا لو تعارضت الرغبة في الحياة بين الأم وجنينها؟

هل يُبَرر الزواج الجنس القسري؟

في مناقشة جماعية مع الأصدقاء حول الموضوع، علق صديق مدهوشًا: «كنت أظن أنه من البدهي أن أي ممارسة جنسية قسرية تكون اغتصابًا». لكن على عكس ما يعتقده الصديق، فالأمر ليس بدهيًّا.

فحين قررتُ الإشارة إلى الموضوع على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، واجهتني هجمة شرسة من بعض الرجال الذين استنكروا فكرة وجود اغتصاب بين الأزواج. قال لي أحدهم: «لم يدفع الزوج مهرًا وأموالًا طائلة لتكاليف الزواج حتى تمتنع زوجته عن ممارسة الجنس معه». كانت عبارة مثيرة للاهتمام. إنه يعتقد بأن مهر الزوجة مقابل موافقة ضمنية دائمة على ممارسة الجنس دون الحق في التراجع عنها، وهذا ما أيدته بعض الفتاوى. يذكرني الأمر بشراء الجواري في الأزمنة القديمة، لكن بقشرة متحضرة.

البنية الذكورية للمجتمع تفترض أن الجنس حاجة ذكرية: رجل فاعل وامرأة مفعول بها.

يُستخدم الدين كجزء مهم من الأسلحة ضد المتحدثين عن الاغتصاب الزوجي وضحاياه. ويعتمد التبرير على بعض الأحاديث النبوية، مثل: «والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه».

ويُقصد بالقتب في اللغة «سرج البعير»، وهي صيغة مبالغة توضح أن لا عذر للمرأة في الامتناع سوى الحيض والمرض. حتى النفاس ليس عذرًا، إذ فسر بعض رجال الدين الحديث بأن النساء في السابق كانوا يجلسن على القتب في أثناء الولادة والنفاس لتسهيل العملية، وهذا إنما يدل بحسب قولهم على أنه حتى النفساء لا عذر لها في منع زوجها من معاشرتها، حتى عدم رغبتها وغياب شهوتها لا يمنعان من أن يمارس زوجها الجنس معها، ويحرم عليها رفضه.

يفسر أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، الحديث بأن «الرسول أراد المرأة التي لا توجد لديها موانع، سواء كانت نفسية أو جسدية أو فسيولوجية»، وهو توسيع لمبررات الامتناع بإشراك الأسباب النفسية. لكن في كل الأحوال والتفسيرات: أين رغبة المرأة من هذا كله؟

الكلام هنا يدور حول غياب قرارها حول جسدها. بمجرد دفع مقدم الصداق، يصبح من حق الرجل أن يمارس ما يشاء متى شاء في جسدها، وذلك للحيلولة دون وقوعه في الزنا، فلماذا لا يُنظَر إلى رغبات المرأة بنفس الطريقة للحيلولة دون وقوعها في الزنا؟

البنية الذكورية للمجتمع تفترض أن الجنس حاجة ذكرية: رجل فاعل وامرأة مفعول بها، يطلب فتعطي. إنها ليست حاجة أنثوية خالصة، وطلبها دليل وقاحة وقلة حياء وانعدام أخلاقي. لا يجب على الرجل أن يلبي رغبات زوجته، فلا تلعنه الملائكة ولا يُنبَذ اجتماعيًّا. فالجنس حقه يحصل عليه متى يشاء ويتركه متى يشاء، بينما نعامل النساء كأوعية تُصبُّ فيها الرغبات ولا يُظهرنها.

المبررات الاجتماعية أيضًا جانب من عملية إخماد أصوات المغتصبات من أزواجهن. تقول رباب من السعودية، والتي تبلغ 24 عامًا: «هددتني والدتي بأنني إذا لم أمارس الجنس مع زوجي، فسيُريني والدي الويل». رباب تزوجت في سن السابعة عشرة، كانت ليلة الدخلة عبارة عن اغتصاب عنيف جعلها ترتعد خوفًا كلما طلبها للفراش، واتجهت إلى العلاج النفسي بعد الانفصال الذي لم يكن بسبب اغتصابها، بل بسبب تلاعبات مالية اقترفها طليقها بحق والدها.

أما نوال، ذات الثلاثين عامًا، من السعودية، فقد أبلغت إخوتها ووالدتها بما حدث لها، ولم تجد منهم أي رد فعل: ثبَّتها زوجها وربطها في السرير، ثم اغتصبها. وفي محاولاتها لدفعه برجلها خُلِعَت عظمة فخذها. زوجها، الطبيب، أعاد العظمة إلى مكانها دون اصطحابها للمستشفى، وتركها تنزف من مهبلها.

