عالمنا

كيف نشأ «الموت الأسود»؟ قصة وباء فتك بثلث البشر

الصورة: Getty/DEA  G. DAGLI ORTI

«المنازل خاوية، والمدن مهجورة، والبلد مُهمَل. الحقول ضيقة جدًّا على الموتى، وعزلة مخيفة وكلية شملت الأرض كلها. ما أسعد أناس المستقبل الذين لم يشهدوا هذه المأساويات، بل وربما يدرجون شهادتنا مع الأساطير» - الشاعر «فرانشيسكو بتراركا»، عن هجمة الموت الأسود لعام 1348

مات ثلاثة ملايين شخص في أوروبا، وملايين لا تُعد ولا تحصى في آسيا، بسبب هجمات الموت الأسود في العصور الوسطى. ماذا كان مصدر وحشية هذا المرض الفتاك؟ وهل يتوجب علينا أن نخافه اليوم، ونحن في أزهى عصور الطب والنظافة؟ في مقالٍ نشره موقع «Aeon»، تجيب «ويندي أورنت»، عالمة الأنثروبولوجيا، والمختصة في مجال الصحة والأمراض، عن هذه الأسئلة.

كابوس من الماضي

لوحة «The Triumph of Death» - الصورة: Pieter Brueghel the Elder

كان شاعر القرون الوسطى الإيطالي، الذي افتتحنا به حديثنا، ذا بصيرة. يصعب علينا أن نتخيل الواقع في هذه الفترة، لتصوُّر كيف كان الموت الأسود حقًّا. عليك أن تتخيل أن ثُلث الأشخاص الذين تعرفهم، أو ثُلث البشر الذين تراهم يسيرون حولك في الشارع، قد اختفوا فجأةً. لا يُمكن تصور شكل العالم الذي فقد ثُلث سكانه في غضون ست سنوات، لكنه حدث مرة واحدة فقط في التاريخ.

خلال هجمة الطاعون في هذه الفترة، لم يكن هناك مكان كافٍ لدفن جميع الجثث، كان الناس يُترَكون في الشارع، أو ينهارون على الرصيف، محاولين التنفس حتى يموتوا. كنت ستقابل صديقًا لتتناول طعام الغداء معه، بحلول الليل تجده ميتًا. لن تعرف أبدًا مَن الذي سيُصيبه السهم بعد ذلك، زوجتك أو أطفالك أو أصدقاؤك أو ربما أنت. قد ينبثق تورم كبير ومؤلم جدًّا تحت ذراعك، أو في فخذك، أو في لحظة قد تشعر بأنك بخير، وفي اللحظة التي تليها ستبصق دمًا، ودائمًا ما كان هذا البصق الدموي قاتلًا.

لم يكن الأول، فقد كان هناك أوبئة مرعبة قبله. طاعون أثينا عام 430 قبل الميلاد، والذي أهلك معظم أهلها، وربما كان سببه التيفوس. والطاعون الأنطوني من 165 إلى 180 بعد الميلاد، والذي خلَّف مصائب هائلة في الإمبراطورية الرومانية، في عصر «ماركوس أوريليوس»، وكذلك «طاعون جستنيان» عام 541 ميلادية، والذي قتل ملايين البشر، وانتشر حول البحر الأبيض المتوسط وفرنسا وألمانيا، وربما الجزر البريطانية كذلك.

نما الموت الأسود بسبب تحالف أربعة مسببات: جرثومة ومضيف وإمبراطورية وبرغوث. لولاهم لم يكن للموت الأسود أن يحدث.

يُعرَّف طاعون جستنيان بأنه «الوباء الأول»، تبعه الموت الأسود (الوباء الثاني) بعد ما يقرب من 800 سنة، تحديدًا بين عامي 1346 و1353. وبدأ «الوباء الثالث» في الصين، نهاية القرن التاسع عشر، وانتشر في إفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، حيث لا يزال يُسبِّب العدوى البشرية بين حين وآخر.

على مدى 30 عامًا، تسبب الوباء الثالث في وفاة نحو 12 مليون شخص في الهند فقط. لكنه كان بطيئًا بشكل إيجابي مقارنة مع سابقيه، باستثناء تفشي حالات عنيفة وقصيرة الأمد للطاعون الرئوي في آسيا الوسطى.

