يهمني الإنسان

امنعوا الفقراء من ممارسة الجنس: كيف ظهرت فكرة تحديد النسل؟

«كيتي ماريون» تبيع نسخ «مناقشة تحديد النسل» الداعمة للمالتوسية - الصورة: Margaret Sanger

يمكننا الجزم بأن عصر النهضة الصناعية شهد تحولات كبيرة على مستوى النمط الفكري والاجتماعي في أوروبا والعالم أجمع. من هنا ظهر «توماس روبرت مالتوس» ليدق ناقوس خطر يداهم البشرية كي يثير موجة من الفزع والرعب، فمن هو مالتوس هذا؟ وما الذي كشف عنه بالتحديد ليحدث كل هذا؟

مالتوس بحاجة إلى كثير من التعريف، فالساسة وعلماء الاجتماع والفلاسفة يعرفونه، حتى الأدباء لم يسلموا من موجته الفكرية العاتية، وعلى رأسهم البريطاني «توماس هاردي» الذي ملأ العالم بإنتاجه الأدبي المتشائم.

قد يكون من الغريب معرفة أن هذا المالتوس المرعب ليس إلا قس وديع، ولكنه بَشَّر ليس بالمسيحية، بل بـ«نظرية السكان والموارد-كارثة مالتوس» التي وصفها بعض الناس بالشيء الأكثر بشاعة منذ حقبة الطاعون الأسود.

هذا القس الذي تأثر بفلاسفة عصر التنوير أمثال روسو، كان متشربًا للمبادئ والتصورات الإنسانية، ووضع نظريته الخاصة بالسكان وفق قناعة تقول إن الزيادة السكانية ينبغي لها أن تُكبَح الآن عن طريق «أن تكون ممارسة الجنس امتيازًا وحكرًا على طبقة عليا تحيا في رغد المعيشة، أما الطبقة الدنيا، فليس من حقها أن تمارس الجنس لأن ذلك سيقودنا نحو جيل جديد من الفقراء، وتسريع وتيرة نمو عددهم، وزيادة مشكلات هذه الطبقة والعالم في العموم.

المالتوسية القديمة: لا جنس للفقراء


التوزيع الجغرافي للسكان

تسببت المالتوسية في تخدر «الحس الأخلاقي» للطبقات الحاكمة بإزالة المسؤولية عن كاهلها.

لكن كيف لذلك أن يتحقق؟ نرى إجابة توماس مالتوس، وبتكوين شديد التأثر برجال الدين، في كتابه «Three Essays on Population»، أن الحل يكمن في أن يُعلي الإنسان إرادته ورجاحة عقله فوق رغباته وغرائزه، وإن كان لا بد لهم من ممارسة الجنس والزواج، فليكن في مرحلة متأخرة من العمر.

مالتوس كان يدرك في قرارة نفسه أنه أوجد حلًّا راديكاليًّا، ومن الصعب تمرير ما ينصح به، ولكنه ظل مُصِرًّا على موقفه ولم يقفد الأمل في أن يكبح الإنسان شهواته، وظن أن الإنسان يستطيع ذلك إذا توفرت له قوة الإرادة والخلق القويم. وضرب مثلاً بنفسه كونه لم يتزوج إلا عندما بلغ الأربعين.

بالطبع، فإن دعوة مالتوس لم تجد صدى أو تأثيرًا يُذكر لدى الطبقة الفقيرة من المجتمع الأوروبي عمومًا والبريطاني خصوصًا، إضافة إلى كونه رافضًا كل وسائل منع الحمل بعد أن يكون الاتصال الجنسي قد حدث بالفعل، ولذلك رأى أنه ينبغي الامتناع عن ممارسة الجنس من الأساس، والتشديد على الحاسة الأخلاقية للأفراد والعمل على تدعيمها.

وعلى الرغم من كون المالتوسية لم تؤثر في الطبقات الفقيرة، فإنها أثرت بصورة كبيرة على الحكومات والمُشَرعين والمُصَنعين الذين رأوا في دعوة مالتوس تملصًا من التزاماتهم تجاه الطبقة الأدنى من المواطنين والعمال، إذ يأتي تبرير تردي الأوضاع المعيشية للفقراء بأنها نتيجة استسلامهم لغرائزهم الجنسية التي تؤدي إلى مزيد من أفراد الأسرة التي يرعاها العائل منخفض الدخل، الأمر الذي يترتب عليه بطبيعة الحال مزيد من الاحتياج والإنفاق.