العائلة: المؤسسة التي لا تُبنى على الغَصب

محمد من الأردن، ويبلغ 32 عامًا، يحكي عن تجربة العيش في عائلة يغتصب فيها والده والدته، ولأنه أكبر إخوته البنات، فقد كان في سن يسمح له بمعرفة ما يدور.

يقول محمد: «كنت الأقرب لوالدتي. ليس لها سواي أنا الفتى ذو الخامسة عشرة، وفتيات صغيرات لا يدركن من الحياة شيئًا». كان محمد ملجأها للشكوى، أخبرته بأنها حملت به بعد تهديد والده لها بالتشويه، وبأنه سيطلقها ويفضحها إذا لم تخضع له. وما زاد الأمر سوءًا أنه استقدم والدته لمساعدته على ضربها وإخضاعها لرغباته. الطلاق لم يكن خيارًا. والدته ليست متعلمة لتعمل وتصرف على نفسها وأطفالها، وليست قادرة على مواجهة مجتمع سينبذها ويُطلق عليها اللعنات، وبخاصة لأن زوجها معروف بالتزامه الديني.

مع الوقت، أصبح الخوف من الانفصال أكبر بعد إنجاب فتيات يمكن أن تسوء حياتهن ومستقبلهن لو أشيع أن أمهن مطلقة.

ليس الزواج علاقة جنسية في إطار شرعي فقط، بل بناء عائلة تعد لبنة المجتمع الأولى، والشراكة القائمة بين الفردين اللذين أسسا هذه العائلة هي العمود الذي يتكئ عليه البنيان كله. فماذا لو كانت الشراكة معدومة، والبنيان يقف على عمود واحد يحطم الآخر؟ أي عائلة وأي مجتمع سينتُج عن علاقات إنسانية غاضبة وكارهة ومحطمة ومكسورة ومسلوبة الإرادة؟

يحكي محمد عن أيام بائسة قضاها يشاهد والدته مرعوبة وباكية أحيانًا، تجلد ذاتها، تصف نفسها بأوصاف سيئة لتقتنع بأنها المخطئة. وفي أحيان أخرى، يجدها ترتدي ما يخفي آثار الضرب عن أعين أطفالها، يقول: «كان والدي يستخدمني أداة لإجبارها على المعاشرة. إن لم تلبِّ رغبته يحرمها من رؤيتي، فأرسلني إلى الغربة بمبرر الدراسة لأنني الشخص الذي يقف في صفها دائمًا. ولوجود خال ضعيف الشخصية لا يمكنه تحريك ساكن، كانت كل مشكلة تُحَلُّ بأن يقدم لها القرآن وسجادة الصلاة، ويطلب منها أن تستغفر ربها لأنها مقصرة في دينها».

هناك أكثر من طريقة للإجبار على ممارسة الجنس، كالتهديد والمنع والحرمان، الذين يلغون الإرادة الحقيقية للضحية.

أما ليلى، من فلسطين (21 عامًا)، فتتذكر اللحظات التي كان يتعرى والدها فيها أمامها وأمام إخوتها الصغار ليطلب من والدتها الجنس. تقول: «كان يهددها، إذا لم تأت للفراش، فلن يدخلنا المدارس، أو لن يدفع مصروفاتنا، أو سيطلِّقها ويمنعها من رؤيتنا. كانت تخاف أن يحدث أيٌّ من هذا، فتوافق على المعاشرة مرغمة».

ليلى تعيش في حالة اكتئاب لم تخرج منها حتى اليوم. تخبرني بأن والدتها تفرغ غضبها في إخوتها الصغار، وقد حاولت مرتين أن تقتل والدها (الزوج)، لكنها خافت وتراجعت، وبخاصة بعد أن جرح يدها بالسكين إحدى المرات. تقول: «كان أعمامي يشجعونه على تعنيفها بسبب عصيانها، وأخوالي لا يدركون الحجم الحقيقي للمشكلة، بينما أنا اتُّهمت بالعقوق حين وقفت بينه وبينها بعد صفعة قاسية منه على خدها».

حديث ليلى يجرنا نحو معرفة أشكال عدة للاغتصاب الزوجي. فهناك أكثر من طريقة للإجبار على ممارسة الجنس، لا العنف وحده، كالتهديد والمنع والحرمان، الذين يلغون الإرادة الحقيقية للضحية، وتكون الموافقة تحت تأثير الخوف.

