إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

ما يقدر عليه «اللايك»: لماذا يستجوب الكونغرس زكربرغ؟

الصورة: Getty\Tom Williams

إذا كنت مدير شركة كبيرة يمتد نفوذها إلى كل مكان في العالم، بل تقريبًا في كل بيت على وجه الأرض، ولسبب ما باتت شركتك مسؤولة عن تسريب بيانات ملايين الأشخاص عبر موقعها، بالتأكيد عندما تُطلب للتحقيق ستتوقع محققين مستعدين للنيل منك، غير أن هذا لم يحدث، ربما كما يجدر، مع مارك زكربرغ مؤسس فيسبوك.

لا تتناسب الضجة التي أُثيرت بشأن ما حدث من تسريب بيانات الملايين عبر فيسبوك مع الأسئلة التي ألقاها أعضاء مجلس النواب الأمريكي على زكربرغ في جلسة الاستماع لشهادته التي استمرت 10 ساعات على فترتين، وبالتأكيد لم يتوقع مؤسس فيسبوك أن يُسأل أسئلة بدائية يعرفها كل طفل يستخدم الموقع، مثل: «تدَّعي أن فيسبوك سيكون دائمًا مجانيًّا، ألا يزال هذا هدفك؟»، أو سؤال يدل على أن عضو الكونغرس لا يعرف شيئًا عن كيفية عمل الإنترنت، مثل: «كيف تدير فيسبوك إذا لم يكن هدفك الحصول على المال إذًا؟».

يبتسم مارك دون فهم لما يحدث بالضبط، ويجيب: «عندنا إعلانات».

فيسبوك: دعوات إلغاء الحسابات

استخدمت الشركة معلومات شخصية لبناء نظام يمكنه أن يعرف ميول الناخبين الأمريكيين، بغرض استهدافهم بإعلانات سياسية شخصية.

كثيرًا ما تنتشر دعوات لإلغاء الحسابات، في أوقات كهذه، على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها لم تكن فاعلة هذه المرة. 

كتب مؤسس تطبيق واتساب «براين أكتون» تغريدة يقول فيها: «لقد حان الوقت، امسحوا فيسبوك»، ولاقت التغريدة صدى واسعًا بين مستخدمي وسائل التواصل، وجرى تداولها باستمرار، لكن الأمر لم يتعد هذه المرحلة، فلا توجد إشارات إلى اتخاذ الأعضاء أي خطوات في هذا الاتجاه.

في الوقت نفسه أعلن «أليكس ستاموس»، رئيس أمن المعلومات في فيسبوك، أنه سيترك الشركة في أغسطس 2018، مؤكدًا أن دوره تغير خلال الأيام الماضية، وأنه يكرِّس وقته للعمل في فيسبوك قبل رحيله. ويأتي هذا الإعلان إثر مطالبة ستاموس فيسبوك بكشف الدور الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

في واحدة من أكبر خروقات البيانات الخاصة بالتكنولوجيا، سرَّبت شركة «كامبريدج أناليتيكا»، التي كانت تعمل ضمن فريق دونالد ترامب وقت انتخابات 2016، بيانات ملايين من مستخدمي فيسبوك من المصوتين الأمريكيين، واستخدمت تلك البيانات لبناء عدد من البرامج والخوارزميات للتنبؤ والتأثير في اختيارات الناخبين داخل صناديق الاقتراع.

كشفت صحيفة «الغارديان» كيف أن كامبريدج أنالتيكا، المملوكة للملياردير «روبرت ميرسر» والمستشار الرئيسي لترامب «ستيف بانون»، استخدمت معلومات شخصية استولت عليها في بدايات عام 2014 لبناء نظام يمكنه أن يعرف ميول الناخبين الأمريكيين بغرض استهدافهم بإعلانات سياسية.

أوردت الغارديان تصريحًا لـ«كريستوفر ويلي»، الذي عمل مع كامبريدج أناليتيكا للحصول على البيانات، يقول فيه بشكل واضح: «استغللنا ملايين الحسابات الشخصية لبناء نماذج تستخدم ما تعرفه عن هؤلاء الأشخاص، وتساعد في توجيه شياطينهم الداخلية. هذه هي الفكرة التي كانت الشركة تقوم عليها».

