إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

منشورات سوداء: هل تتلاعب إعلانات فيسبوك بالعالم؟

الصورة: Getty/DrAfter123

في الوقت الحالي، صار كل صاحب فكرة أو منتَج أو اتجاه سياسي أو قضية مشتركًا في هدف أساسي يسعى إليه: تسويق ما يتبناه ويؤمن به. لو كنت تريد تسويق أي شيء، لا بد أن تضع إعلانات فيسبوك في حسبانك، فهذا الكيان العملاق يعتبر كوكبًا إلكترونيًّا يبلغ تعداد سكانه الآن ملياري نسمة، يتفاعلون ويتشاركون تفاصيل حياتهم الشخصية مع أصدقائهم وعائلاتهم، والعملية مع زملائهم ورؤسائهم. حياة كاملة تدور على الإنترنت، وكل تفاصيلها تحللها العصا السحرية التي طورها «مارك زوكربيرغ»، مدير ومؤسس فيسبوك، مع جيشه من المطورين: الخوارزميات.

الخوارزميات هي رأس مال زوكربيرغ، فهي التي تحلل شخصيتك وتفهم طريقة تفكيرك وأسلوبك في متابعة الأشياء، وما ترغب في مشاهدته وما لا ترغب، ومَن أصدقاؤك المقربون ومَن لا ترغب حتى في رؤية أسمائهم على الصفحة الرئيسية للموقع.

إنها سلسلة هائلة من الأكواد البرمجية، يعمل على تطوير كل سطر منها عدد كبير من المطورين والمختبرين. خطأ في أحد تلك السطور أو أحد رموزه قد يسبب كارثة بمعنى الكلمة، ويوقف ميزة يستخدمها الملايين في الثانية الواحدة.

لذلك يُعَد فيسبوك أحد أوسع المنصات الإعلانية تأثيرًا وانتشارًا، لما لديه من قاعدة بيانات منقحة وموثقة حول المستخدمين، إذ تُعِد الخوارزميات ملفًا متكاملًا بكل ما يَهُم المستخدم ومواصفات شخصيته وتفضيلاته في كل المجالات، وبالتالي عندما يأتي المعلنون سيجدون أوسع قاعدة معلوماتية لأكبر عدد من الجمهور الذي يستهدفونه، وحينها لن يترددوا لحظةً في التعاقد مع العملاق الأزرق.

كيف تعمل إعلانات فيسبوك؟

الصورة: Negative Space

عليك أن تحدد حجم ميزانيتك المخصصة للإعلان على فيسبوك، وكيف تريد توزيع الإعلان، وكم عدد من ترغب في الوصول إليهم.

مهارة التصويب على الهدف أهم من إيجاد الهدف نفسه، هذا هو المبدأ الذي عليك أن تتبناه وأنت تتعامل مع إعلانات فيسبوك، فأمامك ملايين المستخدمين، وجمهورك الذي ترغب في الوصول إليه ضمن هذا الحشد، لذلك عليك أن تتعلم كيف تصوِّب بشكل سليم ليصل إعلانك إلى جمهورك دون غيره، وبالتالي تنفق ميزانية التسويق في المكان الصحيح.

عشرات المواصفات عليك أن تحددها حول نوعية من ترغب في أن يشاهدوا إعلانك، مواصفات غاية في الدقة والتفصيل، فعليك أن تحدد فئتهم العمرية ونوعهم واهتماماتهم والصفحات التي قد يهتموا بها وتوزيعهم الجغرافي في العالم. فعليك أن تحدد فئتهم العمرية ونوعهم واهتماماتهم والصفحات التي قد يهتموا بها وتوزيعهم الجغرافي في العالم.

يتيح فيسبوك أحيانًا خصائص دقيقة أثارت جدلًا واسعا في الفترة الماضية، مثل استهداف المستخدِمين على أساس ميولهم الجنسية المثلية، وكذلك استهدافهم على أساس ما يكتبونه في وصف أنفسهم (Bio)، مما نتج عنه إمكانية استهداف من يؤيدون هتلر وموقفه من حرق اليهود مثلًا، وقد وعد فيسبوك بأن يوقف الاستهداف على هذا الأساس.

بعد تحديد ملامح شخصيات من تستهدفهم، سيكون عليك أن تحدد حجم ميزانيتك المخصصة لهذا الإعلان، وكيف تريد توزيع ظهوره على مدار اليوم، ومدى تكراره، وكمِّ المستخدمين الذين ترغب في الوصول إليهم، وكذلك الهدف من الإعلان، فهل هو إعلان حول منتج جديد أم أنك تريد التعريف بنفسك أمام الناس، وغير ذلك من أهداف ترويجية مختلفة، ثم تبدأ الحملة.