إذًا، فالمشكلة ليست في تدني الأجور أو الفساد الحكومي أو في عدالة توزيع الموارد، بل في الفقراء وغرائزهم. هذه رؤية تخدر «الحس الأخلاقي» للطبقات الحاكمة بإزالة المسؤولية عن كاهلها.

اقرأ أيضًا: أسئلة «السلطة الحيوية» وعنصرية الدولة في السودان

في النمسا كمثال، وحسبما يذكر الكتاب، سنَّت السلطات قانونًا أصبح بمقتضاه من يريد الزواج ملزمًا بإثبات أنه صاحب وظيفة، أو أنه يمتلك مصادر أخرى للإيراد والكسب، ما سمح للحكومة بالامتناع عن إصدار تلك التصاريح للفقراء والمعدمين، وظل هذا القانون ساريًا في النمسا حتى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى.

كذلك الأمر في ألمانيا، حيث أصدر الجيش البروسي تعميمًا بمنع زواج الضباط حتى يصلوا إلى الرتب العليا ما لم تمتلك زوجاتهم مصادر دخل خاصة بهم.

وعلى الرغم من هذه التقييدات، فإن النمو السكاني بقي على نفس معدله، إضافة إلى الزيادة التي شهدتها نسب الأطفال غير الشرعيين. كل ما حدث من تغيير في الوضع هو ازدياد نسبة الوفيات بين الأطفال غير الشرعيين نتيجة للتضييق، على خلاف الوضع عندما كان الزواج حرًّا غير مقيد بالعامل الاقتصادي.

من هنا يمكن استنتاج أن المالتوسية القديمة مفلسة من حيث المضمون، بدعوتها إلى الطهارة الجنسية التي لم تقف حائلًا دون وضع حد للزيادة السكانية المخيفة، بجوار عنصريتها وطبقيتها التي ظلت تتهم بها.

المالتوسية الجديدة: الجنس دون الإنجاب

انتهت حكاية مالتوس الأب ليظهر آخر، ولكن بفكر مغاير: مالتوس الابن اختلف كثيرًا عن مالتوس الأب الذي أقر بمبدأ السيطرة على الزيادة السكانية عن طريق «قوة الإرادة»، في حين أن الابن لم يعترف سوى بأحكام العقل مهما تكن قاسية، ويمكن اعتبار حادثة إصدار الحكومة الإنجليزية «معونة الفقراء» وتوزيع مساعدات تمنعهم من التضور جوعًا نقطة الصدام الأبرز بين المدرستين.

ففي الوقت الذي رأى فيه الأب أن هذا القانون غوث حقيقي للكادحين، فإن الابن رأى فيه إضاعة متعمدة لأموال الدولة وعارضه بقوة، وكانت وجهة نظر مالتوس الابن مستندة على أن «الاستمرار في زيادة نسل الفقراء ستبتلع أي محاولة لتحسين أوضاعهم المعيشية»، بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، إذ كان يرى في الحروب والكوارث والأوبئة هبة من الطبيعة نحو الطبقات الفقيرة. هذه البلاءات تعمل على تخفيض عدد السكان بحيث لا يزيد عن العدد الذي تستطيع الموارد الطبيعية خدمته.

يقول مالتوس الابن في معرض سرده في مجلة «المصلح الاجتماعي»: «لولا هذه العوامل المباركة (الحروب والكوارث والأوبئة) لأصبح عدد سكان أوروبا 50 مليار نسمة في عام 2000، في حين أن موارد القارة مجتمعة لا تكفي سوى لملياري نسمة فقط».

قد يهمك أيضًا: إعصار «هارفي»: حتى الكوارث الطبيعية تنحاز ضد الفقراء

كان من الطبيعي إذًا أمام فشل المالتوسية القديمة إحداث تغيير جذري في النظرية التي تعارضت مع الغريزة البشرية والدعوة إلى التطهر الجنسي، فقد وجه مالتوس الابن ومؤيدوه النظر نحو كيفية تحسين الوضع الإقتصادي للفقراء مع الحفاظ والإقرار في حقهم الطبيعي في ممارسة الجنس مع الاكتفاء بحثِّهم على عدم الإنجاب، وبدلًا من ذلك عملوا على استحداث وسائل جديدة تتكفل بمنع الحمل ونشرها في الأوساط الفقيرة.