كل أنواع الطاعون مميتة. الطاعون الدبلي غير المُعالَج، الذي ينتقل عن طريق البراغيث عبر الجلد، وهو ملحوظ جدًّا بسبب الانتفاخات الهائلة للغدد اللمفاوية المعروفة بالأدبال، يقتل نحو 60% من المصابين، ويعد النسخة غير القوية للطاعون. أما الطاعون الرئوي، الذي ينتقل عن طريق الهواء من شخصٍ إلى آخر، فيقتل بنسبة 100% تقريبًا.

لفهم الفرق بين الأوبئة المختلفة، من المهم إدراك أن حدة الجرثومة، أو قدرتها المميتة، وقابليتها للانتقال (القدرة على الانتشار من مضيف إلى آخر) ليسا الشيء نفسه. لم يكن الموت الأسود أكثر فتكًا من الأوبئة الأخرى، بل كان أكثر قابليةً للانتقال. انطلق من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، قضى على أسر بأكملها. بعضهم دفنوا جميع أطفالهم قبل أن يموتوا هم.

خشي الأطباء أن يعالجوا المرضى، فأصبح معظم الموجودين مرضى، ومات كثيرون. تولَّت الراهبات رعاية المُحتضرين، ثم بدأن طريقهن نحو الموت. امتطى الرجال أحصنتهم وَفَرُّوا، حتى ضربهم المرض بعد بضعة أيام. وهكذا انتشر الطاعون كالنار في الهشيم.

على الرغم من أن الأوبئة تحدث مصادفةً، فإنها لا تحدث دون سبب. تبدأ مع واحدة من أخبث جراثيم المرض في شكل قابل للانتقال بجموح، وقادرة على التحرك جيدًا خلال الهواء، أو بمساعدة حشرة البرغوث البشري. نما الموت الأسود بسبب تحالف دقيق للظروف، وكان هناك أربعة مسببات رئيسية: جرثومة ومضيف وإمبراطورية وبرغوث. لولا هذه النجوم الأربعة المظلمة وتوحدها، لم يكن للموت الأسود أن يحدث أبدًا. ولكن ما إن نرسم خريطة لتحالف هذه الأمور، سنكون أكثر استعدادًا لمحاربة أوبئة الطاعون القاتلة الجديدة، أينما تنبثق.

قد يهمك أيضًا: الإنسان والمرض: من ينتصر في النهاية؟

قارض ناقل للمرض

لوحة «The Chronicles of Gilles Li Muisis» الصورة: Dottore

كان الموت الأسود أمرًا لا نظير له، سواء في حدته، أو في انتشاره. فقد تساءل عدد من العلماء عن ما إذا كان سببه الطاعون أصلًا. قال عالم الحيوان «غراهام تويغ»، في كتابه «The Black Death: A Biological Reappraisal» (الموت الأسود: إعادة تقييم بيولوجية)، إن الطاعون لا يمكن أن ينتشر بسرعة كالموت الأسود. كان تويغ مُحقًّا في ذلك. ولسوء حظ مصداقية «تويغ»، قرر أن مرض الجمرة الخبيثة الذي تحمله الرئة هو العامل المرضي لمرض الموت الأسود، وليس الطاعون، مُتغاضيًا عن حقيقة أن الجمرة الخبيثة ليست مرضًا ينتقل عن طريق الرئة.

اقترح اثنان من الباحثين في جامعة ليفربول، وهما الراحل «كريستوفر دنكان» و«سوزان سكوت»، فيروسًا شبيهًا بفيروس «إيبولا» باعتباره المسبب المسؤول. ومع ذلك، لا يتشابه نمط الانتقال، ولا الأعراض الموصوفة في القرون القديمة، مع فيروس الإيبولا، أو أي حمَّى نزفية. لا يمكن التخلص من الجمرة الخبيثة ولا الإيبولا من الرئتين ببساطة.

حلل المؤرخ «سامويل ك. كوهن»، بجامعة غلاسكو في أسكتلندا، انتشار الموت الأسود من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، وأبرز نقطةً واحدة لا تقبل الجدل، وهي أن: «الموت الأسود انتشر أسرع مما ينتشر الطاعون اليوم».

يدخل حيوان «المرموط»، مضيف الموت الأسود في سبات شتوي، وتُبقي جراثيم الطاعون على نفسها فيه دون أن تقتلها.

