كيف تشكِّلنا الحرب؟

الإرهاب كـ«أكشن شرعي»: داعش والقتل على طريقة ألعاب الفيديو

الصورة: وكالة أعماق

هذا الموضوع ضمن هاجس «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى في الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


حين سُئل المخرج النمساوي الكبير «مايكل هانيكه» عما إذا كان فيلمه «Funny Games» تفكيكًا للعنف، أجاب: «لا، بل تمثيل للعنف، محاولة تحليله من داخل الوسيط السينمائي نفسه».

تكمن مشكلة هانيكه مع تصوير السينما الهوليوودية للعنف، أو صورة العنف بشكل عام في الميديا والسينما، في أن هذا التصوير يخلق من العنف شيئًا قابلًا، ومُعَدًّا للاستهلاك.

يشير هانيكه إلى عنصر «الإثارة» الذي تتضمنه التمثيلات الهوليوودية للعنف، الإثارة التي تُحوِّل العنف إلى تجربة مشوقة في ذاتها، تجربة غير مدفوعة برغبة في الانتقام أو في تحقيق الثروة، وهو ما يراه في جرائم العنف المرتكبة بواسطة شباب من عائلات برجوازية في أوروبا، إذ الرغبة في اختبار تلك الإثارة هي المحرك الوحيد لهذا النوع من الجرائم.

يمكننا أن نتذكر تلك المقولة ونحن نشاهد هوليوود وهي تحارب الإرهاب. ففي عدد من أفلام الأكشن الأخيرة، يظهر الإرهاب ثيمة رئيسية أو خلفية للأحداث.

محاربة الإرهاب الهوليوودية

لقطة من فيلم «American Assassin» - الصورة: CBS Films

في بداية أكتوبر عام 2001، قرر البنتاغون أن يطلب مساعدة هوليوود، إذ أوردت الصحف أن مجموعة تضم بعض كُتاب السيناريو ومخرجي هوليوود المختصين في أفلام الكوارث، تشكلت بطلب من البنتاغون بهدف تخيل السيناريوهات المحتملة للهجمات الإرهابية وكيفية محاربتها. جرت سلسلة من الاجتماعات بين مستشاري البيت الأبيض وكبار مديري هولييود التنفيذيين لتنسيق المجهود الحربي وتحديد كيف يمكن لهوليوود المساعدة في «الحرب على الإرهاب».

تكرار موضوع الإرهاب في الأفلام الهوليوودية المعروضة في 2017 يبدو مشابهًا لهذا التنسيق الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر، لكن ثَمّة تغيرات ملحوظة بين هوليوود في بداية الألفية وهوليوود الآن في تناولها للإرهاب الأصولي الإسلامي.

لا يهدف «الأكشن الداعشي» فقط إلى إيقاظ «العالم» من الخدر الإيديولوجي، بل يتمثل كل الثيمات التي يمكن للوسيط البصري أن يقدمها.

بالطبع لا نقصد تغيرات في جماليات السينما أو في بناء السيناريو والدراما، وإنما نقصد تحديدًا تصوير شخصية الإرهابي داخل الفيلم الهوليوودي. صارت ملامح الإرهابي أكثر دقةً وبُعدًا عن السمات الكاريكاتيرية السابقة، على الرغم من تكرار الحبكات الهوليوودية المعهودة.

مثلًا، نرى في فيلم «American Assassin» هذا التمثيل المشوق لفكرة القتل. يقرر الشاب «ميتش راب» اصطياد الإرهابيين انتقامًا لمقتل صديقته في هجوم إرهابي على أحد الشواطئ الأوروبية. في بداية الفيلم، يصل الشاب إلى قادة التنظيم الجهادي في ليبيا عازمًا على قتلهم جميعًا، إلا أن القوات الأمريكية تتدخل وتقضي عليهم، لكنها تستغل غضب الشاب ورغبته في الانتقام وتجنِّده في برنامج عمليات سرية.