لعل أولى هذه المحاولات كانت على يد عالم الاجتماع «فرانسيس يلدس» الذي نُشِرَ في 1822 كتابًا بعنوان «صور وأدلة على مبدأ السكان»، وأتبَعَه بكتاب «ما هو الحب؟» الذي ضَمَّنه أساليب منع الحمل ووسائله، وسرعان ما انتشرت هذه الدعايا خارج بريطانيا حتى وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك صدور كتاب «عناصر علم الاجتماع» عام 1854 للطبيب البريطاني الشهير «جورج ديرسول» وانتشاره كالنار في الهشيم، حتى أنه أُعيد طبعه أكثر من 35 مرة في بريطانيا وحدها، وتفوق على الكتاب الثوري «أصل الأنواع» لتشارلز داروين الذي صدر في نفس الفترة، ليصبح الكتاب الأكثر ذيوعًا في القرن التاسع عشر.

في العام 1860 استطاعت حركة المالتوسية الجديدة استصدار مجلة «المصلح الاجتماعي» التي كانت ذائعة الصيت بسبب حدة صراحتها في تناول الشأن، واستمر صدورها 17 عامًا دون انقطاع.

لم تقف المالتوسية الجديدة عند حد المطالبة بتحديد النسل، بل ذهبت نحو تحسينه، لتؤسس بذلك فرعًا جديدًا للعلوم الطبيعية: علم تحسين النسل، ولن يجانبنا الصواب إذا قلنا إن الداروينية والمالتوسية الجديدة فرعان منبثقان من مصدر واحد هو نظريات توماس روبرت مالتوس أو «المالتوسية القديمة».

المالتوسية في مواجهة «النظام العام»

ما فلسفة المالتوسية؟ ولماذا تُنتقد؟

سيقت السيدة «آني بيزانت» للمحاكمة بسبب مقالاتها شديدة الجرأة المؤيدة للمالتوسية الجديدة.

من الأمور التي تثير الدهشة أن الدعوة إلى تحديد النسل بدأت في العصر الفيكتوري، المعروف بأنه حقبة مليئة بالتزمت والحرص على المظاهر والحياء العام، وكان ما هو مرجو لدى جمهور من العوام البريطانيين مراعاة الذوق العام واللياقة عند التطرق إلى موضوعات كهذه.

ذات صبيحة حدث أمر أنهى هذا الترحاب الذي قوبلت به المالتوسية الجديدة. حادثة صغيرة كانت نقطة الانطلاق إلى اضطهاد الحركة، فقد وقعت نسخة من كتاب عن الجنس يدعى «فواكه الفلسفة» للدكتور نولتون في يد مفتش بوليس مدينة بريستول البريطانية، فقرر أن فيه خروج على الآداب العامة والتهذيب، وطلب من القضاء إصدار قرار بمنع الكتاب ومصادرة النسخ المتاحة كافة.

الغريب في الأمر أن هذا الكتاب كان قد صدر قبل هذه الواقعة بقرابة نصف قرن، ولم ينتبه إليه أحد قبل هذا المفتش، وكذلك لكونه متحفظًا للغاية من حيث المحتوى إذا ما قورن بما تتناوله المجلة النظامية لحركة المالتوسية الجديدة «المصلح الاجتماعي».

انفجرت الأوضاع عندما أعاد «تشارلز برادلاف»، رئيس تحرير «المصلح الاجتماعي»، طبع كتاب «فواكه الفلسفة» وتوزيعه متحديًا السلطات، فاقتيد إلى المحاكمة التي قضت بوضعه في السجن ستة أشهر وغرامة 200 جنيه.

أثارت المحاكمة سخطًا شديدًا في أوساط البريطانيين حتى هؤلاء الذين لا يقرأون المجلة، ولكنهم رأوا في شخص برادلاف شجاعة في الوقوف ضد السلطات التعسفية، حتى وصلت الموجة إلى الولايات المتحدة عندما قررت مجموعة من أطباء جامعة هارفارد طباعة الكتاب الممنوع وتوزيعه، أمام هذا الضغط اضطرت السلطات البريطانية إلى الإفراج عن برادلاف.