قد يهمك أيضًا: كيف يغير فيسبوك الاحتفال بأعياد الميلاد؟

طريقة فيسبوك لاحتلال عرش الإعلانات

مدخل مقر شركة فيسبوك في وادي السليكون - الصورة: denvit

يستخدم فيسبوك ميكروفون هاتفك، فإذا شاهدت إعلانًا تلفزيونيًّا يلتقط أنك تفعل ويُظهر لك إعلانات المنتج.

قوة فيسبوك الإعلانية الضاربة تتمثل في نقطتين أساسيتين:

  1. انتشاره الواسع بين المستخدمين على مختلف أجهزتهم، من كمبيوتر شخصي وموبايل، ومزاياه المختلفة المتطورة باستمرار، التي تعطي المستخدم سببًا قويًّا يجعله لا يرغب في مغادرة الموقع
  2. الخوارزميات القوية القادرة على تحليل وتتبع كل ما يجري داخل حياة المستخدم الإلكترونية على فيسبوك، وكيف يمكن استخلاص سمات شخصيته ومعرفة طبيعة حياته، ومعرفة أفضل فئة من المستخدمين سيحتاجون منتجًا معينًا وسيفيدهم ويهتمون به إذا ظهر إعلانه أمامهم، وسيكون لديهم دافع ليضغطون على الإعلان

ولكي تظل رقم 1 في أي مجال عليك بالتطوير المستمر، لذلك شهدت الفترة الماضية إطلاق فيسبوك عددًا من الأدوات التي تسمح له بتقديم خدمات إعلانية تنافسية، منها معرفة عائد الإعلانات عن طريق عمليات البيع داخل المتاجر الحقيقية (Offline Conversions)، وهي خدمة تتيح للمعلِن متابعة عمليات البيع التي تحدث داخل متاجره عن طريق مستخدمين شاهدوا إعلاناته على فيسبوك، وبالتالي يستطيع المعلِن معرفة فعالية القنوات التي يوجه إليها ميزانيته التسويقية.

قد يعجبك أيضًا: الثورة التقنية المضادة: هل حان الوقت لهجر التكنولوجيا؟

هناك ظاهرة أخرى مثيرة للجدل هي استخدام فيسبوك ميكروفون هاتفك لتوجيه الإعلانات إليك، بحيث أنك في حال كنت تشاهد إعلانًا على التلفزيون يعرف الهاتف عن طريق الميكروفون، فيُظهر لك فيسبوك إعلانات المنتَج بمجرد أن تفتحه.

كذلك، أكدت شريحة كبيرة من المستخدمين أن فيسبوك يستمع إلى أحاديثك مع أصدقائك عبر ميكروفون الهاتف، ليعرف الموضوع الذي يهمك دون أن تحتاج إلى البحث على الإنترنت، ومن ثَمَّ يُظهر لك منشورات ممولة بمجرد أن تفتحه.

فيسبوك: الخدعة الروسية

الصورة: Derzsi Elekes Andor

عندما تدفع من أجل إعلان على فيسبوك، سواء كان نصًّا أو مقطع فيديو أو صورة، فإنه في الطبيعي أن يظهر المنشور على صفحتك، وكذلك على الصفحة الرئيسية أمام الجمهور الذي استهدفته، وبالتالي عندما يدخل شخص إلى صفحتك سيجد المنشور. هذا هو النوع الطبيعي من الإعلانات، أما في حالة إعلانات «Dark Post» فالأمر مختلف كليًّا.

الإعلانات من نوع «Dark Post» هي منشورات ممولة تظهر للمستخدمين المستهدفين في الصفحة الرئيسية ضمن خلاصات الأخبار التي تصلهم، لكن المنشور لا يظهر على صفحة المعلِن نفسه.

يستخدم هذه الأداة المعلنين في حال كانوا يرغبون في تقديم عروض ترويجية لخدمات لفترة محدودة، هي فترة ظهور الإعلان أمام الجمهور، وبمجرد انتهاء الفترة يختفي المنشور تمامًا، لكن في نفس الوقت يمكن استخدام «المنشورات السوداء» في أعمال الخداع والاحتيال، إذ يستطيع أي معلِن أن يعرض منتجًا وهميًّا، أو يقدم عرضًا غير حقيقي بحيث يغري الناس للتعامل معه والدفع مقابل تلك الخدمة، وفي النهاية لا يحصلون على شيء، وكذلك سيختفي الإعلان المحتال إلى الأبد.

