اسأل روحك

المُلَّاية في المجتمع الشيعي: نساء للدين أم ذراع لرجاله؟

الصورة: Getty/Wathiq Khuzaie

قماش أخضر يبدأ من أول الصالة حتى آخرها، فوقه سلال من الفاكهة اللامعة، والحلويات، والمكسرات، وكثير من التُّرب الحسينية (تراب مخصص للصلاة) ملفوفة بعناية ومزدانة بآيات قرآنية صغيرة مذهبة. تنشد المُلَّاية بصوتها المبحوح: «شَدَّة يا ورد»، وتجيبها الفتيات ذوات الحُلَل والثياب الملونة: «شدة». تبدأ بالنداء على أسماء الحاضرات وهي تكمل إنشادها: «فوزية ورد»، ويرددن: «شدة»، «ولطيفة ورد»، «شدة»، يصفق الجميع على إيقاع واحد معروف: «شدة»، ثم تبدأ بالغناء «يا غيرة يا عباس» ذات الإيقاع العراقي السريع، وتقوم الفتيات من أماكنهن يرقصن خجلات.

تنادي عليهن ليجتمعن في المنتصف، تتقدم إحداهن حاملةً «راية الزهراء»، عمود ملبَّس بالقماش الأخضر والترتر الذهبي. يفتحن القماش وينكفئن تحته كخيمة ممسكات بالعمود، تبدأ المُلَّاية بالإنشاد: «دخيل يا الزهراء دخيل»، يضربن بالعمود الأرض مرددات: «دخيل يا الزهراء دخيل». يطلبن ما في قلوبهن من أمنيات، «دخيل يا الزهراء دخيل»، بعضهن يبدأ في البكاء لعل الأمنية المرجوة تتحقق، «دخيل يا الزهراء دخيل».

تُنهي المُلَّاية الطقس بالصلاة على محمد وآل محمد، ليبدأ توزيع ما على السفرة من بركة لجميع الحاضرين. يتقافز الأطفال لنيل أكبر عدد من الحلوى المباركة، وتجمع العجائز بكلتا اليدين منها لأبنائهن الذين لم يحضروا «سُفرة أم البنين».

يوم حافل آخر لكنه يوم متشح بالسواد، وفاة أم تاركةً ثلاث بنات وولدين، المجلس نسائي فقط والبنات لا تقف دموعهن، الجميع يرتدي الأسود، والرايات السود التي عليها كلمة «يا حسين» تعتلي المكان. تصيح المُلَّاية: «يمَّه طبينا لقينا الدار ظلمة»، تشهق البنات المكلومات، تكمل المُلَّاية: «يمَّه عند مَن أحط ضيمي بعد»، يعلو أنين الجمع والآهات، ترفع المُلَّاية صوتها: «ابكِ طلعي اللي في قلبك»، مشجعةً على الإجهاش في البكاء لتفريغ الحزن.

تهز إحداهن جسدها إلى الأمام والخلف وتنوح، تلطم أخرى صدرها، تردد ثالثة: «يمَّه يمَّه» وهي تشد ياقة ثوبها، تزيد المُلَّاية من قصائد النعي الحزينة حتى تشعر بإرهاق الحاضرات، تتوقف قليلًا، تصلي على النبي وآله، تقرأ دعاءً وبضع آيات وتشرب من ماء وُضع أمامها، تتنفس النساء الصعداء، ينظرن إلى الوجوه المبللة لبعضهن بعضًا، ثم تعود المُلَّاية إلى النعي مجددًا.

من هي المُلَّاية؟

الصورة: Payam Moein

في وادي الرافدين وفي الحضارة السومرية، كان الإله «تموز» قد تزوج من الإلهة «عشتار»، التي نزلت إلى العالم السفلي لإنقاذ الموتى لكنها قُتلت معهم. وفي صفقة لعودتها إلى الحياة، كان لا بد أن تختار من يدخل العالم السفلي بديلًا عنها، فاختارت زوجها تموز الذي لم يكن حزينًا على غيابها.