لم يكن برادلاف الوحيد الذي تعرض للاضطهاد من دعاة المالتوسية الجديدة بسبب آرائه، فهناك أيضًا السيدة «آني بيزانت» التي سيقت للمحاكمة كذلك بسبب مقالاتها شديدة الجرأة المؤيدة للمالتوسية الجديدة، فعملت هذه السيدة المتحمسة على حشد الرأي العام الذي رأى فيها ضحية للاضطهاد الفكري في هذه الحقبة، وأسست قاعدة شعبية راسخة تؤيد الصراحة التامة في تناول موضوعات تحديد النسل وإتاحة الحرية الكاملة في نشر المعلومات العلمية المتعلقة به، محققة بذلك نصرًا كبيرًا للمالتوسية الجديدة.

رغم أنها بدأت معادية للفقراء ومحتفية بالكوارث التي تقتلهم، فإنه من الواضح أن سبب ذيوع المالتوسية الجديدة أن كل فرد في المجتمع قادر على تطبيقها في حياته الخاصة دون عون أو احتياج للدولة أو حتى طلب الإذن منها.

ففي حال افترضنا أن الدولة سترفض وسائل منع الحمل الصناعية أو الكيميائية، فهذا لن يقف حائلًا أمام الشخص الذي يرغب في تجنب إنجاب الأطفال، لأن دعاة المالتوسية الجديدة لم يطلبوا سوى أن تدون النساء أوقات الحيض بدقة، ولا يمارسن الجنس في فترة محددة، وهذه الطريقة كانت فعالة ومعروفة لدى الإغريق والرومان، لكن طواها النسيان.

الكنيسة الكاثوليكية، التي ترفض استخدام الوسائل الصناعية لمنع الحمل، أقرت هذه الطريقة ولم تبدِ أي اعتراض.

المالتوسية والشيوعية

رغم المآخذ الأخلاقية عليها، كانت أفكار المالتوسية باكورة لحركة تهدف لئلا يستمر منحنى الزيادة السكانية في الصعود على حساب الموارد.

مما سبق نستنتج أن جهود مالتوس الأب والابن وبرادلاف وآني بيزانت وغيرهم، أسهمت في انتشار مفهوم ووسائل منع الحمل والحد من النسل، ولكن يبدو جليًّا أن هذه الجهود كانت ستذهب سدى إذا لم تكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية آنذاك تساعد على انتشارها، فقد كانت أوروبا كلها في القرن التاسع عشر تواجه حالة من التأزم الاقتصادي، ما جعل الطبقات الفقيرة ترزح تحت نير الفقر المدقع، وذلك يحيل أي زيادة في أفراد الأسرة إلى جحيم بسبب ارتفاع الحاجة المطلوب تلبيتها.

وسط هذا الجو، وجدت المالتوسية الجديدة ترحيبًا، إذ كانت بالنسبة إلى قطاع كبير بمثابة حل مشكلة زيادة السكان التي يعانون منها.

التصور الشيوعي حول المجتمع واحتياجاته الاقتصادية مبني على مبدأ الكفاية، فينبغي انتهاج مقاربة تخوِّل الدولة تطويع مواردها بما يتناسب مع تعدادها الحالي، ومن هذا المبدأ، فإن أي زيادة في العموم لن تنتج سوى مزيد من العوز والنقص، وهو ما حاولت الحكومات الشيوعية التعامل معه في الأساس.

بالنسبة إلى الشيوعية، فحل أزمة الموارد تكون بإعادة توزيعها والتخطيط لتلبية مطالب السكان، وهي حلول يراها المعتقدون بالمالتوسية أنها لن تجني ثمارها إلا في المستقبل،  بينما يعتقدون أن رؤيتهم أوجدت حلولًا جذرية في الوقت الحاضر.

الأفكار التي فتحت المالتوسية الجدل بشأنها، رغم المآخذ الأخلاقية والإنسانية عليها، كانت باكورة انطلاق حركة علمية واجتماعية منظمة تهدف إلى ترتيب البيت الإنساني، بحيث لا يستمر منحنى الزيادة السكانية في الصعود على حساب الموارد المتاحة، لكن يبدو أن الموجة لم تصل بعد إلى النصف الجنوبي من الأرض (باستثناء أوقيانوسيا والصين)، في ظل تنامي معدل المواليد بصورة طردية مع مرور الأيام.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.