اسأل روحك

داعيات لسن كذلك: دروس العزاء الأردنية تأخذك إلى القبر

الصورة: Getty/ Salah Malkawi

بين دموع المحروقة قلوبهم على الفقيدة، وصرخات المكلومين، والانحياز إلى الصمت، تدخل تلك السيدة ذات الوجه العابس إلى البيت، موكلة لنفسها مسؤولية إلقاء درس دين تحت اسم «رحلة إلى القبر».

هذا مشهد حقيقي يحدث في الأردن كل يوم، رصده «منشور» من داخل بيت عزاء لامرأة تركت خلفها ابنين يبكيانها وزوجًا وحيدًا، لكن مشهد عزاء السيدات تقتحمه فجأة سيدة تُلحق باسمها لقب «واعظة دينية»، دون أن تكون واعظة ولا دينية، ودون أن يدعوها أهل الفقيدة مثلما تقضي الأصول، وتولي نفسها مسؤولية تعريف المعزين بغيبيات الموت وأخذهم في رحلة إلى القبر.

«جميعكم سافرتم خارج الأردن بهدف السياحة، وعندما تعودون تروون تفاصيل تجربتكم. دعوني اليوم آخذكم في رحلة إلى القبر». هكذا تقول وهي تجلس بجانب والدة الفقيدة، من غير أن تكلف نفسها بأن تنظر إلى عيني السيدة الحزينة، أو تقرأ في وجهها حجم الألم، أو حتى تسمع دقات قلبها التي تنبض قهرًا. تجاوزت كل ذلك، وانطلق صوتها يعلو على صوت القرآن، يحكي عن عذاب القبر.

تبدأ «الواعظة» في سرد الرحلة منذ اليوم الثالث للميت في القبر، تشرح كيف يبدأ الجسم في التآكل والتعفن شيئًا فشيئًا، ومرة أخرة لا تكترث بوجود والدة المتوفاة بجانبها. تدفع طريقتها، التي تخلو من أي حس إنساني، بعض النسوة إلى الانتفاض من مقاعدهن وسؤالها أن تتوقف عن سرد هذه الزاوية، لترد عليهن بضحكة يملؤها التهكم: «حسنٌ، بعرفكم إنكم خايفين».

«مين حكى لها شو بصير جوا القبر؟». سؤال يتكرر من النساء الموجودات في العزاء.

داعيات غير دينيات

بعض دروس الدين في بيوت العزاء تكون ذات طابع تكفيري، بتجريح الفتيات غير المحجبات وغير المسلمات.

هذا المشهد واحد من مشاهد كثيرة تتكرر في بيوت العزاء الأردنية، إذ تأتي «متبرعات» دون طلب ذوي الفقيد لتقديم دروس دينية، وفي الغالب تكون الدروس بعيدة كل البعد عن قيم التسامح والإنسانية التي يحملها الدين الإسلامي، بل وتحرص تلك الدروس على اتباع أسلوب الترهيب وليس الترغيب.

تتساءل منى حسن، التي حضرت «درس دين» في أحد بيوت العزاء: «أين الدروس التي تتحدث عن حسنات الصدقة الجارية مثلًا، أو ثواب صلة الرحم وأهمية فعل الخير؟»، مستغربةً من الدروس التي تحمل أفكارًا ترهيبية، ومعظمها يتجه للحديث عن عذاب القبر.

«يدسسن في حديثهمن معلومات كاذبة عن ديننا وعن النبي محمد». هكذا تقول منى لـ«منشور»، ذاهبة إلى أن كثيرًا من أولئك النساء يتعاملن مع بيوت العزاء كمبنر لبث أفكارهن «الداعشية» والمغلوطة، ويستغللن تلك المنابر لإطلاق الفتاوى غير المقنعة أو المستندة إلى مدارس فقهية إسلامية، ولا يبثثن سوى «السموم».

لا يتوقف الأمر عند عذاب القبر أو الفتاوى غير العملية، بحسب رانيا إسماعيل، التي حضرت عدة مجالس واستمعت إلى كثير من «الواعظات»، وتؤكد أن الأمر يصل إلى تجريح الفتيات غير المحجبات وغير المسلمات.

تتذكر رانيا عزاء والدها، عندما جاءت سيدة دون دعوة لتقديم درس ديني، وبدأت بإطلاق عبارات جارحة للفتيات غير المحجبات وتخويفهن وترهيبهن، وعندما جاءت واحدة من أهل المنزل تطلب منها التوقف عن ذلك، وصفت أهل البيت الذي يستقبل غير المحجبات بأنه «بيت فاسقات».

اقرأ أيضًا: «ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء»: تاريخ موجز للحِشمة الإسلامية

أما مرح عرفات، فتروي لنا أن كثيرًا ممن يعطين دروسًا دينية لا يحملن ترخيصات من وزارة الأوقاف باعتبارهن واعظات مؤهلات لتقديم معلومات عن الدين للناس.

وكأنهن يمتلكن الحقيقة

لحظات ضعف الإنسان تتيح لغيرنا العبث بحواسنا، والإيحاء بأنهم أكثر حرصًا على تذكيرنا بالموت.

عامر الحافي، أستاذ الشريعة في جامعة «آل البيت» الأردنية، يؤكد وجود استغلال للخوف من الموت في بيوت العزاء، وكثير من الخطابات الدينية تستغل هذه المناطق المظلمة في الوجود الإنساني: «للأسف، ينفذ كثيرون عبر هذا الخوف الإنساني لتمرير أفكار ومواقف اجتماعية، وكثير من الأحيان سياسية، بهدف فرض تصورات معينة».

من يتلقى تلك الأفكار، حين يكون في حالة عزاء، يصبح مهيَّأً لابتلاع معلومات غير دقيقة، وهو ما يستغله من يعطون دروس دين غير علمية، بحسب الحافي، الذي يوضح لـ«منشور» أن «المواضيع الدينية أصبح حيطها واطي»، وبيوت العزاء لا يوجد فيها رقيب ولا حسيب، فصارت ساحة مفتوحة للجميع.

قد يهمك أيضًا: المُلَّاية في المجتمع الشيعي: نساء للدين أم ذراع لرجاله؟

أما أخصائي الاجتماع حسين محادين فيرى أنه رغم قدسية الأديان، فإن هناك عملًا منظمًا يجري التخطيط له عن طريق أناس يعتقدون أن الإيمان «موسمي»، وأن لحظات ضعف الإنسان مناسبة سيكولوجيًّا لإتمام الصفقة بين متحدث غير مفجوع بالفقدان، وآخر في أعلى درجات الضعف بسبب موت عزيز عليه: «يتيح هذا لبعض المتبرعين فرصة العبث بحواسنا، والإيحاء بأنهم أكثر حرصًا على تذكيرنا بالموت، وإبعادنا عن قِيم الحياة والإعمار التي كلفنا الله بها، ويفضلون الحديث عن الموت والعذاب».

«يأتون وكأنهم يمتلكون الحقيقة»، يضيف محادين مستغربًا من المتبرعين في بيوت العزاء، الذين «يغتصبون الحديث، ولا نعلم هل هم على درجة من العلم في الدين أم لا، مما يربك أهل الفقيد والمعزين».

«من أَمَّ منكم فليخفف»، الحديث المروي عن النبي يأمرنا إن كنا بصدد الإمامة في الصلاة، فعلينا أن نخففها تسهيلًا على الناس. أَوَليس الأَوْلى لهؤلاء الواعظات أن يقتدين بالحديث؟