ارتبط نزول تموز إله النباتات والماشية والمأكولات إلى العالم السفلي بغياب المطر وانقطاع الزراعة في وادي الرافدين، فكانت النسوة يخرجن نادبات نائحات تقودهن إحداهن في طقس من العويل والحزن على وفاة تموز، حتى يعود من الموت بعد ستة أشهر مثلما تقول الأسطورة.

من هنا يتتبع الباحثون أول طقوس الندب الديني لدى النساء. وبعد آلاف السنين من اندثار الحضارة السومرية، يُقتل سبط النبي محمد، الحسين بن علي بن أبي طالب، في نفس البقعة الجغرافية، لتتوارث النساء من الطائفة الشيعية طقس الندب والبكاء بقيادة «المُلَّاية»، مؤنث كلمة «المُلَّا»، شيخ الدين ومعلم القرآن لدى الرجال، وهو لفظ يُستخدم في شرق المنطقة العربية.   

يشير باحثون إلى أن مصدر الندب الحسيني هو النساء اللاتي أُخذن سبايا بعد واقعة «الطف» (معركة كربلاء التي قُتل فيها الحسين)، أي «السيدة زينب الكبرى شقيقة الحسين عليهما السلام، وبقية النسوة اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن وإخوانهن في أثناء المعركة الشهيرة».

اقرأ أيضًا: عالم الذَّر في الفقه الشيعي: مرحبًا بك حيث قررت مصيرك قبل أن تولد

يصف عالم الاجتماع العراقي إبراهيم الحيدري المُلَّاية في كتابه «تراجيديا كربلاء»، فيقول إن نساء العراق ينظمن مجالس تعزية خاصة بهن، خصوصًا في شهر محرم، وغالبًا ما تُقام «القراية» أو «قراية النسوان» في بيوت العوائل الغنية أو ذات المكانة الدينية والاجتماعية العالية، وتستمر لمدة عشرة أيام، وتكون عادةً في صحن الدار أو غرفة الضيوف (الديوان)، حيث تجتمع النساء يلبسن السواد وشعورهن مسرحة، مكونات دائرة أو عدة دوائر بحسب عددهن، وتتصدرهن المُلَّاية.

تقرأ المُلَّاية التعزية وتنشد المراثي الحسينية التي تصور مأساة كربلاء وما حلَّ بأهل البيت من ظلم وجور وسبي وتشريد، وتطعِّم حديثها بقصائد شعرية شعبية ترثي بها الحسين بألحان شجية.

وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا، بحسب الحيدري، تدخل المُلَّاية وسط دائرة الجالسين من النساء وتأخذ في النواح وإنشاد مراثي حزينة من الشعر الشعبي، بلحن جنائزي شجي يثير العواطف ويؤجج الأحزان ويفجر الدموع في المآقي، فيتعالى العويل والآهات مع اللطم على الصدور بحركات إيقاعية رتيبة، وتصرخ النسوة بحرارة: «أحُّو، أحُّو»، ثم: «يا حسين، يا حسين»، تعبيرًا عن حزنهن ومواساتهن للإمام.

يذكر عالم الاجتماع العراقي أن مجموعة صغيرة من النساء تشارك المُلَّاية في ترديد البيت الأخير من كل قصيدة، أو المقطع الأخير من كل «أبوذية»، وهو نوع من الشعر الشعبي العراقي.

ومن المعتاد أن تُصَعِّد المُلَّاية من حرارة الموقف، فترفع صوتها عاليًا وتؤدي إلى جانب ذلك حركات وإيماءات، وتلطم صدرها ووجهها بيديها لتثير أحزانهن وشجونهن وتدفعهن إلى التوجع والنحيب أكثر، ويبلغ الحماس ذروته حين تصل النساء إلى حالة من التوحد والوَجْد، فيأخذن بالتحرك نحو الأمام مرةً والخلف مرةً أخرى، في حركة إيقاعية تساير وقع ضربات الأيدي على الصدور.     