عندما واجه فيسبوك اتهامات بالتغاضي عن إعلانات روسيا الترويجية، برر زوكربيرغ الأمر بأن تقييم الإعلانات من ناحية الدعاية الانتخابية ليس وظيفتهم.

بنفس الطريقة تسللت أصابع روسيا إلى صناديق الاقتراع الأمريكية بشكل غير مباشر، إذ كشف فيسبوك وجود حملة إعلانية قيمتها مئة ألف دولار، تم تشغيلها من خلال 470 حساب وهمي على الشبكة الزرقاء، لتطلق ثلاثة آلاف إعلان من المنشورات السوداء لصالح شركة روسية اسمها «Internet Research Agency»، في الفترة بين مايو 2015 ويوليو 2016، وهي فترة الماراثون الانتخابي نحو كرسي الرئاسة الأمريكية 2016.

ركزت المنشورات على نقاط حساسة في المجتمع الأمريكي، مثل شؤون المثليين وأوضاع المهاجرين، وتسبب ذلك في إثارة الرأي العام، فقد ركزت المنشورات على مناقشة تلك الأمور من وجهة متحفظة، فأدى الأمر إلى قلب الموازين لصالح الرئيس الحالي دونالد ترامب.

اقرأ أيضًا: من أجل الديمقراطية: لماذا قد نحتاج إلى بدائل لفيسبوك؟

أيهما أهم يا زوكربيرغ: المسؤولية أم النقود؟

الصورة: Jason McELweenie

يقدر فيسبوك على التحكم في المحتوى الذي يظهر على منصته، مثلما فعل حين قلل إشعارات الألعاب.

يؤكد مارك زوكربيرغ مرارًا وتكرارًا أن فيسبوك ليس شركة إعلانية أو إعلامية، وإنما منصة مفتوحة لجميع الآراء بكل صورها واختلافاتها وأشكالها، وليس من حق أي شخص أن يحجر على رأي غيره، لكن ذلك ليس حقيقيًّا، فشركة فيسبوك تتبع النموذج الربحي القائم على الإعلانات، وليس لديها مصدر دخل آخر سواه.

عندما واجه فيسبوك اتهامات بأنه تغاضى عن الإعلانات الترويجية الممولة من روسيا، برر زوكربيرغ الأمر بأن لديه فريقًا من مقيِّمي الإعلانات، لكنهم متخصصون في مراجعة الإعلانات والمحتوى الذي يبلغ عنه المستخدمون، والذي يدور عادةً في فلك المحتوى الجنسي أو العنيف، أما الدعاية الانتخابية فإنها ليست من وظيفتهم، وبالتأكيد هذا المبرر غير كافٍ أبدا لشركة لديها مليارَي مستخدم وقاعدة معلنين عملاقة مثل فيسبوك.

المبرر الأكثرإثارةً للاستغراب هو أن أي شخص يمكنه عمل إعلان عن أي شيء مهما كان، فالأمر برمته تتحكم فيه الخوارزميات وليس البشر، ويرى زوكربيرغ أن هذا كفيل بإخلاء مسؤولية شركته في ما يخص البروباغندا الروسية.

اقرأ أيضًا: علم النفس الرقمي الذي مكَّن ترامب من قيادة أمريكا

هناك مواقف كثيرة تدخل فيها فيسبوك للتحكم في المحتوى الذي يظهر على منصته، ففي 2011 قرر الحد من الإشعارات التي تصل إلى المستخدمين من الألعاب، مما أثر على عمالقة صناعة الألعاب مثل «Zynga».

وفي 2013، تحكم فيسبوك في حجم الروابط التي يتم مشاركتها لأخبار مغلوطة من مواقع مثل «Upworthy»، التي تنشر روابط إعلانية كثيرة في صفحة خلاصات الأخبار.

كذلك، طالب عديد من المسؤولين في دول مختلفة فيسبوك بالحد من المنشورات المتعلقة بموضوع معين التي تسيء إلى الحكومات في مواقف عديدة، مثلما حدث عام 2015 حين منع فيسبوك أي مستخدم في تايلاند من نشر محتوى مسيء للملك، بناءً على طلب الملك نفسه.

بالتأكيد يحاول فيسبوك توفير حرية الرأي، لكن الحرية لها أوجه عديدة، فكما سيروِّج أحد المعلنين عن منتج أو خدمة ستصل الأسواق قريبًا، سيروِّج آخر لخدمات سوداء تضر العالم، وفي النهاية خزانة فيسبوك هي المستفيد الأكبر.