في عام 2004، حلل فريق من باحثين فرنسيين حمضًا نوويًّا قديمًا مأخوذًا من لب أسنان الهياكل العظميّة المدفونة في مقابر ضحايا الموت الأسود، ووجدوا أدلة جينية مُقنِعة على وجود جرثومة «يرسينيا» الطاعونية.

وفي 2011، استخدم فريق دولي بقيادة البروفيسور «هندريك بوينار»، من جامعة ماكماستر، الحمض النووي القديم لتطوير مخطط جيني لمسبِِّب الموت الأسود. والنتيجة التي لا يمكن أن يكون بها أي خطأ، أن الموت الأسود كان طاعونًا.

هذا هو أول عامل دقيق نصل إليه: جرثومة يرسينيا الطاعونية. الطاعون أخطر مرض بكتيري عرفته البشرية على الإطلاق. لم يكشف مخطط بوينار عن جينات خاصة لحدة الجرثومة، ولم يحل اللغز الحقيقي للموت الأسود: ما الذي جعله أسوأ بكثير من كل هجمات الطاعون والأوبئة الأخرى الأكثر فتكًا؟ لكن بوينار اقترح أن الضراوة المميزة للموت الأسود يمكن أن يكون تفسيرها متعلقًا بفقر عالم القرون الوسطى وقذارته، وليس الجراثيم.

ترى «ويندي أورنت» أنه على الأرجح خاطئ. ولفهم قوة الموت الأسود يجب علينا أن نبحث ونتوجه إلى مكان آخر، إلى حيوان «المرموط»، من القوارض، المضيف الأصلي للموت الأسود. نحن نعلم أنه بدأ في آسيا الوسطى، وتقريبًا بين المراميط، القوارض الكبيرة والاجتماعية جدًّا، والتي يصطادها البشر غالبًا. المراميط منتشرة في كل مكان، وذات طابع مميز، لدرجة أن «ماركو بولو»، التاجر والرحالة الإيطالي، كان يُسميها «فئران الفرعون». لقد كانت مصدر تفشي هجمات ثلاثة من أوبئة الطاعون الرئوي في القرن العشرين.

اقترح تحليل بوينار أهمية حيوان المرموط في الموت الأسود. تحتوي سلالات المرموط الطاعونية الحديثة على جينات تتيح لها أن «تُخمِّر الغليسرول» (أي تستفيد من وحدة بناء الدهون الموجودة في حيوانات السبات الشتوي). تدخل المراميط في سبات شتوي، ويمكن لجراثيم الطاعون أن تُبقي على نفسها في الحيوانات الناعسة دون أن تقتل مُضيفيها.

في الربيع، تستيقظ العدوى مع استيقاظ المراميط، فتُمرِضُهم وتلوث البراغيث الموجودة في فروهم بالدماء المُحمَّلة بالبكتيريا. عدد من السلالات الحديثة، تحديدًا تلك المشتقة من الفئران، والتي لا تدخل في سبات شتوي، لا تستطيع تخمير الغليسرول. ومن المثير للاهتمام أن المخطط الجيني الذي أعاد بوينار بناؤه، يُظهِر أن سلالات الموت السوداء القديمة يمكن أن تُخمِّر الغليسرول أيضًا، وهذا دليل إضافي على وجود علاقة بين المرموط والموت الأسود.

في أوائل القرن العشرين، لاحظ عدد من الأطباء أن عدوى الطاعون الآتية من المراميط، والتي تنتشر بعدها بواسطة البراغيث، لديها كذلك قدرة غير عادية للوصول إلى رئتي المرضى البشريين، والتسبب في هجمة رئوية.

في وباء عام 1920، ظهرت الحالة الموثَّقة الأولى، وهي امرأة كانت قد أصيبت بالطاعون الدبلي من خلال الجلد، من مرموط، ثم تطورت حالتها لاحقًا إلى التهاب رئوي ثانوي. على الرغم مما بذله الأطباء من مجهود، فإن السلالة الرئوية أفلتت من المستشفى، وفرَّت مع الجنود على سكة حديدية، وتسببت في وفاة 10 آلاف شخص قبل أن يسيطر عليها الأطباء وعاملو الصحة العامة.