«الزوج هو الرب الثاني»

إنشاد المُلَّايات في مجالس التعزية

لم يكن من السهل العثور على مُلَّاية تقبل الحديث، بعضهن اعتذرن لانشغالهن بالقراءة في المجالس الحسينية بشكل مكثف خلال شهر محرم، وهو ما رفضت المُلَّاية «زهراء» أن تسميه عملًا، بل «خدمةً للحسين وآل البيت صلوات الله عليهم».

تعطي المُلَّاية دروسًا حول الصلاة، وتشرح للنساء طريقة الوضوء، لأنها مختلفة عن طريقة صلاة ووضوء الرجال.

المُلَّاية «أم حسن» سمحت بأن تمنحني قليلًا من وقتها الضيق. هي امرأة في العقد الخامس ربما، صوتها حتى في الكلام شجي وذو نبرة عراقية رنانة ومميزة، قالت لي إنها عراقية متزوجة من كويتي، وتعود مرجعيتها العلمية إلى السيد السيستاني، وهي علوية، أي تنحدر من سلالة النبي، من جهة والدتها.

تشرح أم حسن لـ«منشور» أن «هناك الطور العراقي والإيراني في الإنشاد، وهي أطوار متشابهة، أما الأكثر رواجًا فالطور البحريني، وهو مختلف جدًّا». تذكر أنها تعمل طَوَال السنة وليس في محرم فقط، فالسنة مليئة بالموالد وذكريات وفيات الأئمة الاثني عشر، التي تحييها المُلَّايات في المجالس الحسينية النسائية.

«كلهم في رقبتي»، هذه كانت إجابة أم حسن حين سألتها عن تثقيفها الديني لنفسها. تحرص على أن توضح أنها قارئة لكتب الفقه ومتابعة للفتاوى التي تصدر من المرجعية أولًا بأول. تؤم النساء للصلاة، لكن تبدي انزعاجها من أن «بعض الفتيات من الجيل الجديد لا يصلين، يحضرن إلى الحسينية ويساعدن في التنظيم والطبخ لكن دون صلاة»، تقول إن ذلك أزعجها بشدة، فاشتكت لوكيل المرجع السيستاني.

تعطي المُلَّاية دروسًا حول الصلاة، وتشرح للنساء طريقة الوضوء الصحيحة، لأنها «مختلفة عن طريقة صلاة ووضوء الرجال، وقليلات من ينتبهن لذلك (...) الاختلافات تتعلق بطريقة السجود والركوع وغيرها مما يتناسب مع اختلاف جسد المرأة».

تلجأ النسوة إلى أم حسن دومًا، يسألنها ما استعصى عليهن حلُّه من مشاكل اجتماعية وربما مشاكل مع أزواجهن. إحداهن سألتها عن حُرمة الزواج في شهر محرم، فأجابتها بأن لا حرمة في ذلك، وأخرى سألت عن عرض بزواج المتعة جاءها من إيراني يقيم في الكويت لفترة بعيدًا عن عائلته، فشجعتها أم حسن على القبول لأن ذلك «يحفظ الرجل من الزنا، لهذا حلله الله».

ماذا لو اشتكت إحدى النساء لأم حسن من تعنيف زوجها؟ ترد المُلَّاية: «الزوج هو الرب الثاني. وربما لا تعرف المرأة ما يريده الرجل فأدلها على الطريق. ومع هذا، يجب على الرجل أن يحترم زوجته ولا يعاملها كخادمة».

قد يعجبك أيضًا: كيف برز «آية الله» وانتشر المذهب الشيعي المعاصر؟

«أنتِ ومَدَّة إيدك»

تحظى المُلّايات بكثير من الاحترام الاجتماعي. فاطمة علي، الموظفة الكويتية التي تخطت 30 عامًا، تحكي لـ«منشور» أن كل مُلَّاية تستضيفها في منزلها تعطيها ذات الإجابة حين تسأل عن المقابل المادي لعملها: «أنتِ ومَدَّة إيدك»، وهي عبارة عامية تعني أنها ستقبل ما تجود به دون شروط، بل إن «بعضهن لا يقبل أي مقابل مادي، وتكتفي بتناول العشاء».