يستهدف هذا البرنامج القضاء على الأعداء الخطرين على الأمن القومي الأمريكي. القتل في الفيلم تجربة مشوقة، تكليلٌ لمجموعة من التدريبات والتمرينات على أجهزة محاكاة القتل الميداني، وتكليلٌ لمهارات المجند في الفنون القتالية المختلطة.

لكن الأفلام الهوليوودية لا تستطيع أن تصور الطابع العنيف والصادم للإرهاب رغم كثرة أفلام الكوارث. إخفاقها في تصوير بشاعة الإرهاب الأصولي يشابه إخفاقها في تصوير رعب النازية، لأن هوليوود تعطي الأولوية لعنصر «الإثارة» على العناصر الفنية الأخرى.

خط إنتاج الأكشن الشرعي

الإغراق عند داعش - الصورة: وكالة أعماق

الحضور المشهدي البصري للإرهاب لم يعد مقتصرًا على التصوير السينمائي المناهض له. فمنذ إعلان «الدولة الإسلامية» المزعومة والعالم يطالع إصدارات «داعش» عبر مقاطع الفيديو التي يطلقها التنظيم من وقت إلى آخر.

تتجاوز المسألة مجرد إدراك التنظيم لهيمنة ثقافة الصورة في صناعة البروباغندا الخاصة بها، إلى شكل من تأثير استعراضي أو استعراض مسرحي للإرهاب. لا يهدف «الأكشن الداعشي» فقط إلى إيقاظ «العالم» من الخدر الأيديولوجي، بل يتمثل كل الثيمات التي يمكن للوسيط البصري أن يقدمها.

قد يهمك أيضًا: أسوأ ما فينا: من أين نأتي بكل هذه القسوة؟

«الأكشن» في أفلام التنظيم المتعددة يجعلنا نتساءل: كيف يصور الإرهاب نفسه؟ ما خطابه البصري عن العنف؟ والسؤال الأهم الذي يقفز إلى أذهاننا ونحن نشاهد القتل الداعشي: أين رأينا الفعل ذاته من قبل؟

تبعث الفيديوهات الداعشية على نوع من «الديجافو»، فالمرجعية البصرية لها تبدو مألوفة، وبخاصة للأجيال الشابة، لأنها توظف كل منجزات ثقافة «البوب» التجارية من أفلام الأكشن وألعاب الفيديو داخل منتجاتها الخاصة.

أي متابع لألعاب الفيديو سيجد تماثلًا واضحًا بين الطرق المباغتة للقتل والاغتيال فيها والطرق التي يصورها داعش في أفلامه. كأن الإرهابي محاكاة واقعية لجندي في لعبة مثل «Call of Duty»، من خلال زاوية التصوير المعروفة ﺑـ«First Person Shooter»، فتظهر الكاميرا وكأنها عين الإرهابي. لا نرى سوى المسدس أو الرشاش الآلي في الأيدي، وعند مباغتة الضحية من الخلف، وقبل تفجير رأسها، نشهد نوعًا من التصوير البطيء (Slow Motion) على نمط تلك الألعاب، كأن هناك من ضغط على زر «Control + Alt» مثلًا.

تُستخدَم في أفلام التنظيم تقنية الإرجاع (Rewind) عند تصوير تفجير دبابة أو مدرعة بلغم أرضي أو مدفع هاون. تنفجر المدرعة إلى قطع متناثرة، ثم ترجع إلى سيرتها الأولى، ثم تنفجر، وهكذا، كأننا أمام تقديم وإرجاع وتسريع كما في الفيديوهات الكوميدية أو استوديوهات تحليل مباريات كرة القدم.

قد يعجبك أيضًا: العنف الأخلاقي: أعداؤنا بشر مثلنا.. ولهذا نقتلهم

تشبه فيديوهات داعش أيضًا أفلام القتل «السناف»، التي تصور قتل بشر فعلًا، وتُنتَج وتُوزّع بهدف وحيد هو الربح، وقد تتضمن تلك الأفلام قتل حيوانات أو حوادث انتحار.