أطلع خبير الطاعون الروسي الراحل «Igor V Domaradskij» (إيغور في دمارادسكج)، ومصمم مشارك لبرنامج الأسلحة البيولوجية السوفييتي المعروف باسم «Biopreparat»، الكاتبة «ويندي أورنت»، على أنه في عام 2003، كانت سلالة الطاعون الوحيدة التي عمل السوفييت على تنفيذها هي طاعون المرموط، الطاعون الذي فهموا قوته المتفجرة جيدًا.

«فلاديمير موتين»، خبير طاعون روسي يعمل في فرع جامعة تكساس الطبي في غالفستون، يتفق على أن السلالات التي حملها المرموط من آسيا الوسطى كانت الأكثر قوة وخطورة من سلالات الطاعون الموجودة في أماكن أخرى من العالم. لكنه يضيف أنه لا أحد يعرف السبب حتى الآن، لا يمكنك قراءة قابلية الانتقال من خلال النظر إلى مخطط حيني، على الرغم من أن السلوك المتفجر للطاعون المشتق من المرموط واضح من التاريخ الحديث.

الراجح أن يكون العامل الثاني المظلم، ألا وهو المضيف (مرموط آسيا الوسطى) ثابتًا في سماء الوباء كحامل لأكثر أنواعه تفجرًا.

اقرأ أيضًا: أمراض تتحكم في أدمغة الضحايا، وربما تدفعهم إلى الانتحار

الوباء يجوب العالم

الصورة: Fæ

على الرغم من أن الطاعون مرض أتى من القوارض، فإن الموت الأسود لم ينتشر بين المراميط، بل انتشر بين البشر.

العامل الثالث هو الإمبراطورية. تشير التقارير التي وصلت إلينا من العصور الوسطى إلى مصدر الموت الأسود على أنه بدأ في «أرض الظلام»، في إشارة إلى آسيا الوسطى، أو ربما في الصين، حيث اكتُشفت أقدم مقابر للطاعون في آسيا الوسطى، والتي يعود تاريخها إلى ما يقرب من عام 1339 (قبل وقت قصير من تفشي الموت الأسود عبر آسيا وأوروبا). لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هؤلاء المسيحيين المطمئنين في مأواهم النائي هم الحالات الأولى للموت الأسود، لكنهم كانوا بالتأكيد من بين الحالات المُبِّكرة.

وجد الموت الأسود طريقه عبر القرى الصغيرة والمستوطنات المترحلة المغولية على حد سواء، مُجتاحًا المدن والمناطق الزراعية ومعسكرات الجيش والقوافل، ومُستفيدًا من نظام النقل المغولي السريع لعربات الخيول، فانتشر الجنود في جميع أنحاء الممالك الأربعة التي يحكمها أحفاد جنكيز خان، وسافر الطاعون معهم، إلى جميع أنحاء أوزبكستان وكازاخستان، إلى بلاد فارس وشبه جزيرة القرم في أوروبا، ومن هناك انتشر إلى تجار مدينة جنوة الإيطالية الذين خيَّموا حول مدينة كافَّا التجارية على البحر الأسود، ثم إلى القسطنطينية عند مضيق الدردنيل في تركيا، ثم إلى البحر الأبيض المتوسط، إلى جزر كريت وسردينيا وصقلية، قبل أن يشق طريقه إلى جنوة منفجرًا على البر الأوروبي.

كيف يمكن أن يُقال إن كل تلك الأماكن والظروف الاجتماعية والبيئية كانت متشابهة، وكلها عُرضة للطاعون بالمثل؟ من بين جميع تفسيرات الموت الأسود، نظرًا إلى انتشاره وعدم تمييزه، يبدو لأورنت أن الظروف «الاجتماعية والبيئية» هي الأضعف. فلا يمكننا مقارنة الأحياء الفقيرة في لندن بقصر فارسي أو بقرية نسطورية، فهُم عوالم منفصلة حرفيًّا.

لكن كيف وصل الموت الأسود إلى الشعب المغولي وتنقَّل بينه؟ هل حمل الجيش المغولي معه مراميطًا في أثناء رحلته عبر آسيا؟ هل انتقلت الحبوب والقوراض في شكائر التجار المغوليين، كما يشير المؤرخ «وليام ماكنيل»، في كتابه «الطاعون والشعوب»؟ كان ماكنيل يفكر في الفئران، ولكن مرموط آسيا الوسطى يمكن أن يكون بطول قدم (نحو 30 سنتيمترًا) أو قدمين، لذلك يبدو النقل المغولي غير المعتمَّد للقوارض احتمالًا بعيدًا.