الكويتية الأخرى التي تكلمت معي كان اسمها فاطمة الشطي، وقالت إنها تختار المُلَّاية الوسطية التي لا تبالغ في ما ترويه فقط كي تبكي النساء، بل المثقفة صاحبة المصادر الموثوقة: «بسبب تجربة سيئة مع مُلَّاية لقنتني درسًا دينيًّا خاطئًا حول مسائل الدورة الشهرية، لم أعد أثق إلا بشيوخ الدين من الرجال، ولا أعطي خُمس الزكاة إلا لهم».

كيف تكرس المُلَّاية الفكر الذكوري؟

حكم ضرب الزوجة عند الشيعة

لم يكن حديث أم حسن عن ربوبية الزوج ولَوم المرأة غير متوقع، فكما أن المُلَّاية مؤنث المُلَّا، فهي أيضًا ذراعه داخل المجتمع النسائي، وتعمل على نقل الفقه الذكوري إليهن، وتعليمهن ما يجب فعله وما لا يجب طبقًا لما يصلها من فتاوى الذكور، في عملية برمجة لإخضاع النساء وتدريبهن ليتحولن إلى «ظلال للرجال».

لم تسكت زينب أخت الحسين عن حقها، بينما تطلب بعض المُلَّايات من النساء الآن الخضوع والسكوت عن الظلم.

ليس التراث الشيعي بفقير من ناحية الرموز النسائية، مثل فاطمة الزهراء ابنة الرسول، ويؤمن الشيعة بحديث الكساء الذي يقول فيه الله حسب الرواية الشيعية: «يا مَلائِكَتي وَيا سُكَّانَ سَماواتي، إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنَّيةً، وَلا أرضًا مَدحيَّة، وَلا قَمَرًا مُنيرًا، وَلا شَمسًا مُضيِئةً، وَلا فَلَكًا يَدُورُ، ولا بَحرًا يَجري، وَلا فُلكًا يَسري، إِلا في مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذينَ هُم تَحتَ الكِساءِ. فَقالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ: يا رَبِّ، وَمَنْ تَحتَ الكِساء؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: هم أَهلُ بَيتِ النُّبوة وَمَعدِنُ الرِّسالَة، هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها، وَبَعلُها وَبَنوها».

ورغم تقديم فاطمة على أهل بيت النبوة بمن فيهم أبيها، فإن منهج المُلَّاية ظل ذكوريًّا تلف فيه الأنثى في مدار الرجل.

لم تصمت زينب أخت الحسين عن حقها حين سُبيت وأُخذت إلى قصر يزيد بن معاوية، فخطبت خطبتها الشهيرة التي قالت فيها: «أمِن العدلِ، يا ابنَ الطُّلَقاء، تخديرُك حَرائرَكَ وإماءَك وسَوقُك بناتِ رسول الله سبايا قد هُتِكت سُتورُهنّ وأُبدِيت وجوهُهن؟ تَحْدُو بهنَّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد، ويستشرفهنَّ أهلُ المناهل والمناقل».

لم تسكت زينب على الظلم، بل ناكفت ظالمها أمام الملأ لتثبت أنها وأخاها على حق، وتبين الظلم الذي لحق بهم، بينما أم حسن ومن مثلها من المُلَّايات تطلب منَّا نساء 2017 الخضوع، والسكوت عن الظلم إذا وقع علينا، واحتساب الأجر. ليس رجال الدين وحدهم حماة الأنظمة الأبوية، بل وأذرعتهم من النساء، وليس أقسى علينا من أن تُخضعنا من تشاركنا نفس النوع الجندري، أن تأتي الضربة من الداخل، وأن تكون المرأة حطبًا يشتعل بنيران صديقة.