هل يمكن إثبات هذه الجريمة التي تُرتَكب في أماكن مغلقة ولحظات خاصة؟ كغيرها من الجرائم، فالمقياس الظرفي هو مقياس الإثبات، وصعوبة إثبات الجريمة لا يعني التغاضي عنها أو عدم تجريمها. ففي حالات الاغتصاب عامةً تتعرض النساء للاعتداء على يد أشخاص قريبين منهم، ويُثبَت ذلك بعدة قرائن متعلقة بالواقعة وظروفها وعلاقة الطرفين.

لكننا أيضًا سنجد من النساء من لا تعرِّف هذا الجنس على أنه اغتصاب. سارة فتاة كويتية في الثانية والثلاثين من عمرها، ومتزوجة، وتقول لـ«منشور»: «لا أراه اغتصابًا. أعتقد أنه يمكننا أن نسميه جنسًا بالإجبار، لكن الاغتصاب كلمة كبيرة نوعًا ما، وبخاصة أنه في أي أحيان كثيرة لا يتضمن عنفًا جسديًّا».

وفقًا للتقاليد المجتمعية: الجنس واجب على الزوجة تقديمه لزوجها، وحق للزوج يجب أن يحصل عليه. وحين يحصل صاحب الحق على حقه عنوة، فلا يجب اعتباره اغتصابًا.

سارة توضح: «نعم، في كثير من المرات لا أكون راغبة في الجنس مع زوجي، لكن عدم ممارسته معه سيؤثر في علاقتنا. سيلجأ إلى معاشرة أخريات أو يسبب مشكلات بيننا. أفضل أن أدعه يعاشرني ويرتاح على أن يحدث ما هو أسوأ».

سارة تكتفي بانتظار زوجها حتى ينهض من فوقها، وفي المقابل تُنهي أي احتمالات لحدوث مشاكل لاحقًا. متعتها الجسدية ليست مهمة في مقابل راحة حياتها العائلية، بحسب ما تقول.

قد يهمك أيضًا: المرأة كبضاعة: زوجات تُباع وتشترى

الرجل ضحيةً للاغتصاب

الدول مطالَبة بتغيير سياستها بإقرار قوانين تحمي النساء من الاعتداء، وإقامة مراكز تأهيل للضحايا لإزالة آثار الآلام النفسية والجسدية.

إذا كنا نتحدث عن غياب إرادة طرف عن ممارسة الجنس، فنظريًّا لا يختلف ذلك، سواء كان هذا الطرف ذكرًا أم أنثى. ولا نتحدث هنا عن الاغتصاب المِثلي (رجل لرجل)، بل اغتصاب أنثى لرجل. قد تكون أكثر الأشكال شيوعًا هي التهديد والابتزاز أو العنف النفسي المتمثل في فضيحة: «ليس رجلًا بما يكفي»، فتنتج عن ذلك إرادة غير كاملة وغير حقيقية.

أما واقعيًّا، فالحالات التي يتعرض فيها زوج للاغتصاب من زوجته، ليس لها إحصائيات دقيقة. لكن يمكن إدراك ندرتها من خلال الوضع الاجتماعي.

في مجتمعات ذات بنية ذكورية تعطي مميزات وأفضلية وقوة وسلطة للرجل، فمن الطبيعي أن تكون الإناث أكثر ضحايا هذه الجريمة، مع القوة العضلية، والقدرة الأكبر على التهديد بسبب قواعد مجتمعية صارمة تنبذ النساء بدخان تلوث السمعة، والعنف الاقتصادي المتمثل بالمنع من العمل والتعليم الذي من شأنه تقليل قدرة المرأة على استقلاليتها في الحياة والانفصال.

إضافة إلى السلطة الذكورية القانونية التي تخيط القوانين بأدمغة ذكورية تنظر إلى الصالح الذكوري لا الصالح الأنثوي، والسلطة الدينية التي تُعطي للرجال دون النساء، كلها عوامل تؤدي بشكل أو بآخر لتعرض النساء لهذا النوع من الجرائم بشكل أكبر بكثير من تعرض الرجال له في الواقع العملي.

في خضم كل هذا الدمار الذي تعيشه نفس مغتصبة، مجبرة على العيش مع مغتصبها، وبناء عائلة غير صحية، وانكسار النفس وسط سطوة مجتمعية وقانونية، الدول مطالَبة بتغيير سياستها نحو المرأة وبناء العائلة عبر إقرار قوانين تحمي النساء من الاعتداء، وإقامة مراكز تأهيل للضحايا لإزالة آثار الآلام النفسية والجسدية. ومثل كل القضايا، يجب أن يكون هناك تمكين أكبر للشكوى حتى لا يصبح القانون حبرًا على ورق.