ربما تكون مصادر الموت الأسود أبسط بكثير. جاء من المرموط والصيادين المُصابين، وحدث هذا مرارًا وتكرارًا. طريقة انتشار الموت الأسود هي ما جعلته مختلفًا.

على الرغم من أن الطاعون مرض أتى من القوارض، فإن الموت الأسود لم ينتشر بين المراميط، بل انتشر بين البشر. انتشر الطاعون بسرعة لأن المغول، وهم على ظهور جيادهم الإمبراطورية (النجم المظلم الثالث في كوكبة الطاعون) انتشروا بسرعة. الانتقال السريع والغامض للموت الأسود يمكن أن يعني شيئًا واحدًا فقط: أنه قد أصبح على الأقل لفترة مرضًا بشريًّا سريع الحركة وتحمله الخيول على ظهورها. أي مسبب مرضي بشري فعال ينتشر بواسطة فرسان المملكة.

تبزغ صورة الموت الأسود رويدًا رويدًا. تُظهِر إعادة بناء الحمض النووي التي أجراها باحثون صينيون ما يُسمى بـ«polytomy»، وهو عبارة عن إزهار سلالات جديدة بعد فترة وجيزة من اندلاع المرض. يبدو أن بعض هذه السلالات نهايات وراثية مسدودة، لكن بعضها الآخر أدى إلى ظهور جميع سلالات الطاعون التالية في عالمنا اليوم.

هذا يُشير، ليس إلى عملية انحراف جيني، بل إلى تكيُّف تطوري. سلالات الطاعون تكيفت مع مضيف بشري جديد. وهذا التكيُّف عملية تطورية ناتجة عن عمل الانتخاب الطبيعي، وليس مجرد سلسلة من طفرات عارضة ودون معنى. على سبيل المثال، من الممكن أن يتكيف جدري القوارض «Rodent Pox» مع الكائنات البشرية ليصبح الجدري المألوف لدينا «Smallpox». وبالمثل، تعلَّم فيروس شلل الأطفال خِدَع المناعة البشرية الدقيقة، وتطورت بكتيريا المُتَفطِّرة الجذاميَّة لإنتاج المرض البشري الذي نعرفه باسم الجذام.

كان «روبرت بروبيكر»، خبير في الطاعون وعلم الأحياء المجهرية من جامعة ولاية ميشيغان، يعمل بوخز بكتيريا الطاعون وتحفيزها وعصرها وسحقها لأكثر من 50 عامًا بهدف إجبارها على كشف أسرارها. ويناقش بأن الجراثيم، بشكل عام، لا تتطور لقتل مُضيفيها لأن المضيف الميت فرصة ذات إمكانية أقل لانتشار العدوى إلى مضيف جديد.

يمكن للعدوى أن تنتقل بسهولة من مضيف يحتضر إلى آخر متحرك ونشيط. تستطيع البعوضة أو البرغوث أن يلدغك سواء كنت تتجول في الشارع أو كنت تطارد طفلًا أو مستلقيًا على فراشك. هنا، يصبح مستوى حدة الجرثوم أمرًا مهمًّا: أي حيوان له درجة أعلى من تجرثم الدم (أي معدل جراثيم أعلى الدم نتيجة لمرض شديد) يكون أكثر إمكانية لنقل هذه السلالات إلى برغوث، ثم إلى المضيف التالي.

هذا يعني أن الانتخاب الطبيعي سيفرض ضغطًا شديدًا على سلالات الطاعون التي تنقلها البراغيث لتكون خطيرة جدًّا. المستويات العالية من البكتيريا في الدم تسبب تعفن الدم أو تسممه. الراجح دائمًا أن يكون تعفن الدم قاتلًا، فبالنسبة إلى الطاعون تقترب معدلات الوفيات من 100%.

لن تلدغ البراغيث مُضيفًا ميتًا. لذلك، ومن أجل تحقيق هذا المستوى من الجراثيم في الدم، لكن وبمنع الموت السريع للمضيف في الوقت نفسه، فإن جراثيم الطاعون تقمع المناعة من خلال تثبيط إنتاج الجزيئات الالتهابية، المُسماة بـ«السيتوكينات» «Cytokines». وهذا هو السبب في أن المغولي يُمكنه امتطاء حصانهِ لأيام بعد أن يلتقط العدوى، ولا يعاني من أي حمَّى، ولا توجد غدد منتفخة أو أي أعراض مرضية على الإطلاق، ثم يسقط، وهنا تُستبدَل بأعضائه بكتيريا الطاعون، ويكاد يكون دمه أشبه بمُستَنبَت نقي لجرثومة يرسينيا الطاعونية.