أظهرت وثائق حصلت عليها الغارديان، وأكدتها فيسبوك في بيان لها، أن كامبريدج أناليتيكا استطاعت بنهاية 2015 الاستيلاء على بيانات المستخدمين على نطاق واسع جدًّا. ومع ذلك فشلت فيسبوك في تحذير مستخدميها، واتخذت خطوات لا تكاد تُذكَر لتأمين المعلومات الخاصة بأكثر من 50 مليون شخص.

لم يحدث شيء، هكذا قال زكربرغ. حسنٌ، لقد حدث شيء، هكذا تراجع زكربرغ.

في جلسة شهادته أمام الكونغرس، أنكر مارك في البداية أن تكون كامبريدج أناليتيكا قد استخدمت فيسبوك بداية من عام 2015، ذلك أن الشركة، بحسب قوله، لم تكن مُعلَنة، ولم تكن تدير صفحات تابعة لها على الموقع، لذا لم يكن لدى فيسبوك أي شيء يُحظَر عنها.

غير أن زكربرغ عاد لتعديل كلامه لاحقًا عندما علم من فريق عمله، خلال فترة الاستراحة بين جلستي الاستماع، أن الشركة بالفعل مارست عملها كمعلنة على فيسبوك منذ عام 2015: «كانت معلوماتي أن كامبريدج أناليتيكا لم تكن موجودة على فيسبوك، لكن عندما قابلت فريقي بعد ذلك أخبروني بأن الشركة كانت بالفعل قد بدأت عملها كمعلِن في وقت لاحق من عام 2015»، ما يعني أنه نظريًّا كان بمقدور فيسبوك أن يمنعها من استخدام البيانات.

اعترف زكربرغ: «ارتكبنا خطأً بعدم منعها. فقط أردت أن أتأكد من أني أُطلعكم على كل جديد، لأني قد أخطأت الحديث من قبل. عندما عدنا للتحدث مع كامبريدج أناليتيكا، كانوا قد أخبرونا أنهم لن يستخدموا هذه البيانات أبدًا، وأكدوا لنا إزالتها نهائيًّا، ومن جانبنا اعتبرنا القضية منتهية، لكن عند النظر إلى ما حدث يتضح تمامًا أننا ارتكبنا خطأً واضحًا».

اعترف مارك كذلك بأنه لم يكن يجب عليه الوثوق في كلمتهم فقط دون تعهدات قانونية، لكنه استطرد مؤكدًا أنه «نتيجةً لهذا، حدَّثنا سياستنا لضمان عدم تكرار الخطأ مرة أخرى».

اقرأ أيضًا: الأخ الأزرق يراقبك: كيف تثق في من يعرف عنك كل شيء؟

لماذا تهتم الشركات بما نحبه على فيسبوك؟

يمكن أن يعطي الضغط على زر الإعجاب بضعة مرات مؤشرات قوية على أي حزب تميل إليه، ونوع جنسك، وإذا كنت في علاقة مع رجل أم امرأة، بل حتى ما إذا كان والداك قد ظلا معًا طوال فترة طفولتك أم تطلقا، وفي بعض الأحيان التنبؤ بتعاطيك المخدرات.

نعم، يمكن لفيسبوك معرفة كل ذلك دون أن تطَّلع على رسالة واحدة من رسائلك الخاصة، أو منشوراتك الحديثة، أو صورك، فقط بملاحظة نمط تفاعلك على الموقع.

تخيل برنامجًا قادرًا على تحليلك بمجرد ضغطة زر في موقع من المفترض أن يكون ساحة تواصل اجتماعي، وبدلًا من أن يحافظ ذلك الموقع على بياناتك، يتساهل في اتخاذ أي خطوات من شأنها كشف الجريمة، ولا يعرف مستخدمو الموقع أي شيء إلا بعد ما كشفته الغارديان. بل وحين يطالب رئيس أمن المعلومات في فيسبوك كشف صلة كامبريدج أناليتيكا بالرئيس الأمريكي، تكون النتيجة تهميشه وإبعاده إلى منصب آخر.

يقدَّر عدد مستخدمي فيسبوك النشطين يوميًّا بنحو 1.4 مليار شخص، بينما ارتفع عدد من يستخدمون فيسبوك على الهاتف فقط إلى 823 مليونًا، ما يعني أن أكثر من نصف أعضاء فيسبوك النشطين يدخلون حساباتهم الشخصية عبر الهاتف.