الإصدارات الداعشية مزيج أو توليف بين أفلام السناف والأكشن الهوليوودي، لكن التأثير الاستعراضي لها لا يهدف إلى الربح، بل الترهيب الأيديولوجي. وكما يمزج كاتب ما بعد حداثي بين «البوب آرت» والأدب «الرفيع»، تمزج مقاطع داعش بين خطاب موغِل في الأصولية وثقافة البوب، بين ألعاب الفيديو ونشيد «صليل الصوارم».

تتضافر عدة عوامل في الإصدارات الداعشية جاعلةً منها أبشع ما يمكن مشاهدته، في مقدمتها اليقين التام بأن ما شاهدناه من قتل وعنف وأعمال تصفية «حقيقة» و«واقع»، وليست كذبة سينمائية افتراضية. إلا أن النقطة الأهم هي توفيرها غطاءً شرعيًّا لتجربة العنف. يقدم داعش تمثيلًا واقعيًّا لما قلدته أفلام أخرى من قبل كموضوع فانتازي.

الفارق بين شرعنة العنف عند داعش والشرعنة المتخيلة للعنف في الفانتازيا الديستوبية، أن الغطاء الذي يوفره داعش قانون «إلهي»، يمكن بموجبه قتل البشر جميعًا.

في سلسلة أفلام «The Purge» للمخرج «جيمس ديموناكو»، نشاهد في إطار من الإثارة والرعب تلك الفرضية عن شرعنة القتل والجرائم أو تقنينها. في المستقبل القريب عام 2022، يتصور الفيلم أن الحكومةَ وضعت قانونًا يجعل جميع الأفعال المشينةَ في ليلة 21 مارس من كل عام، ولمدة 12 ساعة، «قانونية» تمامًا، بما في ذلك القتل والسرقة والاغتصاب، وذلك للتنفيس عن غضب الشعب. ومسموح في تلك الليلة باستخدام جميع أنواع الأسلحة، وكذلك القتل والتعذيب بشتى الأساليب والطرق.

وفي المسلسل الأمريكي «West World»، نجد ثيمة مشابهة عن الغطاء الشرعي للعنف دون عواقب، إذ الحديقة التي توفر لضيوفها كل الملذات العنيفة وأعمال القتل عبر مجموعة من الآلات ذات الذكاء الصناعي، يفعل بها البشر ما يشاؤون.

الفارق بين شرعنة القتل والعنف عند داعش، والشرعنة المتخيلة للعنف في الفانتازيا الديستوبية كما في سلسلتي «The Purge» و«West World»، أن الغطاء الذي يوفره داعش ليس قانون دولة، وإنما قانون «إلهي» بالنسبة إلى مؤيدي التنظيم، يمكن بموجبه قتل البشر جميعًا. والقتل مباح لا لأن القتلى آلات ذات ذكاء صناعي، بل لأنهم مرتدون. والفارق الأهم أن داعش يقدم القتل لا كتجربة مشوقة فقط، أو كتعبير عن غرائز عنيفة طليقة، وإنما في إطار من «الجهاد المقدس» بغرض «إرسال المرتدين إلى جهنم أفواجًا» وإقامة مملكة الله فوق تلك الجثث.  

يُطرَح الإرهاب «الجهاد» كعنصر إثارة «شرعي»، والعنف كتجربة قابلة للتعميم والاشتراك في إنتاجها لمن يريد ذلك، وليست للاستهلاك فقط.

يؤكد الفيلسوف الفرنسي «جان بودريار» أننا غارقون في عالم ما بعد حديث، لم يعد فيه «المشهد» وهمًا، بل غدا «الشيء الواقعي»، ومَشاهد القتل الداعشية إعلان عن تحويل الواقع/العالم الافتراضي للعنف إلى واقع «حقيقي» يمكن معايشته.