قد يعجبك أيضًا: ما ﻻ تعرفه عن تحكم الجهاز المناعي في سلوكك الاجتماعي

الطاعون: عدوى متسللة

الصورة: 7mike5000

لكن هناك فاعلًا أساسيًّا آخر، على درجة كبرى من الأهمية، مثلما ترى كاتبة المقال، وهنا نتحدث عن البرغوث. لما لوحظ وجود التهابات في الغدد الليمفاوية داخل أجساد فئران لدغها برغوث، تناقش الخبراء منذ أوائل القرن العشرين أن بَرغوث الجرذ كان موجودًا في الأصل، لكن هذه ليست القضية.

يعيش البرغوث، ليس على الجلد أو في شعر الإنسان، بل في الفِراش والملابس. في القرن السابع عشر، وصف الكاتب «صموئيل بيبس» بعضًا من يوميات لندن بأن هناك سُحبًا من البراغيث تعذب المسافرين الذين اضطروا للنوم على ملاءاتٍ غير مغسولة. وبما أنه لم يكن هناك أحد مدركًا لكيفية انتشار الطاعون، فقد كان يُعاد استخدام الملابس والمفارش، حتى تلك الخاصة بضحايا الطاعون الميتين.

مع تحالف تلك النجوم الأربعة المظلمة، يمكن أن نستخلص أن الموت الأسود سببه جرثومة يرسينيا الطاعونية التي تطورت في آسيا الوسطى. وانتشر إلى البشر من حيوان المرموط، المصدر الأصلي والأكثر فتكًا. وبمجرد أن استكانت الجراثيم في البشر، تطورت بسرعة، ما أدى إلى ظهور سلالات جديدة أكثر فعالية كمسببات بشرية للمرض، على الرغم من أنه لا أحد يعرف بالضبط ما هي الطفرات التي حدثت في الحمض النووي التي أدت إلى هذا التغير. تصف نصوص القرون الوسطى كلًّا من البصق الدموي (العدوى الرئوية) والدبلات أو التهابات في الغدد الليمفاوية، المُشيرة إلى العدوى التي يحملها البرغوث، أنها من المؤكد تحدث بسبب إسهامات البرغوث البشري تحديدًا «Pulex irritans».

انتهى الموت الأسود عام 1353، لكن أسفر عنه ظهور سلالات طاعون أخرى استمرت في الانتشار حول أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر. واندلع آخر وباء في غرب أوروبا عام 1720، تحديدًا في مرسيليا. تفشت الأوبئة في روسيا وبلاد الشام خلال أواخر القرن التاسع عشر. في الهجمات اللاحقة، تضاءل «البصق الدموي»، ثم اختفى من السجلات كعَرَض أولي للمرض.

كان الطاعون الرئوي في الموت الأسود، بمعدلات وفياته غير العادية، مرضًا قاسيًا جدًّا على أن يتريث ويتحول إلى ألم بشري دائم في الجهاز التنفسي. بعد الموت الأسود، كانت الطريقة الرئيسية للانتشار من شخص إلى آخر هي حتمًا البرغوث البشري.

الطاعون ما زال هنا

حتى يومنا هذا. في عصر المضادات الحيوية، النظافة الشخصية، إذ لم تعد البراغيث البشرية تعذبنا، من غير الراجح أن نشهد موتًا أسود جديدًا، ولكن اثنين من أهم العوامل المسببة للمرض قديمًا: حيوان المرموط والإمبراطورية الاقتصادية سريعة التوسع، الطريقة التي ينتقل بها الناس من مكان إلى آخر، بسرعة شديدة، وبحرية انتقال واسعة، لا يزال بإمكانهما خلق مرض متفجر وقاتل. وحتى مع أفضل مدواة، لا يزال نحو 14% من ضحايا الطاعون الرئوي يموتون.

إن عرفنا العوامل التي أدت إلى الموت الأسود، وإن فهمناها تمامًا، فليس من المنطقي أن نسمح لهذا المرض الفتاك بالتحالف ضدنا مرةً أخرى.

, , , , , , ,