يشكل الـ1.4 مليار مستخدم 80% من إيرادات فيسبوك عن طريق الإعلانات، ما جعل الموقع يحقق إيرادات بلغت 5.8 مليارات دولار في الربع الأخير من عام 2015. نعم، يحقق فيسبوك مليارات كل عام بفضل ثروة من المعرفة عن مستخدميه.

في 2013، كشف باحثو علم النفس أنه يمكن استنتاج سمات أكثر تعقيدًا عن طريق الحسابات الشخصية لأي شخص، لذلك ترتفع مخاوف الخصوصية بينما يعتقد الجميع أن إعجابات فيسبوك افتراضية ولا ضرر منها.

بحسب الباحثين، تظل إمكانية التنبؤ بالسمات الفردية عبر سلوكك في العالم الرقمي أمرًا له آثار سلبية كبيرة، إذ إنه يمكن تطبيق ذلك بسهولة على أعداد كبيرة من الناس دون موافقتهم، ودون حتى أن يلاحظوا ذلك، فستتمكن الشركات التجارية أو المؤسسات الحكومية، أو حتى أصدقاؤك على فيسبوك، من استخدام برامج لاستنتاج سمات مثل معدل ذكائك أو توجهك الجنسي أو وجهة نظرك السياسية، التي ربما لا تريد مشاركتها مع أصدقائك على موقع التواصل الاجتماعي أصلًا.

تخيَّل حياةً دون فيسبوك؟

الصورة: Thought Catalog

يجب أن تضع في اعتبارك أن بإمكانك إصلاح علاقتك بهاتفك والإنترنت بشكل عام بإغلاق حسابك على فيسبوك.

يدعونا «أليكس هيرن»، الصحفي المهتم بالتكنولوجيا في جريدة الغارديان، إلى التخلي عن مواقع التواصل نهائيًّا، وبخاصة فيسبوك، ويقدم وصفة متخيلة للحياة دونه.

يؤكد هيرن أنه ألغى حسابه على فيسبوك عام 2015، ولم يعد إليه إطلاقًا بعد ذلك، ويقدم بعض الخطوات التي تساعد على الإقلاع نهائيًّا عن استخدام الموقع. ففي الأسابيع القليلة الأولى بعد حذف الحساب، قد يكون من المغري اللجوء إلى تطبيقات أخرى تحل محله.  لكن قبل أن تفعل هذا، يجب أن تضع في اعتبارك أن بإمكانك أيضًا استخدام هذا التغيير الذي تُحدثه في حياتك لإصلاح علاقتك بهاتفك ووسائطك الاجتماعية، وشبكة الإنترنت بشكل عام.

يقترح هيرن خدمة بديلة للرسائل هي واتساب، والحق أن التطبيق مملوك لشركة فيسبوك، لكن اعتماده خدمة التشفير من الطرف إلى الطرف الآخر (End-to-end Encryption) يجعله آمنًا جدًّا للرسائل، ذلك أن الشركة المطورة للتطبيق نفسها لن تكون قادرة على دخول محادثاتك، ما يجعلها أفضل وأكثر أمنًا من خدمة رسائل فيسبوك، القائمة أساسًا على قراءة ما تكتبه من أجل بيع المنتجات لك.

قد يعجبك أيضًا: منشورات سوداء: هل تتلاعب إعلانات فيسبوك بالعالم؟

فيسبوك: بيئة مثالية لاستغلال المعلومات

لماذا فضَّلت كامبريدج أناليتيكا إجراء تلك الاختبارات على فيسبوك؟

في مقالها بجريدة «الغارديان»،تقول الكاتبة أروى مهدوي إنها علمت مدى إدمانها فيسبوك وتورطها فيه عندما قررت الإقلاع عن استخدامه نهائيًّا. كثيرًا ما نمزح بشأن إدماننا مواقع التواصل الاجتماعي، لكننا نادرًا ما ندرك أن هذا الإدمان حقيقي فعلًا، إنه شيء يؤثر حقًّا في صحتنا. هذا هو الوتر الذي لعبت عليه كامبريدج أناليتيكا: استغلال أكبر عدد ممكن من الناس الذين لا يقدرون على التوقف عن دخول فيسبوك.

لا يبدو واضحًا ما إذا كان مارك زكربرغ سينجو من هذه المشكلة الجديدة التي تتعرض لها شركته، لكن المؤكد هنا أن هذه ليست المرة الأولى التي تُثار فيها مزاعم حول حقوق المستخدمين وخصوصيتهم على فيسبوك. في جميع الأحوال، علينا أن نكون أكثر حذرًا.